الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد كان رحمه الله على جانب من الصلاح، والورع، والزهد، وكثرة العبادة، وكان يعتكف طوال شهر رمضان من كل عام، توفي عصر يوم الخميس الثاني من شعبان سنة 977، سبع وسبعين وتسعمائة هجرية.
ومن مؤلفاته: شرح كتاب المنهاج، وشرح كتابه التنبيه، و"السراج المنير" في التفسير، وهو ما نحن بصدده الآن.
منهجه في تفسيره وقيمته العلمية:
وهو تفسير وسط بين الإطناب والإيجاز، اقتصر فيه على أصح الأقوال غالبا، ولم يذكر من الأعاريب إلا ما كانت الحاجة ماسة إليه، اعتمد فيه صاحبه على تفاسير من سبقه كالزمخشري والبيضاوي، والبغوي، والرازي وغيرهم، وقد ينقل فيه بعض تفسيرات مأثورة عن السلف، كما التزم فيه أن لا يذكر من الأحاديث إلا صحيحها، وحسنها، دون ذكر الضعيف والموضوع، ولذلك يتعقب الزمخشري، والبيضاوي في ذكرهما للحديث الموضوع الطويل في فضائل السور سورة، سورة، كما ينبه على الأحاديث الضعيفة إن روى شيئا منها في تفسيره1.
ولم يخلُ تفسير الخطيب من ذكر بعض القصص الإسرائيلي، منها ما يمر عليها مرورا مع غرابتها، من غير تعقيب لها بتصحيح، أو تضعيف، أو بيان منشئها، ومن أين جاءت، وغالب ذلك فيما يحتمل الصدق والكذب من أخبار بني إسرائيل، وليس فيه طعن في عصمة الأنبياء ومنها ما يذكره، ثم يتعقبه بما يدل على ضعفه، أو بطلانه، وهو يصنع ذلك في القصص الإسرائيلي الذي فيه ما يخل بعصمة الأنبياء، وذلك: مثل ما فعل في قصة سيدنا داود، على ما يرويها القصاص.
1 التفسير والمفسرون ج 1 ص 338 وما بعدها.
9-
إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم:
ومؤلفه هو: الإمام القاضي المفتي أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الحنفي، ولد سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، بقرية قريبة من القسطنطينية، ونشأ في
بيت عرف بالعلم، والفضل، والدين، تتلمذ على والده، وغيره من العلماء، وعلَّ من معينه بعد نَهْلٍ، حتى صار علما من أعلام العلم، تولى التدريس مدة، ثم ولى القضاء، وصار يتنقل فيه من بلد إلى بلد، حتى انتهى به الأمر إلى الإفتاء، وكان أبو السعود عالما، أديبا، متمكنا من اللغات الثلاث العربية، والفارسية، والتركية، وقد مكنت له معرفته بهذه اللغات الاطلاع على الكثير من الكتب التي أُلِّفَتْ بها، فاكتسب علمًا غزيرًا، ولم يدع له التدريس، وولاية القضاء، والتنقل بين البلاد مجالا للتأليف، فلم يترك لنا إلا تفسيره هذا، وبعض حواشٍ أخرى على تفسير الكشاف، وعلى شرح العناية على الهداية، وهي ناقصة، وبعد هذه الحياة العلمية الحافلة توفي بالقسطنطينية في أوائل جمادي الأولى سنة اثنتين وثمانين، وتسعمائة من الهجرة، ودفن بجوار الصحابي الجليل: أبي أيوب الأنصاري، فرضي الله عنه، وأرضاه.
منهجه في تفسيره وقيمته العلمية:
اشتغل العلامة أبو السعود في حياته بتدريس الكتابين المشهورين: الكشاف، وتفسير البيضاوي، حتى في الأوقات التي كان يخرج فيها مع السطان سليمان القانون غازيا، كان يشتغل بالتدريس لطلبته الذين كانوا لا يفارقونه، وقد كانت نفسه تتوق إلى تفسير جامع بين تفسير الكشاف، وتفسير البيضاوي، وأن يضيف إليهما ما اكتسبه من غيرهما من الكتب، ومن الفهوم التي فتح الله بها عليه في تفسير القرآن حتى حقق الله هذه الأمنية في آخر حياته، فكان ثمرة ذلك هذا التفسير العظيم الذي اشتهر بشهرة صاحبه، وعكف أهل العلم من يومها على دراسته، وسماه:"إرشاد العقل السليم، إلى مزايا القرآن الكريم"1، ولكنه خلصه من اعتزاليات الزمخشري، ونهج فيه منهج أهل السنة.
ومن أهم مميزات هذا التفسير: أنه خال من الاستطرادات والتوسع في ذكر الأحكام الفقهية والنحوية، ويكاد يكون خالصا للتفسير، وقد عني فيه عناية بالغة بإبراز وجوه البلاغة وأسرار الإعجاز في القرآن الكريم، ولا سيما في باب الفصل والوصل، ووجوه المناسبات بين الآيات، ولما كان أبو السعود ليس عربي المربى، وتغلب عليه الناحية العقلية، فقد جاءت عباراته وأساليبه في تفسيره فيها شيء كثير من العمق والدقة اللذين
1 تفسير أبي السعود على هامش تفسير الفخر الرازي ص 19 وما بعدها.
يبدُوَانِ في نظر القارئين له لونا من ألوان التعقيد والغموض والإغراب، وقد يذكر المبتدأ، أو الشرط ولا يذكر الخبر، أو جواب الشرط إلا بعد بضعة أسطر، ومن مميزاته خلوه غالبا من القصص الإسرائيلي، وإذا ذكر شيئا منه فإنه يذكره مضعفا له، أو منكرا أو مبطلا، ومبينا منشأه، وذلك مثل ما صنع في قصة هاروت، وماروت، قال:"وأما ما يحكى من أن الملائكة عليهم السلام لما رأوا ما يصعد من ذنوب بني آدم عيروهم..... فمما1 لا تعويل عليه؛ لما أن مداره رواية اليهود، مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل2" وقصة يوسف عليه السلام، في قوله تعالى:{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه} : فقد ذكر ما روى من الإسرائيليات في رؤيته برهان ربه، ثم قال:"إن كل ذلك إلا خرافات، وأباطيل تمجها الآذان، وتردها العقول، والأذهان، ويل لمن لاكها ولفقها، أو سمعها وصدقها"3.
نعم: قد ذكر بعض الإسرائيليات التي لا تخل بعصمة الأنبياء، ولكن فيها غرابة وبُعد، ولم يعقب عليها، وذلك مثل ما ذكره في الحجر الذي ضربه سيدنا موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشر عينا، وما ذكره في صفة يأجوج ومأجوج، وأن طول الواحد منهم ستمائة ذراع، وصفة إرم ذات العماد، مما هو من خرافات بني إسرائيل ومما يؤخذ عليه، ذكره متابعا للزمخشري والبيضاوي الأحاديث المروية في فضائل القرآن سورة سورة، وهي موضوعة باتفاق أهل العلم بالحديث، ومثل الحديث الذي ذكره في فضل سورة الفاتحة، حيث قال: وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا، فيقرأ صبي من صبيانهم في "الكتاب" 4!!: الحمد لله رب العالمين، فيسمعه الله، فيرفع عنهم العذاب أربعين سنة"، وما ذكره متابعا للزمخشري وغيره في سبب نزول قوله تعالى:{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ، وسأعرض لهذا ولغيره عند التفصيل. إن شاء الله تعالى.
1 هذا يشهد لما قلته عن خبرة ودراسة، فقد ذكر جواب الشرط بعد نحو صحيفة.
2 تفسير أبي السعود على هامش تفسير الفخر من ص 650- 652.
3 المرجع السابق ج 5 ص 179.
4 مما يدل على وضعه فضلا عن الطعن في سنده هذه اللفظة لأن كلمة "الكتاب" مستحدثة.