الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاختلاف بين السلف في التفسير اختلاف تَنَوُّع:
قلنا: إن الصحابة تلقوا معظم تفسير القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم ولذا: كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو: إن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، وربما تكلموا في ذلك بالاستنباط والاستدلال، بل ربما تكلموا في ذلك بما سمعوه من أهل الكتاب الذين أسلموا.
والخلاف بين السلف في التفسير قليل، وأما خلافهم في الأحكام: فهو أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى: اختلاف تنوع وتفنن في العبارة، لا اختلاف تضادٍّ، وذلك نوعان:
"أحدهما": أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى كتفسيرهم:
"الصراط المستقيم" فقال بعضهم: هو القرآن -أي اتباعه- لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي الذي رواه الترمذي، ورواه أبو نعيم من طرق متعددة:"هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم"، وقال بعضهم: هو الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان، الذي رواه أحمد، والترمذي والنسائي مرفوعا:"ضرب الله مثلا، صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، وداعٍ يدعو على رأس الصراط" قال: فالصراط المستقيم: هو الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب: محارم الله، والستور المرخاة هي: حدود الله، والداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مؤمن. فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ "صراط": يشعر بوصف ثالث.
وكذا قول من قال: هو السنة والجماعة: وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فكلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.
"الصنف الثاني": أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل ذلك: ما نقل في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّه} 1 فمعلوم: أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات، والمقتصد يتناول: فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق، يدخل فيه من سبق، فتقرب بالحسنات أي النوافل مع الواجبات فالظالمون هم: أصحاب الشمال، والمقتصدون هم: أصحاب اليمين، والسابقون هم المقربون.
ثم إن كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل: السابق: الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد: الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه، الذي يؤخِّر العصر إلى الإصفرار، أو يقول السابق: المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد: الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط، والظالم مانع الزكاة.
وهذا الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير؛ تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى، هو الغالب في تفسير سلف الأمة، الذي يظن أنه مختلف.
ومن التنازع الموجود منهم، ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين؛ إما لكونه مشتركا في اللغة، كلفظ القسورة2 الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد، ولفظ عسعس3، الذي يراد به إقبال الليل وإدباره، وإما لكونه متواطئا في الأصل، لكن المراد به أحد النوعين، أو أحد الشيئين كالضمائر، في قوله تعالى:{ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} 4 وكلفظ: {وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} وما أشبه ذلك. فمثل هذا يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك،
1 فاطر: 32.
2 المدثر: 51.
3 التكوير: 17.
4 النجم: 8، 9.
فالأول: إما لكون الآية نزلت مرتين، فأريد به هذا تارة، وهذا تارة أخرى، وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه؛ إذ قد جوز ذلك أكثر الفقهاء المالكية، والشافعية والحنبلية، وكثير من أهل الكلام، وإما لكون اللفظ متواطئا، فيكون عاما إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النوع إذا صح فيه القولان، كان من الصنف الثاني.
ومن الأقوال الموجودة عنهم، ويجعلها بعض الناس اختلافا: أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة، لا مترادفة، فإن الترادف في اللغة قليل وأما في ألفاظ القرآن: فإما نادر، وإما معدوم، وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن، فإذا قال القائل:{يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} 1، إن المور هو: الحركة كان تقريبا؛ إذ المور حركة خفيفة سريعة، وكذلك إذا قال: الوحي: الإعلام: أو قيل: أوحينا إليك: أنزلنا إليك أو قيل: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ} 2 أي أعلمنا، وأمثال ذلك، فهذا كله تقريب لا تحقيق، فإن الوحي هو: إعلام سريع خفي، والقضاء إليهم، أخص من الإعلام، فإن فيه إنزالا إليهم وإيحاء إليهم، والعرب تضمِّن الفعل معنى الفعل، وتعدِّيه تعديته
…
ومثل ذلك ما قاله أحدهم في قوله تعالى: {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَت} 3 أي تحبس. وقال الآخر: ترتهن، ونحو ذلك، لم يكن اختلاف التضاد وإن كان المحبوس قد يكون مرتهنا، وقد لا يكون؛ إذ هذا تقريب للمعنى، كما تقدم.
وجميع عبارات السلف في مثل هذا نافع جدا؛ لأن مجموع عباراتهم أدل على المقصود، من عبارة أو عبارتين وهذا الفصل الذي لخصته من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، من النفاسة بمكان4.
1 الطور: 9.
2 الإسراء: 4.
3 الأنعام: 70.
4 مقدمة في أصول التفسير 8-16، الإتقان ج 2 ص 176-177.