الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جـ-
تفسير الصحابة:
فإن لم نجد في القرآن، ولا في السنة والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، رجعنا في ذلك إلى ما صح وثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم؛ فإنهم أدرى منا بتفسير القرآن الكريم؛ فقد بين لهم النبي معاني القرآن، وشرح لهم مجمله، وأزال مشكله، وأيضا: هم أعلم بتفسيره منا؛ لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي أحاطت بنزول القرآن الكريم، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، والقلب المستضيء، والعقل الذكي، ولا سيما كبراؤهم، وعلماؤهم كالخلفاء الأربعة الراشدين المهديين، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وأمثالهم.
ولعلك على ذكر مما رواه أبو عبد الرحمن السلمي، التابعي الجليل عن كبار حفاظ القرآن، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا إذا نزل عليهم عشر آيات لم يتجاوزوها، حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعا.
وروي عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أنه قال: "من كان منكم متأسيا، فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم".
وروى الإمام أحمد والبيهقي عن الشافعي رحمه الله: أنه ذكر الصحابة في رسالته القديمة، وأثنى عليهم بها هم أهله، ثم قال:"وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع، وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به حكم، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا"1.
وقد روي عن الصحابة في التفسير كثير جدا، وفيه الصحيح، والحسن، والضعيف، والمنكر، والموضوع، وما هو من الإسرائيليات ونحوها، وقد عني أئمة
1 علوم الحديث لابن الصلاح ص 263.
الحديث وجهابذته1 بنقد ما روي، وتمييز المقبول من المردود، والغث من السمين، ولكنها مفرقة مبثوثة في كتب كثيرة، وهي تحتاج إلى جهد جهيد في الوصول إليها، وإلى صبر وأناة في تتبعها، والانتفاع بها.
أقوال الصحابة في التفسير:
وقد اختلف العلماء في أقوال الصحابة في التفسير: أهي لها حكم الرفع، أم هي موقوفة عليهم؟، فمنهم من قال: إن تفسير الصحابي له حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال ذلك الحاكم: في "المستدرك"2.
وقال أبو الخطاب من كبار علماء الحنابلة: يحتمل ألا يرجع إليه، إذا قلنا: إن قوله ليس بحجة؛ قال: والصواب الأول؛ لأنه من باب الرواية لا الرأي.
وما قاله الحاكم وغيره نازعه فيه الإمام ابن الصلاح وغيره، من المحققين المتأخرين، وقالوا: إن ذلك مخصص بما فيه سبب نزول أو نحوه، مما لا دخل للرأي فيه، وأما ما يتعلق باللغة والأحكام الاجتهادية، فليس من قبيل المرفوع3.
وقد صرح الحاكم نفسه بذلك في كتابه: "علوم الحديث" فقال: ومن الموقوفات: تفسير الصحابة، وأما من يقول: إن تفسير الصحابة مسند أي مرفوع، فإنما يقوله فيما فيه سبب نزول، فقد خصص هنا وعمم في المستدرك، فلعل هذا ما أراده في المستدرك أو رجع عنه إلى هذا.
والمحققون من العلماء كالحافظ الكبير ابن حجر: على أن أقوال الصحابة في التفسير لها حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشرطين:
1 جمع جهبذ بكسر الجيم والباء: النقاد الخبير العالم.
2 كتاب قصد بتأليفه استدراك الأحاديث الصحيحة التي فاتت الشيخين: البخاري ومسلم، وهي على شرطهما، أو على شرط أحدهما، وزاد قسما ثانيا: وهو: ما أداه اجتهاده إلى تصحيحه، وإن لم يكن على شرطها ولم يسلم له كل ما قال.
3 علوم الحديث بشرح العراقي ص 53.
الأول: أن يكون مما لا مجال للرأي فيه، كأسباب النزول، وأحوال القيامة، واليوم الآخر ونحوها.
الثاني: ألا يكون الصحابي معروفا بالأخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا، أي غير معروف برواية الإسرائيليات1.
لأن من عادة الصحابة وأخلاقهم: ألا يتكلموا فيما لا مجال للرأي فيه إلا بسماع وتوقيف، ولا يتهجموا على ذلك من عند أنفسهم؛ والسماع إما من النبي صلى الله عليه وسلم، أو من بعض أهل الكتاب الذين أسلموا فإذا انتفى الثاني، فقد تعين الأول.
وهذا الشرط الثاني يدل على بعد نظر أئمة الحديث ونقاده، وأنهم لم تجز عليهم هذه الإسرائيليات التي رويت عن بعض الصحابة فقد علموا كذبها، وعلموا أنها دخيلة على الرواية الإسلامية.
وقد كان كثير من التابعين يتحاشون الرواية، عن بعض الصحابة الذين عرفوا بالأخذ عن أهل الكتاب، وليس أدل على ذلك من أن عبد الله بن عمرو بن العاص قد شهد له أبو هريرة بأنه كان أكثر حديثا منه؛ لأنه كان قارئا كاتبا، رواه البخاري في صحيحه، ومع هذا: فقد جاءت مروياته أقل من مرويات أبي هريرة؛ لأنه كانت وقعت له كتب من كتب أهل الكتاب في موقعة اليرموك، تبلغ حمل بعيرين، فكان يحدث ببعض ما فيها، فمن ثم تحاشى بعض الرواة الرواية عنه، فكان هذا سبب من أسباب قلة مروياته عن أبي هريرة رضي الله عنه2.
أمثلة من تفسير الصحابة:
من ذلك: ما روي عن سلمة بن الأكوع في تفسير قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال: لما نزلت: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} : كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها3 فنسختها"4.
1 نزهة النظر شح نخبة الفكر ص 43 ط الاستقامة.
2 فتح الباري جـ1 ص 167.
3 يريد قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه} .
4 صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة البقرة. باب: فمن شهد منكم الشهر فليصمه.
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس: أنها ليست بمنسوخة، وأنها في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فعليهما أن يطعما مكان كل يوم مسكينا1.
وهذا: إنما يتأتى على من يفسر الإطاقة: بأنها تحمل الشيء بتكلف وجهد، ويشهد له: قراءة "يُطَوَّقُونَه" بضم الياء، وفتح الطاء، وفتح الواو المشددة، وأما قراءة العامة من القراءة المشهورة فتشهد للرأي الأول، وهذا إلى جانب كونه مثالا لتفسير الصحابي، لون من ألوان اختلاف الصحابة في التفسير.
ومن ذلك: ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} 2، قال: كانت السماوات رتقًا لا تمطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت، ففتق الله هذه بالمطر، وهذه بالنبات، فرجع السائل له إلى ابن عمر رضي الله عنهما، فأخبره بما قاله ابن عباس، فقال ابن عمر: كنت أقول: ما تعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتي علما". أخرجه أبو نعيم في الحلية، وذكره السيوطي في الإتقان3.
ومن ذلك ما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها لما سألها ابن أختها عروة بن الزبير عن قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} فقالت: يابن أختي: هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن ذلك، إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا لهن أعلى سنتهن، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن"4.
ومن ذلك: ما روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} .
1 المرجع السابق باب قوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَات....} الآية.
2 الأنبياء: 30.
3 جـ 3 ص 187،.
4 صحيح البخاري كتاب التفسير سورة النساء باب: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} .
روى البخاري في صحيحه، بسنده من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر،
فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال، لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم1، فدعاهم ذات يوم، فأدخلني معهم، فما رؤيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله، ونستغفره إذا نصرنا، وفتح علينا، وسكت، فلم يقل شيئا فقال لي: أكذاك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أَجَل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له، قال:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ، وذلك علامة أجلك، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} ، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول2.
ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه" قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة، قال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه". ولا منافاة بين هذا التفسير وما صح عن النبي من أنه الكوثر؛ لأن الكوثر من هذا الخير الكثير، ويدخل في هذا الخير الكثير النبوة والرسالة والقرآن والسنة.
تفاسير التابعين:
وأما أقوال التابعين3 في التفسير: ففيها خلاف بين العلماء؛ فبعضهم عدها من المأثور؛ لأن الغالب أنهم تلقوها عن الصحابة رضوان الله عليهم.
وبعضهم: عدها من التأويل والتفسير بالرأي والاجتهاد؛ لكثرة اختلافهم أكثر من الصحابة، قال الزركشي في البرهان: وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان4 عن أحمد، واختار ابن عقيل المنع، وحكوا عن شعبة بن الحجاج أنه قال: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير، لكن عمل المفسرين على خلافه، فقد
1 يعني قرابته من رسول الله وذكاءه، وفطنته.
2 صحيح البخاري كتاب التفسير سورة النصر، باب قوله تعالى:{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} .
3 التابعي: هو من لقي الصحابي وهو مؤمن سواء سمع منه أم لا، سواء طال لقيه به أم لا.
4 الإتقان: جـ 2 ص 179.