الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نقدم أو نؤخر في صياغة الآية الكريمة، وذلك لنا معه شأن -إن شاء الله- عند إفراد الحديث عن النظم وما به من جمال وآيات عظيمة في كتاب الله سبحانه وتعالى.
قدسية القرآن
ننتقل إلى النقطة الثانية وهي نقطة "قدسيته":
أي القرآن كتاب مقدس القرآن منزل من عند الله سبحانه وتعالى وكما قلنا تكفل الله بحفظه، فكان من أوجه قداسته وطهارته وتنزيهه أنه خلا من التناقض ولم تتطرق إليه يد التحريف ولم يعتريه عُرى النسيان، فإنما هو بكامل قداسته وطهارته وتنزيهه منزّل من الله سبحانه وتعالى، وهذا الأمر له مصدرٌ لا بد أن نقف معه، وهو أن مصدر الوحي هو الله سبحانه وتعالى، وهذا مدار حديثنا عن هذه النقطة وهي نقطة قدسية القرآن الكريم، فهو من الله سبحانه وتعالى، لم يقله بشر ولا ملك، وأدلة ذلك فيه؛ بمعنى أن المتأمل للقرآن الكريم والناظر فيه يتبين له يقينا أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون من عند محمد -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وأن هذا الكلام له قدسية ومنزّل من إله قادر قاهر، يملك محمدًا صلى الله عليه وسلم وسائر البشر سبحانه وتعالى بل يملك كل شيء له ملك السماوات والأرض وما فيهن، جل في علاه.
انظر معي -رحمك الله- إلى هذا الكلام البديع الذي تناوله الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم) يتحدث فيه عن هذه المسألة -مسألة قدسية القرآن ومصدره وأنه وحي من الله سبحانه وتعالى يقدم الشيخ بحقيقة نسلم بها جميعًا يقول: لقد علم الناس أجمعون علما لا يخالطه شك أن هذا الكتاب العزيز جاء على لسان رجل عربي أمي ولد بمكة في القرن السادس الميلادي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، هذا القدر لا خلاف فيه بين مؤمن وملحد؛ لأن شهادة التاريخ المتواتر به لا يماثلها ولا يدانيها شهادته لكتاب غيره ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض، هذا أمر مسلّم به وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان دوره مع القرآن الكريم يتركز في أربع نقاط:
الأولى: الوعي والحفظ؛ أن يعيه ويحفظه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
الثانية: الحكاية والتبليغ؛ أن يحكيه وأن يبلغه بالناس.
الثالثة: البيان والتفسير؛ أن يبينه صلى الله عليه وسلم ويفسر معناه لمن يتلوه عليهم.
والرابعة: التطبيق والتنفيذ؛ هذا دور النبي صلى الله عليه وسلم مع القرآن.
أما ابتكار المعاني وصياغة المباني فما هو منها بسبيل وليس له من أمرهما شيء -صلوات الله وسلامه عليه، {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 4)، {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي} (الأعراف: 203)، {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} (يونس: 15).
القرآن صريحٌ في أنه لا صنعة فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزّل من عند الله بلفظه ومعناه.
بعد ذلك يتناول الشيخ افتراضًا وهو أنه يُخاطب من لا يؤمن بهذا الكتاب، ومن لا يؤمن بهذا الكتاب لا بد أن يُقارع وأن تقام عليه الحجة بالدليل، فاجتهد الشيخ رحمه الله في ذكر بعض الأدلة من القرآن؛ طبعًا هذه الأدلة التي يذكرها هؤلاء العلماء مستمدة من الأولين وليست ابتكارًا، وهذا شأن أن العالم يستفيد ممن سبقه، ولكن يمكنه أن يعرض الشيء عرضًا مميزًا، كما كان شأن الشيخ دراز في كتابه (النبأ العظيم) الذي قيل عنه: إنه هدية من السماء إلى الأرض في عصرنا هذا؛ من روعة أسلوبه رحمه الله في الكتاب يقول يستدل الشيخ على من يعاند في هذه المسألة بأربعة أشياء:
الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تنزل به نوازل من شأنها أن تحفّزه إلى القول، وكانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم؛ بحيث لو كان الأمر إليه لوجد له مقالًا ومجالًا، ولكنه كانت تمضي الليالي والأيام تتبعها الليالي والأيام ولا يجد في شأنها قرآنًا يقرأه على الناس، فأول دليل أن الكلام ليس من عند النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، هذه النوازل التي كانت تنزل بالنبي ولا يجد فيها قرآنًا يقرأه على أصحابه وهو في أشد الحاجة إلى أن يتحدث في هذا الأمر، فلو كان الأمر من عنده صلى الله عليه وسلم لكان من السهل أن يتحدث وأن يُخرج نفسه من هذه النازلة أو هذا المأزق الذي نزل به وبأصحابه -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-؛ مثال ذلك: الحادثة المشهورة "حادثة الإفك" فقد اتهم اتهمت عائشة رضي الله عنها في عرضها، وهذا شيء يمس النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهذا أمر خطير تحدث فيه الناس، ومع ذلك كان انتظار الوحي من الله سبحانه وتعالى ليحكم وليقضي في هذه المسألة، وكانت العبارة الشهيرة في الحديث:((يا عائشة، أما إنه بلغني كذا وكذا؛ فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتي ألممتِ بذنب فاستغفري الله)) هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل الوحي تبريء عائشة رضي الله عنها وأرضاها وعن أبيها، الصديقة بنت الصديق.
النقطة الثانية: يقول الشيخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيئه القول في القرآن في بعض الأوقات على غير ما يحبه ويهواه، فيخطّئه في الرأي يراه؛ أي الوحي يخطئ النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرى من رأي، ويأذن له في الشيء لا يميل إليه، فإذا تلبَّس فيه يسيرًا تلقّاه القرآن بالتعنيف الشديد والعتاب القاسي والنقض المُرّ، حتى في أقل الأشياء خطرًا، وهذه مسألة يستدل بها لكل من ينظر في كتاب الله سبحانه وتعالى هناك آيات في كتاب الله هي عتابٌ للنبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فلو كان الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم لتغاضى عن هذه الأشياء ولم يذكرها، حتى لا تبقى بعده تبين هذه المواقف، وهذا دليلٌ على
قدسية هذا الوحي وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك إلا أن يبلّغ ما قاله الله سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} (التحريم: 1){وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} (الأحزاب: 37){عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} (التوبة: 43){مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة: 113){مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال: 67){لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الأنفال: 68){أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} (عبس: 5 - 10).
كثير من الآيات في كتاب الله عز وجل تحمل هذا المعنى الجميل من العتاب الرقيق لخير الخلق محمد -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهذا وجهٌ يدل على قدسية هذا الكتاب وأنه منزّل من عند رب الأرض والسماء سبحانه وتعالى، وذكر الشيخ قصة جميلة في هذا المجال؛ وهو ما حدث مع عبد الله بن أبي كبير المنافقين عليه سحائب اللعائن عندما مات وكفّنه النبي صلى الله عليه وسلم في ثوبه وأراد أن يستغفر له ويصلي عليه، فقال عمر رضي الله عنه:"أتصلي عليه وقد نهاك ربك" فقال صلى الله عليه وسلم: ((إنما خيرني ربي فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم} (التوبة: 80) وسأزيده على السبعين))، وصلى عليه فأنزل الله تعالى:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهَِ} (التوبة: 84)، فترك صلى الله عليه وسلم الصلاة عليهم.
كل ذلك دليل على النقطة الثانية؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه الأمر من ربه سبحانه وتعالى.
النقطة الثالثة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيئه الأمر أحيانًا بالقول المجمل أو الأمر المشكِل الذي لا يستبينه هو ولا أصحابه تأويله، حتى ينزّل الله عليهم بيانه بعد؛ بمعنى
أنه كان ينزّل الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم مجملًا أي غير واضح في الدلالة القطعية على أمرٍ ما، فربما يتحير النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المراد بهذا القول الكريم، حتى يفسّره الله سبحانه وتعالى له ويبينه له سبحانه وتعالى.
من ذلك القصة المشهورة في خواتيم سورة البقرة، وما كان من شأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عندما نزل قوله تعالى:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 284) نزلت هذه الآية الكريمة على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان لها من الشأن الذي يشغلهم والذي يجعلهم يحتارون في هذه المسألة؛ يُحاسبون على ما يخفون في أنفسهم!! فهذا لا يطيقه أحد، هم يحاسبون على ما يفعلون أو ما يظهر من أمرهم أما أن ذلك ينزل بحساب الخواطر وبحساب حركات القلب وبحساب ما يريد الإنسان فعله ولم يفعله؛ فهذا أمر عظيم استعظمه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه في هذا الأمر وفي أن هذه الآية صعبة عليهم، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن قال: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم "سمعنا وعصينا" بل قولوا: "سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فجعلوا يتضرعون بهذه الدعوات حتى أنزل الله بيانها بقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (البقرة: 286).
فنزلت الآيات بردًا وسلامًا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيها التعليم وفيها البشارة وفيها الإخبار لهم بأن يتضرعوا إلى ربهم بهذه الدعوات المباركات، ويلجئوا به إلى الله سبحانه وتعالى؛ فذلك دليل واضح على أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يعلم تأويلها من أول الأمر لبين لهم خطأهم ولأزال اشتباههم من فوره؛ لأنه لم يكن ليكتم عنهم هذا العلم وهم في أشد الحاجة إليه، ولم يكن يتركهم في هذا الهلع الذي كاد يخلع