الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة التكرير
وننتقل الآن إلى الحديث عما يتعلق بمسألة التكرير ابتداءً نقول:
إن التكرير ضَرْب من ضروب الإطناب، فهو تَكرار اللفظ مرددًا لغرض بلاغي يريده المتكلم، هذا التكرير يخدم النص، ويخدم الأسلوب، ويخدم الكاتب فيما يريد أن يعبر عنه، وهذا التكرير بالنسبة لكتاب الله سبحانه وتعالى لبِّس على بعض ضِعاف النفوس أو لبس على بعض الملاحدة الذين يكيدون لدين الإسلام الطعنَ في كتاب الله عز وجل عن طريق هذه الخاصية في كتاب الله، فقالوا: إن هناك تكرارًا لا فائدةَ فيه في بعض آيات القرآن الكريم -تعالى الله سبحانه وتعالى وكلامُه عما يقولون علوًّا كبيرًا. فنحن من خلال دراستنا للتكرير سيتضح لنا عِظم هذه الظاهرة في بيان إعجاز النظم القرآني، واختلافه عن غيره من سائر المنظوم.
اهتم بهذه الظاهرة العلماء وأول مَن أشار إليها ابنُ قتيبة في كتابه (تأويل مُشكل القرآن) ثم بعد ذلك أفردها ابن الأثير في كتابه (المثل السائر) وتناولها بعض البلاغيين في كتبهم، ولكنهم لم يهتموا بجانب ذكر التكرار في القرآن الكريم، اهتموا بإظهاره في الشعر والمنظوم غير القرآن، كما فعل ابن رشيق في كتابه (العمدة).
التكرير في القرآن الكريم: اعلم أنه ليس في القرآن مكرر لا فائدةَ في تكريره، فإن رأيت شيئًا منه تكرر من حيث الظاهر فأنعم نظرك فيه، فانظر إلى سوابقه ولواحقه؛ لتنكشف لك الفائدة منه.
هذه العبارة ذكرها ابن الأثير في كتابه (المثل السائر) التكرير يقسمه العلماء إلى نوعين: تكرير في اللفظ والمعنى. وتكرير في اللفظ دون المعنى. التكرير في اللفظ والمعنى: ينقسم إلى قسمين: مفيد، وغير مفيد، وعندما يقول علماء البلاغة: مفيد، فإنما لا يعنون به الإفادة عند النحويين من وجود المسند والمسند إليه، أو أن الكلام يحسن السكوت عليه، وإنما يريدون بالمفيد من التكرير أن يأتي في الكلام؛ تأكيدًا له وتشييدًا من أمره، وإنما يُفعل ذلك؛ للدلالة على العناية بالشيء الذي كررتَ فيه كلامك؛ إما مبالغةً في مدحه أو في ذمه أو غير ذلك. أي: إنه يفيد الغرض الذي تتحدث فيه، وغير المفيد الذي يأتي في الكلام عيًّا وخَطَلًا من غير حاجة إليه، وبذا يتبين لك ابتداءً أن غير المفيد لا سبيلَ لتواجده في كتاب الله سبحانه وتعالى. فالتكرار في اللفظ والمعنى ينقسم المفيد منه إلى فرعين:
الأول: هو أن يكون التكرير في اللفظ والمعنى دالًّا على معنى واحدٍ، وأن يكون المقصود به غرضين مختلفين، مثال ذلك: قول الله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} (الأنفال: 7، 8) هذا تكرير في اللفظ والمعنى {يُحِقَّ الْحَقَّ} ، {لِيُحِقَّ الْحَقَّ} وإنما جيء به ها هنا؛ لاختلاف المراد. وذلك أن الأول {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ} تمييز بين الإرادتين، والثاني:{لِيُحِقَّ الْحَقَّ} بيان
لغرضه فيما فعَلَ من اختيار ذات الشوكة على غيرها، وأنه ما نصرهم وخذَل أولئك إلا لهذا الغرض.
ومنه أيضًا قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} (الزمر: 11 - 15) فكرر سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} وقوله سبحانه وتعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} فالمراد به غرضان مختلفان، وذلك أن الأول إخبارٌ بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة له والإخلاصِ في دينه، والثاني إخبار بأنه -صلوات الله وسلامه عليه- يخص الله وحدَهُ دون غيره بعبادته، مخلصًا له دينَه، ولدلاته على ذلك قدَّم المعبودَ على فعل العبادة في الثاني وأخَّرَه في الأول؛ لأن الكلام أولًا واقع في الفعل نفسه وإيجاده، وثانيًا فيمن يفعل الفعل من أجله سبحانه وتعالى. ولذلك رتب عليه:{فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} .
ومما يجري من هذا النوع أيضًا فاتحة الكتاب: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (الفاتحة: 1 - 4) فكرر: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} مرتين، والفائدة في ذلك أن الأول يتعلق بأمر الدنيا، والثاني يتعلق بأمر الآخرة، فما يتعلق بأمر الدنيا يرجع إلى خلق العالمين في كونه خلق كلًّا منهم على أكمل صفة، وأعطاه جميع ما يحتاج إليه، حتى البَقة والذباب، وقد يرجع إلى غير الخلق كإدرار الأرزاق وغيرها. أما ما يتعلق بأمر الآخرة فهو إشارة إلى الرحمة الثانية في يوم القيامة، الذي هو يوم الدين.
والضرب الثاني من هذا النوع: أن يكون التكرير في اللفظ والمعنى دالًّا على معنى واحد، والمراد به غرض واحد. كقوله تعالى:{فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} (المدثر: 19، 20) فالتكرير دَلالة التعجب من تقديره وإصابته الغرض، وهذا -كما يقال: قتله الله
ما أشجعَه، أو ما أشعرَه. ونظيره أيضًا قول الله سبحانه وتعالى:{أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} (القيامة: 34، 35) فالغرض واحد هو بيان الهلاك، ومن أجل ذلك نقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ لأن قولنا: لا إله إلا الله مثل قولنا: وحده لا شريك له، وهما في المعنى سواء، وإنما كُرِّر القول لتقرير المعنى وإثباته؛ وذاك لأن مِن الناس مَن يخالف في ذلك كالنصارى وغيرهم.
وانظر إلى قوله سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} (الروم: 48، 49) فقوله: {مِنْ قَبْلِهِ} بعد قوله: {مِنْ قَبْلِ} فيه دلالة على أن عهدهم بالمطر قد بَعُدَ وتطاول، فاستحكم بأسهم، وتنادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك. وانظر أيضًا قوله تعالى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} (التوبة: 29) فقوله: {لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} يقوم مقام قوله: {وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} ؛ لأن مَن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا يدين دين الحق، وإنما كرر ها هنا؛ للخطب على المأمور بقتالهم، والتسجيل عليهم بالذم، ورجْمِهم بالعظائم؛ ليكون ذلك أدعى لوجوب قتالهم وحربهم.
وانظر قوله تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (الرعد: 5) فتكرير لفظة: {أُولَئِكَ} مِن هذا الباب الذي أشرنا إليه لمكان شدة النكير، وإغلاظ العقاب؛ بسبب إنكارهم البعث.
ومن هذا النوع الذي أشاروا إليه أن يكون المعنى مضافًا إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، كقوله تعالى:{وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} (سبأ: 5) فالرجز هو العذاب، وهذا على مَن يرى مسألة الترادف، والصحيح أن لا بد أن يكون هناك فرقا بين العذاب وبين الرجز.
ومما ذكروه في هذا الباب من التكرير في اللفظ والمعنى على غرض واحد قول الله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْم اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْم إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} (غافر: 38، 39) فإنه إنما كرر نداء قومه ها هنا؛ لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ من سِنة الغفلة، ولأنهم قومه وعشيرته، وهم فيما يوبقهم من الضلال، وهو يعلم وجه خلاصهم، ونصيحتهم عليه واجبة، فهو يتحزن لهم، ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك أن لا يتهموه، فإن سرورهم سروره، وغمهم غمه، وأن ينزلوا على نصيحته لهم. وهذا من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز، وأشد موقعًا من الاختصار.
ومما يجب أن يشار إليه أن هناك بعض الآيات ظن البعض أن فيها تكريرًا وليس فيها تكرير، كقوله تعالى:{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (النحل: 119) وقوله سبحانه وتعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} (آل عمران: 188) فهاتان الآيتان يُظن أنهما من باب التكرير وليستَا كذلك. فإنهما تخرجان عن حكم التكرير؛ وذلك لإطالة الفصل في الكلام بين "إنَّ" الأولى والثانية، فكانت الأولى تفتقر إلى تمام لا يفهم الكلام إلا به، فالأَوْلى في باب الفصاحة أن يُعادَ لفظ الأولى مرةً ثانيةً؛ ليكون مقارنًا لتمام الفصل، كي لا يجيء الكلام منثورًا لا سيما
في إنَّ وأخواتها، تأمل قول الله سبحانه وتعالى:{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} (يوسف: 4) فلما قال: {إِنِّي رَأَيْتُ} ثم طال الفصل كان الأحسن أن يعيد لفظ الرؤية، فيقول:{رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} فليس هذا من التكرير وإنما هو من حسن إعادة اللفظ؛ لأجل الفصل.
الضرب الثاني من التكرير في اللفظ والمعنى -وهو غير المفيد- قلنا: إن ذلك لا مكانَ له في القرآن، وإنما يلتمسوه من أقوال الشعراء كقول أبي نواس:
أقمنا بها يومًا ويومًا وثالثًا
…
ويومًا له يوم الترحل خامسُ
وقول الآخر:
وقلقلتُ بالهم الذي قَلقلَ الحَشَا
…
قلاقل عِيسٍ كلهن قلاقلُ
فهذا من التكرير الذي لا فائدةَ منه، ولا معنى لذكره، ويُعاب الشاعرُ به. أما النوع الثاني من التكرير: وهو التكرير في المعنى دون اللفظ، وينقسم أيضًا إلى قسمين؛ مفيد وغير مفيد. والأول -المفيد- نوعان: إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين مختلفين، وذلك كما في الحديث في قول حاطب بن أبي بلتعةَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام". فيظن البعض أن ذلك تكرير لا فائدةَ فيه، فإن الكفر والارتدادَ عن الدين سواء، وكذلك الرضا بالكفر بعد الإسلام، والأمر ليس كذلك، فالذي يدل عليه اللفظ هو: أني لم أفعل ذلك وأنا كافر، في الأولى عندما قال:"ما فعلتُ ذلك كفرًا" وفي الثانية: "ولا
مرتدًّا" وفي الثالثة: أنه لا يرضَى بالكفر على جانب الإسلام. وذلك حسن في مكانه، واقعٌ في موقع يبين فصاحةَ المتحدث.
ومن شواهده في كتاب الله سبحانه وتعالى قول الله عز وجل: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (آل عمران: 104) فإن الأمر بالمعروف خير وليس كل خير أمرًا بالمعروف، وذاك أن الخير أنواع كثيرة من جملتها الأمر بالمعروف، ففائدة التكرير ها هنا أنه خصص أو ذكر الخاص بعد العام؛ للتنبيه على فضله كما قال سبحانه:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (البقرة: 238) وقال سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا} (الأحزاب: 72) فإن الجبال داخلة في جملة الأرض، لكن لفظ الأرض عام والجبال خاص، وفائدته ها هنا تعظيم شأن الأمانة المشار إليها، وتفخيم أمرها. الضرب الثاني من التكرير في المعنى دون اللفظ: أن يدل التكرير على معنًى واحدٍ لا غير، كقوله سبحانه وتعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التغابن: 14) فإنما كرر العفوَ والصفحَ والمغفرةَ والجميع بمعنًى واحد؛ للزيادة في تحسين عفو الوالد عن ولده، والزوج عن زوجه.
وضابطه الذي ينظر إليه هو الغرض المقصود من الكلام، وهذا الموضع يكون التكرير فيه أوجزَ من لمحة الإيجاز، وأولى بالاستعمال. انظر لقوله تعالى:{قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (يوسف: 86) فإن البث والحزنَ بمعنًى واحدٍ وإنما كرره ها هنا؛ لشدة الخطب النازل به، وتكاثر سهامه النافذة في قلبه، وكما سبق أن أشرنا لقوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ
وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} (البقرة: 196) فاستخدام كلمة: {كَامِلَةٌ} بعد عد الثلاثة والسبعة؛ لاستكمال صفات هذه الأيام المذكورة، ولذا لم يقل المولى سبحانه وتعالى: تامة؛ للفرق بين التمام والكمال. وكذلك قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} (الممتحنة: 4) فإن البغضاء والعداوة بمعنًى واحد، وإنما حسن إيرادهما معًا في معرض واحد؛ لتأكيد البراءة بين إبراهيم -صلوات الله وسلامه عليه- والذين آمنوا به، وبين الكفار من قومهم حيث لم يؤمنوا بالله وحده.
وهذا الضرب معروف وشواهده كثيرة. آخر ضرب من التكرير في المعنى دون اللفظ الذي هو غير مفيد، فلا سبيلَ للاستشهاد به في القرآن الكريم، وإنما شواهده من كلام الشعراء، كقول أبي تمام:
قسَم الزمانُ ربوعَها بين الصِّبَا
…
وقبولِها ودبورِها أثلاثًا
فإن الصبا هي القبول.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.