الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن عشر
(تابع: التكرار في القرآن الكريم)
نماذج تطبيقية على التكرار في القرآن الكريم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
سنبدأ درسنا هذا بعرض نماذج تطبيقية على هذه الظاهرة التي هي من دلائل الإعجاز اللغوي في القرآن، هذه الظاهرة تشمل صور عديدة كتكرير الحرف، وتكرير الاسم، وتكرير الفعل، وتكرير الجملة، وتكرير الآية كاملة، وتكرير الموضوع أو القصة في مواضع شتى في كتاب الله سبحانه وتعالى مع تغيير في بعض الألفاظ من: حذف بعضها، أو تقديم، أو تأخير
…
أو غير ذلك من ظواهر أخرى تدخل على القصة المذكورة، ولكن القصة عرضت في مواضع شتى، ومن ثم كان ذلك تكرارًا لها، ولعرضها في كتاب الله سبحانه وتعالى فنتوقف مع نماذج لكل نوع من هذه الأنواع، ونعرض أقوال العلماء في بيانها.
كتب التفسير مملوءة ببيان هذه الأسرار التي يحويها التكرير في القرآن الكريم، وخاصة كتب التفسير التي تهتم بالجانب البلاغي كـ (الكشاف) للزمخشري و (روح المعاني) للألوسي، وأخيرًا (التحرير والتنوير) للطاهر بن عاشور علّامة تونس. وأيضًا هناك كتب صنفت في بيان هذه الظاهرة، والاهتمام بها، وبما هو على شاكلتها من مواضع في القرآن تستدعي للانتباه لها، مثل كتاب (درة التنزيل وغرة التأويل) الذي نستعرض منه هذه النماذج، وليس اختيارنا لهذا الكتاب تفضيلًا له عن سائر الكتب، وإنما هو كتاب يخدم الغرض الذي نتحدث فيه بعرض النماذج، وعرض رؤية لما هو تحت هذه الظاهرة، وأذكرك أيضًا أن ذلك اجتهاد من العلماء، ومحاولة منهم لكشف أسرار بلاغة القرآن الكريم هذا الاجتهاد يقبل ويطرح إذا ما كان مخالفًا لبعض مبادئ الدين، ولظاهر التفسير
والقواعد التي وضعها العلماء لتوجيه كلام الله سبحانه وتعالى، فكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا رسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ لأنه مؤيد بالوحي معصوم من ربه يخبر بخبر الله سبحانه وتعالى.
تعرض الخطيب الإسكافي لتكرار كلمة "الناس" في سورة الناس من قول الله سبحانه وتعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} (الناس: 1 - 6)، يقول: "للسائل أن يسأل عن تكرير الناس في فواصل هذه السورة في خمسة مواضع، وهي ست آيات قد ختمت أواخر خمس منها بالناس، وواحدة بالخناس، والجواب عن ذلك أن يقال: إنما اتصف الله تعالى أولًا {بِرَبِّ النَّاسِ} ثم بـ {مَلِكِ النَّاسِ} ثم بـ {إِلَهِ النَّاسِ} لحكم دعت إلى ذلك، وأوجبت تقديم الأول وتعقيبه بالثاني والثالث على الترتيب الذي جاء؛ لأن رب الشيء هو القائم بإصلاحه وتدبير أمره، فنبه بتقديمه على ما ترتب من نعمه على الإنسان لَما أنشأه ورباه، وهذه أولى أحواله.
والثانية: إنعامه عليه بالعقل الذي يثبت عليه ملكه له، فيعلم أنه عبد مملوك وأن الذي بلغ به تلك الحال من حد الطفولة هو الذي يملكه وأمثاله، فجعل الوصف الثاني "ملك الناس"، ولما كان بعد ذلك تكليف العبادات التي هي حق الله تعالى على من عرفه نفسه أنه عبد مملوك، وعرفه أنه عز وجل خالقه وتلزمه طاعته ليلتزم غاية التذلل لمن هو أكبر الإنعام والتطول جعل الوصف الثالث "إله الناس" فصار الناس الذين أضيف إليهم رب كأنهم غير الذين أضيف إليهم ملك، والذين أضيف إليهم ملك غير الذين أضيف إليهم إله، وإذا أريد بالثاني غير الأول لم يكن تكرارا، فترتيب الصفات ينبه على أن المراد بالناس ذوي الأحوال
المختلفة في الصغر والترعرع والبلوغ، فيسلم على ذلك من التكرار ويتضمن هذا المعنى اللطيف الذي دل عليه ترتيب الصفات، وقوله:{الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} فالمراد بالناس الأول الأبرار، وبالناس الثاني الأشرار، فكان المعنى: الذي يوسوس في صدور الأخيار من الجن وأشرار الناس، فقد صار المعنى بكل واحد على صفة غير الصفة المعنية بالآخر، فكأنه غيره وإن كان الجنس قد جمع هذا كله".
هذا ما اجتهد الخطيب الإسكافي في بيانه في تكرار الاسم في ختام هذه السورة، وهو كلام يقبل؛ لأنه تأمل لكلام الله سبحانه وتعالى، وبالصفات التي أضافها المولى سبحانه وتعالى إلى اللفظ المكرر من أنه سبحانه وتعالى الرب والملك والإله، وكذلك ما ختم في نهاية السورة {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} فكلمة {النَّاسِ} الأولى تختلف عن الثانية، ومن ثم لم يكن ذلك من سبيل التكرار لتغير المعنى المراد بكل في المواضع التي ذكرت فيها لفظة {النَّاسِ}. نجد أيضًا نموذجًا رائعًا تحدث فيه عن تكرار الآية في سورة الرحمن في قول الله سبحانه وتعالى:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} (الرحمن: 13) هذه الآية كررت إحدى وثلاثين مرة في السورة الكريمة شغلت أهل الفصاحة والبلاغة وتحدثوا عنها وبينوا أسرارها.
وهذا اجتهاد واحد منهم يقول: للسائل أن يسأل عن تكرار هذه الآية، وعن فائدتها والجواب أن يقال: نبه الله تعالى على ما خلق من نعم الدنيا المختلفة في سبع منها، وأفرد سبعًا للترهيب والإنذار والتخويف بالنار، وفصل بين السبع الأولى والسبع الأخر بواحدة تلت آية سوَّى فيها بين الناس كلهم، فيما كتب الله من الفناء عليهم حيث يقول:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} (الرحمن: 26)، أي
من على الأرض، وهذه الفاصلة للتسوية بين الملائكة والإنس والجن في الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى وإلى المسألة وإلى الإشفاق من خشية الله وهو قوله:{يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} (الرحمن: 29).
وإنما كانت الأول سبعا؛ لأن أمهات النعم خلقها الله تعالى سبعا سبعا كالسموات والأرضين، ومعظم الكواكب وكانت الثانية سبعا؛ لأنها على قسمة أبواب جهنم لما كانت في ذكرها، وبعد هذه السبع ثمانية في وصف الجنات وأهلها على قسمة أبوابها، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين؛ لأنه قال تعالى في مفتتحه الثمانية المتقدمة:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (الرحمن: 46)، فلما استكملت هذه الآية ثماني مرات قال:{وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} (الرحمن: 62)، فمضت ثمانية في وصف الجنان وأهلها تالية للثمانية المتقدمة، فكان الجميع إحدى وثلاثين مرة.
كذلك أيضًا يعرض أحدهم لتكرار الحرف في قوله سبحانه وتعالى: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} (القصص: 18، 19)، فقوله تعالى:{فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ} بتكرير أن مرتين دليل على أن موسى عليه السلام لم تكن مسارعته إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل الأول بل كان منه إبطاء في بسط يده إليه فعبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ} .
ومن الجميل أن نعرض نموذجًا لهذه الفروق التي ذكرت في القصص القرآني والنماذج كثيرة جدًا في هذا الكتاب القيم. ومن القصص التي شغلت مواضع عديدة في كتاب الله سبحانه وتعالى قصة موسى عليه السلام مع فرعون عليه سحائب اللعائن.
يعرض الإسكافي لبعض هذه المواضع في عرضه لآيات سورة الأعراف موازنة بغيرها من السور التي تعرضت للقصة نفسها، فيقول: "قوله تعالى: {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} (الأعراف: 113)، وقال:{فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} (الشعراء: 41)، للسائل أن يسأل فيقول: كيف اختلفت الآيتان، وكيف جاز:{وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ} وحق الكلام أن يكون في {قَالُوا} واو أو فاء نحو: جاء السحرة فرعون فقالوا: أئن لنا لأجرًا أو وقالوا: أئن لنا لأجرا.
والجواب أن يقال: لما تقدم في سورة الشعراء ما شرحه أكثر، وما في سورة الأعراف أوجز وأخصر كان قوله في الأعراف:{وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ} بمعنى ما كان بإزائه في سورة الشعراء {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ} فلم يحتج في جواب لما إلى فاء، ولا إلى واو، وكذلك هنا في سورة الأعراف لما قصد هذا المعنى دل بحذف العاطف على هذا القصد، فكأنه قال: فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا: أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا ". طبعا هو يشير لما تقدم في سورة الشعراء إشارة إلى نزول الآيات، فالشعراء نزلت قبل الأعراف، لا على ترتيب السور المعلوم لدينا الآن.
ثم يعرض لقوله سبحانه وتعالى: {قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} (الأعراف: 113، 114)، وفي الشعراء {قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} (الشعراء: 42)، للسائل أن يسأل عن زيادة {إِذًا} في سورة الشعراء، وخلو سورة الأعراف منها، والجواب أن معنى قوله:{إِذًا} جواب وجزاء، وكان من قول فرعون لهم: إن غلبتم فجزائي أن أجازيكم بإعلاء رتبتكم وتقريب منزلتكم، فلأجل ذلك أفعل هذا بكم،
فاختصت سورة الشعراء بها دون غيرها؛ لأنها موضع بني على فصل اختصاص لما جرى لما يُبن غيرها عليه من نحو ما تقدم وما يجيء بعد.
ثم يعرض لقوله سبحانه وتعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} (الأعراف: 115)، وقوله سبحانه:{قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى} (طه: 65)، يقول: "للسائل أن يسأل عن اختلاف المحكي في الموضعين مع أن ذلك في شيء واحد، والجواب أن يقال: إن المقصود معنى واحد فاختير في سورة الأعراف {وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} لأن الفواصل قبله على هذا الوزان واختير في سورة طه {وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى} لذلك ومثله قوله تعالى: {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} (الأعراف: 120) في سورة الأعراف وسورة الشعراء لتكون الفاصلة فيها مساوية للفواصل قبلها، وبإزاء ساجدين قوله:{فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا} (طه: 70) في سورة طه لذلك ومثله قوله تعالى: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} (الشعراء: 47، 48)، في السورتين للفواصل التي حملت هذه عليها، وقال في سورة طه:{قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} (طه: 70)، فقدم هارون؛ ليكون موسى فاصلة مثل الفواصل المتقدمة فهذا ونحوه مما يراعى في الفواصل.
ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ} (الأحزاب: 66)، وقوله سبحانه:{فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ} (الأحزاب: 67)، فزيدت الألف لا للبدل من التنوين إذ لا تنوين مع الألف واللام، وإنما ذلك للتوفقة بينهما وبين الفواصل التي قبلها وبعدها نحو:{تَقْتِيلًا} {تَبْدِيلًا} {سَعِيرًا} {نَصِيرًا} ، وبعدهما {كَبِيرًا} {وَجِيهًا} {سَدِيدًا} {عَظِيمًا} ". وهذا الكلام الذي ذكره مبني على ظاهرة مراعاة الفواصل، ولابد أن نجد في كلام أهل العلم من يرى
أبعد من ذلك، فالأمر لا يتوقف على الفاصلة فمراعاة الفاصلة شأن لفظي، ولا يكون تقديم وتأخير وذكر وحذف في كتاب الله لمراعاة لفظ فحسب. فلابد أن الألفاظ تخدم المعاني، فلذلك نجد من يخرج ومن ينظر إلى هذه الظواهر ويخرجها على تأويل وفهم آخر غير الذي ذكر صاحبنا.
ويتعرض أيضًا لقوله تعالى: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} (الأعراف: 121، 122)، وقوله سبحانه وتعالى:{قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} ويقول: "للسائل أن يسأل فيقول: لم كرر ذكر رب في السورتين ولم يكرر في سورة طه؟ إنما قال: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} والجواب أن يقال: إذا قيل: رب العالمين فقد دخل فيهم موسى وهارون، وهما دعوا إلى رب العالمين لَما قالا:{إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء: 16)، وإلا أنه كرر في السورتين رب موسى وهارون ليدل بتخصيصهما بعد العموم على تصديقهم بما جاء به عليهما السلام عن الله تبارك وتعالى فكأنهم قالوا: آمنا برب العالمين، وهو الذي يدعو إليه موسى وهارون.
وأما في سورة طه فلم يذكر رب العالمين؛ لأنه كان الكلام يتم به آية كما تم في السورتين فيكون مقطع الآية فاصلة مخالفة للفواصل التي بنيت عليها سورة طه، فقال تعالى:{آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} وربهما هو رب العالمين وكان القصد حكاية المعنى لا أداء اللفظ على جهته". ويعرض لقول فرعون: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} (الأعراف: 123)، وقوله:{قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} (طه: 71) للسائل أن يسأل عن موضعين في هذه الآية أحدهما إظهار اسم فرعون لعنه الله في سورة الأعراف في هذا اللفظ، وإضماره له في مثله من سورتي طه والشعراء والثاني قوله:{آمَنْتُمْ بِهِ} وقال في الموضعين الآخرين: {آمَنْتُمْ لَهُ} ووجه اختلافهما.
والجواب عن السؤال الأول، وهو إظهار اسم فرعون في سورة الأعراف، وإضماره فيما سواها أن الذكر العائد إلى فرعون بعد في سورة الأعراف؛ لأنه جاء في الآية العاشرة من الآية التي أضمر فيها ذكره، وهي قوله:{قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} (الأعراف: 114)، وجاء في الآية العاشرة من هذه السورة {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ} ولم يبعد هذا الذكر في الآيتين اللتين في سورة طه والشعراء؛ لأن فرعون مذكور في سورة طه في جملة قومه الذين أخبر عنهم بقوله:{قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى} (طه: 57)، وبعده {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} (طه: 60، 61)، وهذا خطاب لفرعون وقومه وضميرهم منطو على ضميره إلى قوله:{فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} (طه: 64)، هو يشير إلى أن في سورة الأعراف كان هناك فارق بين ذكر فرعون في الموضعين عشر آيات لا أنها الآية رقم عشرة في السورة؛ لأن الآية الأولى هي الآية الرابعة عشرة بعد المائة والثانية هي الثالثة والعشرون بعد المائة.
ثم يعرض للذكر في قوله: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ} (طه: 71)، إنما هو في السابع من الآي التي جرى ذكره فيها، وكذلك في سورة الشعراء لم يبعد الذكر بعده في سورة الأعراف، ألا ترى أن آخر ما ذكر فيما اتصل بهذه الآية قوله تعالى:{قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} (الشعراء: 42) وذكره بعد ذلك في الآية الثامنة من الآية التي جرى ذكره فيها، فلما بعد الذكر في سورة الأعراف خلاف بعده في السورتين إذ كان في إحداهما في السابعة، وفي الأخرى في الثامنة، وهي في الأعراف في العاشرة أعيد ذكره الظاهر لذلك.
أما عن الفرق بين {آمَنْتُمْ بِهِ} و {آمَنْتُمْ لَهُ} فيقول: "إن الهاء في {آمَنْتُمْ بِهِ} غير الهاء في {آمَنْتُمْ لَهُ} وكل واحدة تعود إلى غير ما تعود إليه الأخرى، فالتي في {آمَنْتُمْ بِهِ} تعود إلى رب العالمين؛ لأنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأعراف: 121)، وهو الذي دعا إليه موسى عليه السلام، وأما الهاء في قوله: {آمَنْتُمْ لَهُ} تعود إلى موسى عليه السلام، والدليل على ذلك أنه جاء في السورتين بعدها {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} (طه: 71)، فالهاء في {إِنَّهُ} هي التي في {آمَنْتُمْ لَهُ} فلا خلاف أن هذه لموسى عليه السلام، والذي جاء بعد قوله: {آمَنْتُمْ بِهِ} قوله: {إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ} (الأعراف: 123)، أي: إظهاركم ما أظهرتم من الإيمان برب العالمين وقع على تواطؤ منكم أخفيتموه لتستولوا على العباد والبلاد، ويجوز أن يكون الهاء في {آمَنْتُمْ بِهِ} ضمير موسى عليه السلام؛ لأنه يقال: آمن بالرسول أي: أظهرتم تصديقه، وأقدمتم على خلافي قبل أن آذنت لكم فيه، وهذا مكر مكرتموه، وسر أسررتموه؛ لتقلبوا الناس علي فاقتضى هذا الموضع الذي ذكر فيه المكر إنكار الإيمان به".
ثم يستطرد لاختصاص اللام في موضع والباء في موضع، وإلى غير ذلك مما تعرض له في استتباع السورة من المواضع التالية له كالفرق بين {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ} (طه: 71) {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ} (الشعراء: 49)، ونحو {ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} (الأعراف: 124)، وفي موضع آخر {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ} (الشعراء: 49)، ونحو {قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ} (الأعراف: 125)، وقوله سبحانه:{قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ} (الشعراء: 50)، فهذا وغيره من اللطائف التي تنبه
لها العلماء لبيان الفروق في ذكر القصة وما يدور حولها. عمومًا مسألة التكرار هي ظاهرة اجتهد العلماء في بيانها، وإظهارها وإظهار ما فيها. ونختم الكلام عنها بهذه اللآلئ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في حديثه عن هذه الظاهرة توضح أمرًا يجب التنبه إليه. يقول:"قال ابن قتيبة: تكرار الكلام في {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} (الكافرون: 1) لتكرار الوقت، وذلك أنهم قالوا: إن سرك أن ندخل في دينك عامًا فادخل في ديننا عامًا، فنزلت هذه السورة".
يقول شيخ الإسلام: "قلت: هذا الكلام الذي ذكره بإعادة اللفظ وإن كان كلام العرب وغير العرب، فإن جميع الأمم يؤكدون إما في الطلب، وإما في الخبر بتكرار الكلام، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((والله لأغزون قريشًا، ثم والله لأغزون قريشًا، ثم والله لأغزون قريشًا))، ثم قال: ((إن شاء الله)) ثم لم يغزهم، يقول: هذا في كلامهم لكن ليس في القرآن من هذا شيء، فإن القرآن له شأن اختص به لا يشبه كلام البشر، ولا كلام نبي، ولا غيره وإن كان نزل بلغة العرب، فلا يقدر مخلوق أن يأتي بسورة، ولا ببعض سورة مثله. فليس في القرآن تكرار للفظ بعينه عقب الأول قط، وإنما في سورة الرحمن خطابه سبحانه وتعالى بذلك بعد كل آية لم يذكر متواليًا، وهو نمط من أرفع الأساليب في الذكر فقد شبهوا ما في سورة الرحمن بقول القائل لمن أحسن إليه، وتاب عليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها: ألم تك فقيرًا فأغنيتك أفتنكر هذا؟! ألم تك عريانًا فكسوتك أفتنكر هذا؟! ألم تكن خاملًا فعرفتك ونحو ذلك، وهو أقرب من التكرار المتوالي".
كأن الإمام في خلاصة كلامه يؤكد ما أكد في بداية كلامنا أن عليك أن تبحث عن السر في التكرار، وأن هذا ليس من التكرار الذي هو على عادة كلام العرب؛ لأن هناك فواصل بين الآيات وبين العبارة التي كررت، وعليك أن تبحث في أساليب البيان، وفي براعة استخدامها.