الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
موضع الواو من موضع الفاء، وموضع الفاء من موضع ثم، وموضع أو من موضع أم، وموضع لكن من موضع بل، ويتصرف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، وفي الكلام كله، وفي الحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيصيب بكل من ذلك مكانةً، ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له.
وهكذا الجرجاني يوضح القضيةَ بأسرها، أنها هذا النظم وهذه الفصاحة وهذه البلاغة التي تفرق بين كاتب وآخر، وشاعر وغيره، وبين ناظم وسواه، هي التصرف في الوجوه النحوية كما ذكر، ومما ذكرت لك يتبين لك أنه شمل جميع أوجه البلاغة والفصاحة.
هذا هو معنى النظم الذي أشار إليه الجرجاني.
مادة النظم هي العلاقة بين اللفظ والمعنى
ما مادة النظم؟
النظم عند عبد القاهر الجرجاني -وكما بينه العلماء الثقات- أنه يعادل لفظَ الأسلوب الذي يخرج به الكلام، وهذا الكلام يدور بين شيئين أساسيين؛ لفظ ومعنى، معنى داخلك تريد أن تعبر عنه، ولفظ تعبر به عن المعنى الذي تريده، فهي قضية العلاقة بين اللفظ والمعنى.
بإيجاز: العلاقة بين مادة النظم أي: العلاقة بين اللفظ والمعنى، وهذه قضية -كما يقول أهل العلم- قديمة جديدة، فهي تتجدد بتجدد الأيام، وهي مسألة شغلت العلماء وتناولها تفصيلًا وتكلموا فيها كثيرًا قضية اللفظ والمعنى، وعبد القاهر
الجرجاني أسهب في كتابه في بيان هذه القضية على مدار الكتاب؛ لأن مسألة تتعلق بنظريته في الإعجاز، أن إعجاز القرآن راجع إلى نظمه.
مجمل هذه القضية بإيجاز: أن للعلماء فيها ثلاثةَ أقوال:
- القول الأول: أن اللفظ أعلى من المعنى، وأعظم قيمةً، وأعز مطلبًا، وكان الجاحظ أول مَن نادَى به في نقد الأدب العربي، وذكر بيتين استشهد بهما على أهمية المعنى، وأن المعنى لا بد أن يكون شريفًا، وأن يتناول معنًى أخلاقيًّا، وما إلى ذلك، من استحسان أبي عمر الشيباني لهذين البيتين:
لا تحسبن الموت موت البِلى
…
وإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موتٌ ولكن ذا
…
أشد من ذاك على كل حال
فعقَّب الجاحظ بقوله: وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وصِحة الطبع، وكثرة الماء، وجودة السبك، وإنما الشعر صناعة، وضربٌ من التصوير. فهذا الفريق الذي يذهب صراحةً إلى أن اللفظ أعلى من المعنى في قضية النظم.
وكذلك أبو هلال العسكري فليس الشأن في إيراد المعاني؛ لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي، والقروي والبدوي، وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه، وكثرة طلاوته ومائه، وليس يُطلَب من المعنى إلا أن يكون صوابًا، ولا يقنع من اللفظ بذلك، ولهذا تأنق الكاتب في الرسالة، والخطيب في الخُطبة، والشاعر في القصيدة، يبالغون في تجويدها، ويغلون في ترتيبها؛ ليدلوا على براعتهم، وحذقهم بصناعتهم، ولو كان الأمر في المعاني لطرحوا أكثرَ ذلك، فربحوا كدًّا كثيرًا، وأسقطوا عن أنفسهم تعبًا طويلًا.
هذا هو فريق يذهب إلى أن اللفظ أعلى من المعنى.
وفريق آخر يذهب إلى العكس، فيقول: المعنى أفضل من اللفظ، ويؤيد هذا الفريق الآمدي الذي يقول عمَّن سماهم أهل النَّصَفة من أصحاب البحتري، يقول: مِن أن اهتمام أبي تمام بمعانيه أكثر باهتمامه بتقويم ألفاظه، على شدة غرامه بالطباق والتجنيس والمماثلة، وأنه إذا لاح له أخرجه بأي لفظ استوى من ضعيف أو قوي. ويعقب الآمدي على هذا بقوله: هذا أعدل ما سمعتُ من القول فيه، وإذا كان هذا هو هكذا فقد سلموا له الشيء الذي هو ضالة الشعراء وطلبتهم، وهو لطيف المعاني، وبهذه الخلة دون سواها فُضِّلَ امرؤ القيس؛ لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة، فوقَ ما في أشعار سائر الشعراء من الجاهلية والإسلام.
فهذا فريق يرى أن المعاني هي أعلى قدرًا من الألفاظ.
أما الفريق الثالث الذي ناقش قضيةَ اللفظ والمعنى، فذهب إلى أن تلك الثنائية حرف في بحر، أي: لا داع لها بأن يفرق لها بين اللفظ والمعنى، فكلاهما مدار الصورة الأدبية، فهذا الفريق سوَّى بين اللفظ والمعنى في القيمة وفي التقدير، فالصورة الأدبية كالكائن الحي، فكما لا يصح فَصْل الجسم عن الروح، فكذلك لا يصح فصل اللفظ عن المعنى، فكلاهما مكمل للآخر. يقول ابن طباطبا: والكلام الذي لا معنى له كالجسد الذي لا روحَ فيه كما قال بعض الحكماء: للكلام جسد وروح، فجسده النطق وروحه معناه.
فكان ذلك هو الاختلاف بين العلماء في قضية اللفظ والمعنى، والعلاقة بينهما إلى أن جاء عبد القاهر الجرجاني، فوجد -كما يقول الدكتور لاشين- البحوث
ممهدة، ولكل فريق حجته الناهضة، ورأيه السديد، فلم يكن رأيه صريحًا في الاتجاه إلى واحد منهم، فقد أثر عنه في كتابيه (إشارة إلى أسرار البلاغة)، و (دلائل الإعجاز) كلامٌ يؤكد أفضلية المعنى، وآخرُ يؤيد أفضلية اللفظ، وتارةً يكون الكلام مغشَّى بالغموض والإبهام بين تأييد اللفظ والمعنى، مما يصعب على الفاحص والدارس أن يستخلص حقيقة رأيه، أو يهتدي إلى صريح مذهبه.
هذا وإن كان يراه أستاذنا الدكتور عبد الفتاح لاشين، إلا أن أستاذنا الدكتور شفيق السيد يرى رأيًا آخرَ في هذه القضية مما يتعلق بعبد القاهر الجرجاني، وهو أن مَن فهِمَ من كلام عبد القاهر في بعض نصوصه أنه يؤيد اللفظ، لم ينظر جيدًا إلى مراد عبد القاهر باللفظ.
فالحاصل الذي ينتهَى إليه أن عبد القاهر الجرجاني موقفه محسوم قاطع واضح، لا رِيبةَ فيه، فالرجل نص على أن اللفظ بمعزل عن السياق لا قيمة له، وأن اللفظ غاية ما يقال فيه إذا ما كان منفردًا: هو أنه مألوف، أو مستوحش، غريب أو سائر، مستخدم، ولا قيمةَ له خارج النص. أما تعبيره باللفظ في بعض المواضع فيتضح في سياق الكلام أنه يريد به الصورة التي خرج بها الكلام، ويشير في معنى آخر وفي نصوص أخرى في كتابه إلى أن اللفظ هو المعنى المراد الذي يقال، فتعبيره باللفظ لا يراد به الكلمة المفردة؛ لأن الرجل نص نصًّا صريحًا بأن الكلمة في مفردها لا قيمةَ لها دون النظم الذي خرجتْ فيه.
هذه القضية التي شغلت الباحثين حول كلام الجرجاني في مسألة العلاقة بين اللفظ والمعنى، أسهب في بيانها أستاذنا شفيع السيد في كتابه (النظم وبناء الأسلوب في البلاغة العربية) فليرجَع إليه.