الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ظاهرة الوجوه والنظائر في القرآن الكريم
ظاهرة الوجوه والنظائر في القرآن الكريم بمعنى بسيط: إن هذه الوجوه والنظائر هي الألفاظ التي وردت فيه بمعان مختلفة، كلفظ "الهدى" مثلًا ورد في القرآن على سبعة عشرة وجهًا، بمعنى الثبات والدين والدعاء، وغير ذلك من ألفاظ الصلاة والرحمة والسوء والفتنة والروح، وغيرها، وكل ذلك مرتبط بالسياق، وكلها مما يتبسط في استعماله بوجوه من القرائن، وسياسة القرينة العربية شريعة من شرائع الألفاظ.
فأقول: اعلم أن معنى الوجوه والنظائر أن تكون الكلمة واحدة، ذكرت في مواضع من القرآن على لفظ واحد وحركة واحدة، وأريدَ بكل مكان معنًى غير الآخر، فلفظ كل كلمة ذكرت في موضع نظير للفظ الكلمة المذكورة في الموضع الآخر، وتفسير كل كلمة بمعنًى غير معنى الأخرى، فهذا هو الوجوه. أي: أن الوجوه تتعلق بالمعاني، والنظائر تتعلق بالألفاظ، فهو لفظ واحد له معان متنوعة.
وأسباب هذه الظاهرة في الاستخدامات القرآنية ترجع لأشياء معلومة من لغات العرب؛ منها: اختلاف القبائل العربية في وضع الألفاظ بمعانيها، ومنها: أن اللفظ قد يوضع بمعنى ثم يستعمل في غيره مجازًا، ومنها: أن اللفظ يكون موضوعًا بمعنى مشترك بين المعنيين، والمثال المشهور في كلمة "القرء":{ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: 228) فهل القروء هي طُهر أم حيض؟ وهذا اللفظ من الألفاظ المشتركة، وقضية المشترك اللفظي معروفة بين الأصوليين.
ورابع هذه الأسباب: أن يكون اللفظ موضوعًا لمعنًى في اللغة، ثم يوضع في الاصطلاح بمعنى آخر، ولذلك دائمًا عندما تبدأ أي علم يقال لك: لغةً واصطلاحًا، أي: استخدامه في أصل اللغة واستخدامه في الاصطلاح.
فإذن ظاهرة الوجوه والنظائر ناتجة عن تنوع المعاني حول اللفظ الواحد، وهذه الظاهرة من الظواهر التي ينبغي على المفسري أن يعلمها، وأن يعرفها تمامَ المعرفة قبل الخَوْض في كلام الله سبحانه وتعالى وتفسيره، وقبل أن يتصدى ببيان معاني القرآن، فعليه أن يهتم بهذا العلم الذي صُنفت فيه التصانيف، واهتم العلماء ببيانه، فمنذ العصور الأولى للتأليف في علوم القرآن وجاءنا كتاب بهذا العنوان (الوجوه والنظائر) للدماغاني وختامًا بالموسوعة العظيمة موسوعة الفيروزبادي (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز) ذلك من الكتب التي اهتمت اهتمامًا بالغًا بمسألة الوجوه والنظائر.
وختامًا في هذه المسألة أعرض نماذجَ لكلمات استُخدمت في القرآن بأكثر من معنًى، مثلًا: كلمة "أُمة" استخدمت في القرآن على تسعة أوجه، أشهرها خمسة، أُمة بمعنى القوم، قال تعالى:{أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} (النحل: 92) أي: أن يكون قوم أربَى أزيدَ من قوم. وبمعنى المِلة: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} (البقرة: 213) أي: ملة واحدة. وبمعنى المُدة: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} (هود: 8) إلى مُدة معدودة. وبمعنى الإيمان: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} (النحل: 120) أي: إمامًا. وبمعنى الخلق من الجنسين يعني: من الجنس النوع، كقوله تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} (الأنعام: 38).
وهذه كلمة "السبيل" تأتي في القرآن على أحد عشرة وجهًا، السبيل بمعنى الطريق:{لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} (النساء: 98) السبيل بمعنى الطاعة: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: 195) السبيل بمعنى البلاغ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران: 97) أي: مبلغًا يتبلغ به إليه. السبيل بمعنى المخرج: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} (النساء: 15) السبيل بمعنى المسلك: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} (الإسراء: 32) السبيل بمعنى الدِّين: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل: 125) السبيل بمعنى الحُجة: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (النساء: 141) السبيل بمعنى العدوان: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (الشورى: 42) السبيل بمعنى الإثم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} (آل عمران: 75) وكقوله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} (التوبة: 91) السبيل بمعنى الملة: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} .
وكذلك لفظ "الأُمة" وغيره من الألفاظ.