المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 مقدمة في وجوه الإعجاز

- ‌ماذا نعني بإعجاز القرآن

- ‌الفرق بين معجزة القرآن وسائر المعجزات

- ‌أوجه إعجاز القرآن

- ‌كيفية تحدي نبينا صلى الله عليه وسلم للعرب

- ‌الدرس: 2 تابع: مقدمة في وجوه الإعجاز - الصرفة، والإخبار بالغيبيات

- ‌لماذا نهتم بالإعجاز اللغوي في القرآن

- ‌ثمرة دراسة إعجاز القرآن

- ‌مسألة الصرفة

- ‌الإخبار عن الغيبيات

- ‌الدرس: 3 أوجه إعجاز القرآن الكريم: حفظ التشريع ودوامه

- ‌نظم القرآن

- ‌قدسية القرآن

- ‌الإعجاز اللغوي

- ‌الدرس: 4 الإعجاز العلمي، والعددي، والتصوير في القرآن الكريم

- ‌الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

- ‌الإعجاز العددي في القرآن الكريم

- ‌مسألة التصوير

- ‌الدرس: 5 الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن

- ‌مقدمة عن الحروف والأصوات كمظهر من مظاهر إعجاز القرآن

- ‌مظهر الإعجاز في الحروف وأصواتها

- ‌الدرس: 6 تابع: الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن

- ‌حركات الحروف وأثرها على السمع في القرآن الكريم

- ‌مظاهر النسق الصوتي في القرآن الكريم، والأمثلة التي تذكر له

- ‌الدرس: 7 حروف المعاني (1)

- ‌حروف العطف (الواو والفاء)

- ‌حروف العطف (ثم، أو، أم، بل، لكن، لا)

- ‌الدرس: 8 حروف المعاني (2)

- ‌حروف النداء

- ‌حروف النفي

- ‌حرفا الشرط: "إنْ" و"لو

- ‌حرفا الاستفهام "الهمزة" و"هل

- ‌الدرس: 9 حروف المعاني (3)

- ‌حروف التوكيد، وحروف الجر والقسم

- ‌كيف كان استخدام حروف المعاني وجهًا من وجوه الإعجاز اللغوي

- ‌الدرس: 10 القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز

- ‌القِراءة وطرق الأداء

- ‌وجوه القراءة

- ‌الكلام عن قراءة التلحين

- ‌لغة القرآن

- ‌مسألة الأحرف السبعة

- ‌الدرس: 11 تابع: القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز

- ‌الإعجاز في تنوع أوجه القراءات فيما يتعلق ببعض مسائل الاعتقاد

- ‌تنوع القراءات القرآنية من حيث الإعجاز التشريعي

- ‌الإعجاز البياني واللغوي في تنوع القراءات

- ‌القراءات وأثرها في: التوجيه البلاغي، وتنوع الأساليب

- ‌الدرس: 12 مفردات القرآن ووجه الإعجاز فيها

- ‌غريب القرآن أو غرائب القرآن

- ‌ظاهرة الألفاظ المعرضة

- ‌ظاهرة الوجوه والنظائر في القرآن الكريم

- ‌قضية الترادف

- ‌حروف المعجم أو ما يتعلق بالحروف المقطعة

- ‌الدرس: 13 قضية النظم

- ‌التطور الدلالي لمصطلح "النظم" وكيف تطور هذا اللفظ

- ‌معنى النظم عند عبد القاهر الجرجاني رحمه الله

- ‌مادة النظم هي العلاقة بين اللفظ والمعنى

- ‌مزايا النظم وفساده

- ‌الدرس: 14 قضية الذكر والحذف

- ‌المسند إليه، ودواعي وأغراض ذكره

- ‌المسند، ودواعي وأغراض ذكره

- ‌مسألة الحذف، ومزاياه، وأنواعه

- ‌الدرس: 15 تابع: قضية الذكر والحذف

- ‌استكمال أغراض حذف المسند إليه

- ‌أغراض حذف المسند

- ‌ما يتعلق بحذف المتعلقات، وحذف المفعول به

- ‌الدرس: 16 التوكيد في النظم القرآني

- ‌تعريف التوكيد، وأغراضه

- ‌صور وأساليب التوكيد

- ‌الدرس: 17 تابع: التوكيد في النظم القرآني - التكرار في القرآن الكريم

- ‌بعض أدوات وأساليب التوكيد المستخدمة في النظم القرآني

- ‌مسألة التكرير

- ‌الدرس: 18 تابع: التكرار في القرآن الكريم

- ‌نماذج تطبيقية على التكرار في القرآن الكريم

- ‌هل هناك زيادة في القرآن

- ‌الدرس: 19 موقف علماء الصرف والنحو من قضية الزيادة

- ‌الزيادة لدى علماء الصرف

- ‌الزيادة عند علماء النحو

- ‌الدرس: 20 الفصل والوصل

- ‌معنى الفصل والوصل عند النحاة والبلاغيين

- ‌مواضع الفصل والوصل

- ‌الدرس: 21 الفصل والوصل في القرآن

- ‌تعليق الدكتور محمد أبي موسى على مسألة الفصل والوصل في القرآن

- ‌الفروق في الاستخدامات، وما بها من إعجاز بياني في نظم القرآن

- ‌الغاية من دراسة الفروق في الحال

- ‌الدرس: 22 لمحات الجرجاني في (دلائل الإعجاز)، وإحصاء الشيخ عضيمة

- ‌موازنة بين ما انتهى إليه الجرجاني وعضيمة في استخدام الحال

- ‌الفروق في استخدام الأفعال بأزمنتها المختلفة

- ‌استخدام الجملة الاسمية والفعلية

الفصل: ‌أغراض حذف المسند

به مرفوعًا في قوله تعالى: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} (يوسف: 18) فهنا حَذْف، فالتقدير: صبري صبر جميل، أو أمري صبر جميل. ولذلك عُدِل عن النصب إلى الرفع؛ لإرادة الثبوت والدوام كما ذكر النحاة في ذلك.

ومن قبيل الحذف أيضًا لتطبيق القاعدة النحوية: اتفاقهم على جواز حذف المبتدأ عند قطع النعت عن المنعوت، ففي قراءة:"الحمد لله ربٌّ العالمين"(الفاتحة: 2) برفع كلمة "رب" يكون التقدير: هو رب العالمين، وحُذف هنا المبتدأ. وفي قولنا:"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" إذا ما قيل: الرجيم، يكون المبتدأ محذوفًا؛ لقطع النعت عن المنعوت لغرض الذم، كما كان قطع النعت عن المنعوت لغرض المدح في قولنا:"الحمد لله رب العالمين" أو لغرض الترحم: "اللهم ارحم عبدَك المسكين" أي: هو المسكين.

إلى غير ذلك مما ذكر في النحو.

وهناك أسباب كثيرة غير ذلك ذُكرت في أبواب النحو، نكتفي بالإشارة إلى ما ذكرنا منه.

‌أغراض حذف المسند

وننتقل بعد ذلك إلى حذف المسند.

حذف المسند أيضًا له أغراض تتعلق به، وإنما الذي نستطيع أن نقوله ابتداءً: هو أنهم قاسوا أغراضَ حذف المسند إليه على حذف المسند، فإذا وجدوا شاهدًا ذكروه، وإن لم يجدوا شاهدًا قاسوا على غيره بمثال كما صنعوا من أمثلة فيما ذكر.

فمن أغراض حذف المسند التي ذكروها: الاحتراز عن العبث، كقوله تعالى:{قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} (الإسراء: 100) فأصل الكلام: لو تملكون خزائنَ رحمة ربي، فحذف الفعل الأول؛ احترازًا على العبث عن

ص: 305

ذكره لدلالة "لو" عليه؛ لأن "لو" لا تدخل إلا على الأفعال، ولوجود المفسر، ثم أبدل من الضمير الذي كان متصلًا بالفعل المحذوف ضميرٌ منفصل هو:{أَنْتُمْ} فهذا الضمير فاعل للفعل المحذوف.

ومثله قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} (العنكبوت: 61) أي: خلقهن الله.

وكذلك قول حاتم الطائي عندما لطمته أَمَةٌ قال: لو ذاتُ سوار لطمتني. أي: لو أن امرأةً حرةً هي التي لطمتني. لكان الأمرُ أهونَ عليَّ. وذكروا لذلك قوله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الزمر: 22) فالخبر محذوف بدلالة ما بعده عليه وهو: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} فالتقدير: أَفمَن شرَح اللهُ صدرَه للإسلام فهو على نور مِن ربه كمن قَسَا قلبُه.

هذا، وهناك شواهد عديدة على هذا المجال أسهب الدكتور شفيع السيد في بيانها في مسألة الحذف بعد "لو".

من الأغراض التي ذكروها أيضًا لحذف المسند: ضيق الصدر، ويستشهدون له بقول الشاعر:

ومن يك أمسى بالمدينة رحلُه

فإني وقيَّار بها لغريب

أي: فإني وقيار لغريب بها، فحذف؛ لدلالة غيره عليه، فهنا الشاعر عندما اشتد ألمه لبعده عن أهله ووطنه، تنفس بهذا البيت، وقد حَذف المسند إلى "قيار" بسبب ضيق صدره، والتقدير: وقيار غريب. وكما يستشهدون له بقول القائل: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض، والرأي مختلف، أي: نحن بما عندنا

ص: 306

راضون، وأنت بما عندك راضٍ، كأنه يريد أن يبين للذي يحدِّثه أنه لا ينفع معه النصح ولا يتقبل النصح، فضيقًا قال هكذا: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض، والرأي مختلف.

هذه نظرة البلاغيين.

أما نظرة النحاة في هذه المسألة فهي واضحة معلومة: أن الحذف لوجود ما يدل عليه، فإذا ما كان هناك دليل جاز الحذف بلا خلافٍ عندهم. في البيتين هناك دليل على الحذف في ذكر المسند مع غير ما حذف منه المسند.

من الشواهد على حَذْف المسند لأسباب نحوية -كما هو معلوم- عند النحاة: حذف الخبر في جواب القسم بقوله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} (الحجر: 72) وكذلك: الحذف لوجود دليل كقوله تعالى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} (الرعد: 35) أي: وظلها دائم. كذلك في قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} (الطلاق: 4) فهنا الإيجاز أدَّى إلى التعبير من أقصر طريق، أي: واللائي لم يحضن مثلهن في هذا الحكم عدتهن كذلك.

مما يوقف معه في حذف المسند من الأمثلة الجميلة قولُه تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} (التوبة: 62) ففي قوله تعالى: {أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} هو خبر عن لفظ الجلالة أي: الله أحق أن يرضوه، أما خبر قوله:{وَرَسُولُهُ} فهو محذوف دل عليه الخبر السابق الذي ذكر مؤخرًا. فيقول أحد الباحثين: سر ذلك الحذف -والله أعلم بمراده- جعل إرضاء الرسول بمنزلة إرضاء الله عز وجل لا فرقَ بينهما، وتأكيدًا لهذه

ص: 307

التسوية الدالة على المنزلة العالية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان عطف كلمة "الرسول" على لفظ الجلالة، فهذا الذي يُتوقف معه في هذه الآية الكريمة، ويتواءم مع الروح العام للعقيدة الإسلامية، ويتفق مع مبادئها في كون الرسول صلى الله عليه وسلم صاحبَ المنزلةِ العاليةِ والمكانةِ العظيمةِ.

أما من ناحية النحاة فهم يتناولون المسألة بأيسر من ذلك بكثير، فيقولون في قوله تعالى:{أَنْ يُرْضُوهُ} أن الضمير هنا عبر به بالمفرد وأريد به التثنية، أي: الكلام عن الله وعن رسوله، وبذلك يكو لفظ "الرسول" معطوفًا ولا يحتاج إلى خبر.

من المواضع التي تحدثوا فيها عن حذف المسند إذا كان المبتدأ واقعًا بعد "إذا" الفُجائية، كقولنا: خرجت فإذا المطر، أو خرجتُ فإذا صديقي، فالتقدير: خرجت فإذا المطر نازل، وخرجت فإذا صديقي حاضر، وكذلك وقوع المبتدأ بعد "لولا" كما قال ابن مالك:

وَبَعدَ لَولَا غَالبًا حَذْفُ الخَبَر

..................

منه قول الصحابة في غزوة الخندق: "الله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا" أي: لولا الله أنعم علينا، لولا أن الله موجود، كما يقدر النحاة بأن الخبر تقديره: كائن أو موجود.

هذه كلها تناولوها في الحذف وحذف المسند، وكلها تدور حول غرض أساسي، وهو وَجازة التعبير وتصفيتُه مما يمكن الاستغناء عنه بقيام قرينة تدل عليه.

وهنا نقف مع بعض الآيات الكريمة؛ لنرى فيها أسرار هذا الحذف، كقوله تعالى:{أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ} (الرعد: 33) فمقابل المستفهم عنه في صدر الآية لم

ص: 308

يذكر، ومعنى الآية:{أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ} : أفمن هو حافظها ورازقها وعالم بها وبما عملت من خير وشر، ويجازيها بما كسبت فيثيبها إن أحسنت ويعاقبها إن أساءت، وجوابه محذوف تقديره: كمن ليس بقائم بل هو عاجز عن نفسه، ومَن كان عاجزًا عن نفسه فهو عن غيره أعجز، وهي الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، فَمَن هنا موصولة وصلتها:{هُوَ قَائِمٌ} والموصول مبتدأ خبره محذوف تقديره: كمن ليس كذلك من شركائهم التي لا تضر ولا تنفع.

فهنا سر بلاغي وراء هذا الحذف، مع الإيجاز والإشعار بازدراء المسند المحذوف والضم عليه بالذكر في مقابل المسند إليه.

وعكس ذلك ما ذكروه في قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} (الزمر: 24) فأيضًا مَن يتقي اسم موصول وقع مبتدأً، خبره محذوف تقديره: كمن أمِنَ العذاب أو كمن ينعم في الجنة، وسُوء العذاب هو شدته، الومعنى -كما يقول الزمخشري-: أن الإنسان إذا لقي شيئًا يخيفه استقبله بيده، وطلب أن يقي بها وجهه؛ لأنه أعز أعضائه عليه، والذي يلقى في النار يلقى مغلولةً يداه إلى عنقه، فلا يتهيأ له إلا أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوفَ بغيره؛ وقايةً له، ومحاماةً عليه. فالداعي البلاغي هنا هو الإشعار بتعظيم المحذوف، وأنه أكرم على الله من أن يُذكر في مقابل هذا الشقي.

وهذا الحذف -كما نعلم- قد يؤدي إلى بقاء الجملة على كلمة واحدة، كما في قوله تعالى:{قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ} (الشعراء: 49، 50) فبعد هذا الوعيد الشديد أجابوه بقولهم: {لَا ضَيْرَ}

ص: 309

أي: لا ضير علينا في قتلك، وحذفوا؛ ليبقى الجواب كلمة واحدة نافذة كالسهم تقضي على غروره وحُمقه، وتبين أنهم لا يخافون ولا يرهبون ما يقول.

هذا وغيره من الأشياء التي تلمَّسها أهلُ البلاغة في أغراض حذف المسند وعدم ذكره.

يبقى هنا مع حذف المسند والمسند إليه نقطتان:

- النقطة الأولى: تتعلق بالتردد بين الحذفين، بمعنى: أن من البلاغيين مَن يأتوا على مواضعَ معينة ويقولون: هنا يجوز أن يكون الحذف للمسند أو للمسند إليه. فمثلًا: {فَصَبْرٌ جَمِيل} (يوسف: 18) يقولون: حالي وأمري صبر جميل، أو صبر جميل عليَّ، أو عليَّ صبر جميل، على أساس أن المحذوف هنا هو الخبر وليس المبتدأ، فيتردد الحذفُ بين المبتدأ وبين الخبر. هذا ما يجيزه البلاغيون في هذا الباب، وكذلك النحاة. وبعضهم يدقق في هذه المسألة فيقول: إن التمحيص يبين أي شيء هو المحذوف؟ وعلى الحقيقة يرجح محذوفًا على غيره، فلا نسلم بمسألة الجواز في هذه المسألة.

وهذه المسألة صراحةً أبدع الجرجاني في ذكر مثال لها في كتابه (دلائل الإعجاز) عندما ذكر قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (النساء: 171) ففي قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} الكلام عن موقع: {ثَلَاثَةٌ} من الناحية الإعرابية، فهل:{ثَلَاثَةٌ} خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة؟ فهنا يكون المحذوف هو المسند إليه. وهل

ص: 310

التقدير: لا تقولوا لنا آلهة ثلاثة؟ فيكون المحذوف هو المسند، شبه الجملة: لنا. فهنا ذكر المعربون والمفسرون هذه الأوجه في إعراب لفظ: {ثَلَاثَةٌ} إنه مبتدأ محذوف الخبر، أو إنه خبر لمبتدأ محذوف، على أساس أنه صفة لكلمة "آلهة" فلما حُذف الموصوف حل محله، وَصف المحذوف هو في الأصل مبتدأ: لنا آلهة ثلاثة.

فيقول: أما إذا جعلنا التقدير: ولا تقولوا لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة، أو ثلاثة آلهة، بحذف المسند، كنا قد نفينا الوجودَ عن الآلهة كما نفيناه في:{لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} (محمد: 19){وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} (ص: 65) ثم يأتي تأكيد وحدانية الله في الآية بعد ذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} (النساء: 171) فإن زعموا أن التقدير: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، على أن المحذوف هو المسند إليه و {ثَلَاثَةٌ} خبر، كانوا قد نفوا أن تكون عدة الآلهة ثلاثةً، ولم ينفوا وجودَ الآلهة.

هذا ما تنبه له الجرجاني، فرجح بذلك أن يكون الحذف للخبر وليس الحذف للمبتدأ؛ للفرق بين المعنيين.

طبعًا هو عرض في هذه المسألة استطرادًا وردَّ عليه، يقول: فإن قيل: فإنه يلزم على تقديرك أي: لا تقولوا لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة، يلزم على هذا التقدير الفساد أيضًا من وجه آخر، وذلك أنه يجوز إذا قلت: ليس لنا أمراء ثلاثة، أن يكون المعنى: ليس لنا أمراء ثلاثة ولكن لنا أميران اثنان، وإذا كان كذلك كان تقديرك وتقديرهم جميعًا خطأ. فيرد على ذلك بقوله: أن الأمر ها هنا يختلف، وهو أن قولهم: آلهتنا أي: آلهتنا ثلاثة، يوجب ثبوت آلهة -جل الله تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا-.

ص: 311

وقولنا: ليس لنا آلهة ثلاثة، لا يوجب ثبوت اثنين البتة، فإن قلتَ: إن كان لا يوجبه فإنه لا ينفيه، قيل: ينفيه ما بعده من قوله تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} .

هكذا نرى الجرجاني عرض المسألة؛ ليرجح وجهًا على آخرَ، ويستدل له باتصال المسألة بالعقيدة، وهذه مسألة تهم البلاغيين وتهم مَن يتصدَّى لبيان القرآن، أن يكون ما يذهب إليه ليس عليه شيء، أو ليس عليه ما يؤدي إلى فساد المعنى، أو إلى معنًى خطأٍ، فيستعاذ منه ولا يرضَى العلماء أن ينسبَ إليهم هذا القول، أو أن يقولوا به.

- التنبيه الثاني في مسألة حذف المسند والمسند إليه: هو اختلافهم فيما إذا كان المسند إليه فاعلًا هل يجوز حذفه؟ فارتضى بعض البلاغيين أن يعتبر من باب حذف المسند إليه حذف الفاعل وإن كان الفعل مبنيًّا للمعلوم؛ لأنهم اتفقوا مع النحاة في جواز حذفه إذا كان الفعل مبنيًّا للمجهول كما سبق أن مثَّلنا. أما اختلافهم ففي نحو قوله تعالى: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} (القيامة: 26){حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (ص: 32){لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} (الأنعام: 94){ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} (يوسف: 35) في هذه المواضع كان الاختلاف في جواز حذف الفاعل مع بناء الفعل للمجهول، وهي مسألة نحوية أكثر منها بلاغية؛ لأننا في البلاغة نرى أن المسألة واضحة كأن الفاعل غير مذكور في هذه الآيات الكريمة.

أما قضية حذفه وعدمه فهي قضية خلاف مشهورة بين الكوفيين والبصريين؛ والكوفيون يجيزون حذف الفاعل بلا تحرز، والبصريون يعددون المواضع القياسيةَ التي يجوز فيها حذف الفاعل، ويمنعون حذفه فيما عدا ذلك.

وهذا فقط أردت أن أشير إليه في باب حذف المسند والمسند إليه.

ص: 312