المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

نجد قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ - الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 مقدمة في وجوه الإعجاز

- ‌ماذا نعني بإعجاز القرآن

- ‌الفرق بين معجزة القرآن وسائر المعجزات

- ‌أوجه إعجاز القرآن

- ‌كيفية تحدي نبينا صلى الله عليه وسلم للعرب

- ‌الدرس: 2 تابع: مقدمة في وجوه الإعجاز - الصرفة، والإخبار بالغيبيات

- ‌لماذا نهتم بالإعجاز اللغوي في القرآن

- ‌ثمرة دراسة إعجاز القرآن

- ‌مسألة الصرفة

- ‌الإخبار عن الغيبيات

- ‌الدرس: 3 أوجه إعجاز القرآن الكريم: حفظ التشريع ودوامه

- ‌نظم القرآن

- ‌قدسية القرآن

- ‌الإعجاز اللغوي

- ‌الدرس: 4 الإعجاز العلمي، والعددي، والتصوير في القرآن الكريم

- ‌الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

- ‌الإعجاز العددي في القرآن الكريم

- ‌مسألة التصوير

- ‌الدرس: 5 الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن

- ‌مقدمة عن الحروف والأصوات كمظهر من مظاهر إعجاز القرآن

- ‌مظهر الإعجاز في الحروف وأصواتها

- ‌الدرس: 6 تابع: الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن

- ‌حركات الحروف وأثرها على السمع في القرآن الكريم

- ‌مظاهر النسق الصوتي في القرآن الكريم، والأمثلة التي تذكر له

- ‌الدرس: 7 حروف المعاني (1)

- ‌حروف العطف (الواو والفاء)

- ‌حروف العطف (ثم، أو، أم، بل، لكن، لا)

- ‌الدرس: 8 حروف المعاني (2)

- ‌حروف النداء

- ‌حروف النفي

- ‌حرفا الشرط: "إنْ" و"لو

- ‌حرفا الاستفهام "الهمزة" و"هل

- ‌الدرس: 9 حروف المعاني (3)

- ‌حروف التوكيد، وحروف الجر والقسم

- ‌كيف كان استخدام حروف المعاني وجهًا من وجوه الإعجاز اللغوي

- ‌الدرس: 10 القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز

- ‌القِراءة وطرق الأداء

- ‌وجوه القراءة

- ‌الكلام عن قراءة التلحين

- ‌لغة القرآن

- ‌مسألة الأحرف السبعة

- ‌الدرس: 11 تابع: القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز

- ‌الإعجاز في تنوع أوجه القراءات فيما يتعلق ببعض مسائل الاعتقاد

- ‌تنوع القراءات القرآنية من حيث الإعجاز التشريعي

- ‌الإعجاز البياني واللغوي في تنوع القراءات

- ‌القراءات وأثرها في: التوجيه البلاغي، وتنوع الأساليب

- ‌الدرس: 12 مفردات القرآن ووجه الإعجاز فيها

- ‌غريب القرآن أو غرائب القرآن

- ‌ظاهرة الألفاظ المعرضة

- ‌ظاهرة الوجوه والنظائر في القرآن الكريم

- ‌قضية الترادف

- ‌حروف المعجم أو ما يتعلق بالحروف المقطعة

- ‌الدرس: 13 قضية النظم

- ‌التطور الدلالي لمصطلح "النظم" وكيف تطور هذا اللفظ

- ‌معنى النظم عند عبد القاهر الجرجاني رحمه الله

- ‌مادة النظم هي العلاقة بين اللفظ والمعنى

- ‌مزايا النظم وفساده

- ‌الدرس: 14 قضية الذكر والحذف

- ‌المسند إليه، ودواعي وأغراض ذكره

- ‌المسند، ودواعي وأغراض ذكره

- ‌مسألة الحذف، ومزاياه، وأنواعه

- ‌الدرس: 15 تابع: قضية الذكر والحذف

- ‌استكمال أغراض حذف المسند إليه

- ‌أغراض حذف المسند

- ‌ما يتعلق بحذف المتعلقات، وحذف المفعول به

- ‌الدرس: 16 التوكيد في النظم القرآني

- ‌تعريف التوكيد، وأغراضه

- ‌صور وأساليب التوكيد

- ‌الدرس: 17 تابع: التوكيد في النظم القرآني - التكرار في القرآن الكريم

- ‌بعض أدوات وأساليب التوكيد المستخدمة في النظم القرآني

- ‌مسألة التكرير

- ‌الدرس: 18 تابع: التكرار في القرآن الكريم

- ‌نماذج تطبيقية على التكرار في القرآن الكريم

- ‌هل هناك زيادة في القرآن

- ‌الدرس: 19 موقف علماء الصرف والنحو من قضية الزيادة

- ‌الزيادة لدى علماء الصرف

- ‌الزيادة عند علماء النحو

- ‌الدرس: 20 الفصل والوصل

- ‌معنى الفصل والوصل عند النحاة والبلاغيين

- ‌مواضع الفصل والوصل

- ‌الدرس: 21 الفصل والوصل في القرآن

- ‌تعليق الدكتور محمد أبي موسى على مسألة الفصل والوصل في القرآن

- ‌الفروق في الاستخدامات، وما بها من إعجاز بياني في نظم القرآن

- ‌الغاية من دراسة الفروق في الحال

- ‌الدرس: 22 لمحات الجرجاني في (دلائل الإعجاز)، وإحصاء الشيخ عضيمة

- ‌موازنة بين ما انتهى إليه الجرجاني وعضيمة في استخدام الحال

- ‌الفروق في استخدام الأفعال بأزمنتها المختلفة

- ‌استخدام الجملة الاسمية والفعلية

الفصل: نجد قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ

نجد قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعً} (الكهف: 25)، وهذه السنون التسع هي الفرق ما بين عدد السنين الشمسية والقمرية، قال ذلك الزجاج رحمه الله فيعني بتكميل الكسر يعني هذه الفروق تسع سنوات تفصل بين السنوات الشمسية والسنوات القمرية التي يعرفها العرب في حساباتهم، فانظر رحمك الله إلى هذا الحساب الدقيق في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، فهذا ما يتعلق بالإعجاز العددي، وما عدا ذلك مما ذُكر فهي اجتهادات كما تنبه إليها الفيروزآبادي في (لطائف ذوي التمييز) في استخدام الأعداد أربعة وأربعين وسبع وسبعين وهذه الأشياء مما يتعلق بما سموه أو بما أطلق عليه الإعجاز العددي.

‌مسألة التصوير

والآن ننتقل إلى النقطة الرئيسة في درسنا وهي "مسألة التصوير":

هذه مسألة عظيمة تستحق أن نقف عندها، وهي جديرة بأن تكون موضع درس بمفردها، وهي مسألة التصوير في القرآن الكريم، أصل هذه المسألة يتعلق بما تحدث فيه البلاغيون في قضية "الحقيقة والمجاز".

اللفظ في كلام العرب وفي لغة العرب إما أن يُحمل على حقيقته أو أن يُحمل على المجاز، يتعلق هذا الأمر ابتداءً بقضية الحقيقة والمجاز، فاللفظ يُحمل على الحقيقة ويُحمل على المجاز؛ فالمجاز هو خلاف الحقيقة، بمعنى: أننا لو قلنا: رأيت رجلًا فهذه حقيقة، ولو قلنا: رأيت أسدًا فهذا مجاز، لأنني لا أريد به الأسد المعروف لدى الناس، ولكنني أريد به أن أصف رجلًا بصفات الأسد من الشجاعة وغيرها، كما يُقال عن الطيارين مثلًا بأنهم نسور الجو، وهذه العبارات التي تُستخدم في كلامنا.

ص: 78

وباب الحقيقة والمجاز باب واسع في كتاب الله سبحانه وتعالى، والكلام فيه تطرق إليه العلماء ما بين مثبت وما بين معارض، ولكن هذه المسألة لا نريد أيضًا أن نخوض في تفاصيل الحديث عن مسألة الحقيقة والمجاز، ولكننا ننتقل منها لمسألة هي من أروع المسائل التي تتعلق بهذا الباب وهو موضوع "التصوير في القرآن الكريم".

التصوير يأتي من كلمة صورة، أي أن عبارات القرآن ترسم لك -أيها السامع- صورة تراها بعينك وتسمعها بأذنك وتشاهدها أمامك كأنها تتحرك وكأنك ترى أحداثها، التصوير بهذا المعنى ذكر أهل العلم المحدثين الذين اهتموا بهذه المسائل أنه لم يكن معروفًا بهذه الصورة عند قدماء الدارسين أو عند البلاغيين القدامى في دراستهم لكتاب الله سبحانه وتعالى، وبيان ما في كتاب الله عز وجل، إلى أن أتى في العصر الحديث أستاذ سيد قطب، وكتب كتابه (التصوير الفني في القرآن)، في هذا الكتاب أسهب رحمه الله في بيان هذه المسألة والاستدلال لها وذكر شواهدها، وهذا من المتعة التي سنتناولها -إن شاء الله- بشيء من التفصيل في هذا المجال، وقبل أن نتحدث عن كلام الأستاذ سيد قطب وما طرحه في هذه المسألة نذكر جهود القدامى رحمهم الله في بيان مسألة التصوير:

التصوير عند القدماء ينحصر فيما يُسمى بالصورة البيانية، علم البيان فرع من فروع علوم البلاغة الثلاثة فهي تشمل ثلاثة فروع كما تعرف -أيها الابن الكريم-؛ تشمل المعاني وتشمل البيان وتشمل البديع.

فعلم البيان الذي يشمل التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية، هذا العلم به يُنسب إليه ما يُطلق عليه التصوير في كتب القدامى، التصوير أي الصورة البيانية في

ص: 79

القرآن الكريم، التي تظهر جلية في باب الاستعارة، وحتى إن بعضهم يُسمي بهذا التسمية، يقول: التصوير عن طريق الاستعارة، فدراسة الأقدمين لهذه المسألة كانت قاصرة على توضيح نوع الاستعارة وبيان إجراء استعارة والحديث عما فيها من وجه بلاغي، هذا المعنى هو الذي نجده في كتب السابقين وفي بيان ما يُسمى بالتصوير أو بالصورة في القرآن الكريم.

وهذا الاقتصار هو السمة الغالبة في مصنفاتهم، حتى إن الدكتور أحمد بدوي مثلًا يقول: ولم أرَ إلى ما ندُر من وقوف بعضهم يتأمل بعض هذه اللمحات الفنية المؤثّرة، وليس مثل هذه الدراسة بمجدٍ في تذوق الجمال وإدراك أسراره، يقول: إنه لم يرَ من المصنفين السابقين إلا النادر أو القليل الذي كان يهتم بإبراز مظاهر التصوير أو الجمال الفني في التصوير في القرآن الكريم؛ لأنه به يظهر أسرار القرآن في جماله في الصور التي تجعل القارئ يحسّ بالمعنى أكمل إحساس وأوفاه، وتصوّر المنظر للعين وتنقل الصوت للأذن، وتجعل الأمر المعنوي ملموسًا محسّنًا، وبدأ يذكر بعض الصور التي ذكرها القدامى في هذا المجال؛ فمنها قول الله سبحانه وتعالى:{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعً} (الكهف: 99)، فكلمة يموج لا تقف عند حد استعارتها لمعنى الاضطراب، بل إنها تصور للخيال هذا الجمع الحاشد من الناس احتشادًا لا تدرك العين مداه، حتى صار هذا الحشد الزاخر كبحر، وترى العين منه ما تراه في البحر الزاخر من حركة وتموّج واضطراب، ولا تأتي كلمة "يموج" إلا موحية بهذا المعنى ودالة عليه.

هذه صورة من الصور التي ذُكرت عند الأقدمين في الاستعارة لكلمة يموج، وما توحي به من ازدياد الحشد وكثرة العدد في هذا المنظر، الذي تراه بعينك، وكذلك عند حديثهم عن قوله سبحانه وتعالى:{وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} (مريم: 4)، فإن كلمة

ص: 80

"اشتعل" لا تقف عند معنى انتشر وحسب، ولكنها تحمل معنى دبيب الشيب في الرأس في بطء وثبات، كما تدب النار في الفحم مبطئة، ولكن في دأب واستمرار، حتى إذا تمكنت من الوقود اشتعلت في قوة لا تبقي ولا تذر، كما يحرق الشيب ما يجاوره من شعر الشباب، حتى لا يظهر شيئًا إلا التهمه وأتى عليه، ويقول: وفي إسناد الاشتعال إلى الرأس ما يوحي بها الشمول الذي التهم كل شيء في الرأس.

وبدأ رحمه الله يذكر أمثلةً على ما تنبه إليه القدامى في هذه المسألة من باب الاستعارة التي تحمل صورة بيانية لمن يسمعها ولمن ينظر فيها، وأن القرآن قد يجسِّم المعنى، ويهب للجماد العقل والحياة زيادة في تصوير المعنى وتمثيله للنفس، وذلك بعض ما يعبر عنه البلاغيون بالاستعارة المكنية، وذكر مثالًا لها قول الله سبحانه وتعالى:{وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ} (الأعراف: 154)، {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} (الأعراف: 150)، فهنا كلمة الغضب تشعرك بأنه إنسان يدفع موسى ويحثه على الانفعال والثورة، ثم يسكت ويكفّ عن دفع موسى وتحريضه، وهذه صورة بيانية جميلة ذكرها السابقون في مجال الاستعارة.

هذا -كما يُقال- هو حد الدرس في مسألة التصوير عند البلاغيين الذين يهتمون بهذه المسألة، أما النقْلة التي حدثت في عصرنا هذا هو ما أحدثه الأستاذ سيد قطب في كتابه (التصوير الفني) فبين المسألة بصورة تستدعي منا أن نقف معها ونرى فكر الرجل في هذه المسألة العظيمة:

بدأ رحمه الله أن يبين لنا مسألة هي بمثابة التمهيد لهذه المسألة، وهي أن القرآن قد سحر من آمن به ومن لم يؤمن به، وهذا ظاهر في قول الوليد:{إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَر} (المدثر: 24)، فيقول: الوليد بن المغيرة شغله القرآن ونظر فيه

ص: 81

وفي معانيه فعرف أنه يخرج عن طوق العرب في كلامهم، وكذلك عمر رضي الله عنه كان سبب إيمانه هو سماعه آيات من القرآن في رواية أو قراءته آيات من سورة طه في رواية أخرى، فكان ذلك دافعًا لإيمانه رضي الله عنه وأرضاه- وكانت عباراته المشهورة:"فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام"، والعبارة الأخرى عندما قرأ الآيات قال:"ما أحسن هذا الكلام وأكرمه" فذلك دليل بيّن، على أن القرآن أثر العرب في بداياته.

مدخل جميل لهذه المسألة؛ أرجو منك أيها الابن الكريم أن تتأمله معي، أن القرآن سحر العرب ببيانه وأسلوبه بداية، فهنا نطرح سؤالًا: إذا قلنا الإعجاز في القرآن من ناحية التشريع، أو الإعجاز في القرآن من ناحية الإخبار بالحقائق الكونية، أو الإعجاز في القرآن من ناحية الحديث عن النبوءات الغيبية الأشياء المستقبلة، هذا الكلام نستطيع أن نقبله من القرآن ككلام عام، كما ذكرنا في الدرس الماضي جملةً على الجملة لماذا؟

لأنك لو قرأت في القرآن كله ستجد هذه الآيات وهذه العلامات البيّنة على إعجاز القرآن في هذه الوجوه؛ في جانب التشريع وفي جانب الحقائق الكونية وفي جانب النبوءات الغيبية.

أما السؤال الذي يُطرح الآن: أين هذه الأشياء من الوليد بن المغيرة عندما ذكر هذا الكلام بعد سماعه آيات من القرآن ونزلت قصته في سورة (ن) تصوّر حاله عندما سمع وعندما قال بعد ذلك قولته العظيمة الباهتة الظالمة في القرآن: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} (المدثر: 24، 25)، هذه الآيات في سورة (ن)، وسورة (ن) من أولى السور التي نزلت من القرآن الكريم، واختلف أهل العلم في ترتيب نزولها: هل هي الثالثة أم بعد الثالثة؟ ولكنهم

ص: 82

اتفقوا على أنها من السور الأولى التي نزلت في القرآن الكريم على النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- فلا شك أن الرجل حكم هذا الحكم وتأثر هذا التأثير عند سماعه سِور من السور التي نزلت في بداية الوحي قبل التفصيل في مسائل التشريع وقبل بيان مسائل الحقائق الكونية ومسائل الغيبيات، فكانت عبارات وجيزة وآيات قصيرة، أُنزلت على النبي -صلى الله عليه آله وصحبه وسلم- فمن هنا جاء كلامنا عن هذه المسألة، لا شك أن القرآن سحرهم، هذا اللفظ تجاوزًا على اعتبار كلامهم {إِنْ هَذَا إِلَاّ سِحْرٌ يُؤْثَر} (المدَّثر: 24) واسترعى انتباههم لما فيه من عبارات، وبما فيه من ميزة عن كلامهم ليست بالطبع هي الحقائق الكونية أو الحقائق التشريعية أو النبوءات الغيبية. فلا بد لنا أن نبحث عن منبع آخر لجمال النص القرآني.

من هنا بدأ الأستاذ سيد قطب في كلامه عن قضية التصوير الفني أن هذا التصوير الذي نجده في آيات القرآن جملة وتفصيلًا في قصار السور وفي طوالها وفي الآيات، ربما تقتصر آية على صورة عظيمة من صور التصوير. وبين ذلك أيضًا في حديثه عن جهود السابقين فأشار إلى أن الزمخشري كان ينتبه إلى هذه المسألة، ولكنه لم يتحدث فيها تفصيلًا، وإلى أن عبد القاهر رحمه الله في (دلائل الإعجاز) نبه أيضًا عل هذه المسألة، ولكنه لم يفصلها تفصيلًا واضحًا، فتبنى رحمه الله تفصيل هذه القضية في (بيان التصوير الفني في القرآن الكريم)، فقال: التصوير هو الأداة المفضّلة في أسلوب القرآن، فهو يعبّر بالصورة المحسّة المتخيلة عن المعنى الذهني وعن الحالة النفسية وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية، ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة.

ص: 83

فهذا التصوير تصوير باللون وبالحركة وتصوير بالتخييل تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل، وكثيرًا ما يشترك الوصف والحوار وجرس الكلمات ونغم العبارات وموسيقى السياق في إبراز صورة من الصور تتملاها العين والأذن والحس والخيال والفكر والوجدان.

هذه إجمال معنى التصوير؛ نقل صورة أمامك تشاهدها، وبالمثال يتضح المقال، بدأ الشيخ يعرض سورًا من القرآن الكريم فيها روعة التصوير الفني الذي يعرفه من ينظر في هذه الآيات الكريمة، وكما ذكرت آنفًا الآن في عباراته؛ أنه ذكر أن القرآن عبّر عن المعاني الذهنية في صورة حسية، وكذلك عبر القرآن عن المعاني المجردة والحالات النفسية بصورة حسية، وكذلك عرَض القرآن نموذجًا إنسانيًّا واضحًا للإنسان في شخصيته وفي تصرفاته، وكذلك رسم القرآن مشاهد لحوادث وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ورسم القرآن حوادثَ ضُربت كمثال من القصة في القرآن الكريم؛ كل ذلك كانت عمدته الأساسية في التعبير عنه هي طريقة التصوير.

ونعيش الآن مع نماذج مما ذكرها الأستاذ سيد قطب رحمه الله.

يضرب مثال ً اللمعاني الذهنية التي خرجت في صورة حسية لأشياء عديدة؛ منها هذه الصورة، القرآن يريد أن يجسّم ضعف هؤلاء الآلهة أو الأولياء الذين اتخُذوا من دون الله عامة، ويبين أنهم لجئوا إلى ملجأ ضعيف واحتموا بشيء لا يستطيع حمايتهم، فبماذا عبر القرآن؟

قال الله سبحانه وتعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (العنكبوت: 41)، تأمل هذه السورة الكريمة؛ يصور الله سبحانه وتعالى-

ص: 84

هؤلاء الذين اتخذوا أولياء من دون الله عز وجل بمن يتخذ بالعنكبوت الذي يتخذ بيتًا، فهم عناكب ضئيلة واهنة تأوي مَن حمى هؤلاء الآلهة أو الأولياء إلى بيت كبيت العنكبوت أوهن وأضأل، {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} ، ولكنهم لا يعلمون حتى هذه البديهية المنظورة، فهم يضيفون إلى الضعف والوهن جهلًا وغفلة، حتى لا يعجزون عن إدراك البديهي المنظور.

يعني: يريد الشيخ بأن تتأمل هذه الصورة لهؤلاء الذين يعبدون من دون الله عز وجل أولياء أو أناسًا أو أصنامًا أو غير ذلك، فهذه الصورة التي رسمها الله سبحانه وتعالى لهم بهذه الآية الكريمة.

وصورة أخرى لمعنى مجرد، وهذا المعنى هو أن المشرك لا منبت له ولا جذور، ولا بقاء له ولا استقرار، فهذا المعنى كيف يُصوّر؟ انظر إلى قول الله سبحانه وتعالى:{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق} (الحج: 31) هكذا في ومضة يخرّ من السماء من حيث لا يدري أحد، فلا يستقر على الأرض لحظة، إن الطير لتخطفه وإن الريح لتهوي به، وتهوي به في مكان سحيق حيث لا يدري أحد كذلك، وذلك هو المقصود.

انظر -رحمك الله- إلى هذا التصوير لهذا المعنى، وهو معنى عدم استقرار المشرك، وأنه لا بقاء له، وكيف صوّره القرآن الكريم.

هناك معاني أخرى تصور الحالة النفسية والمعنوية، هذا الذي لا يؤمن أو هذا الذي لا ينتفع بالعلم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى يهيئ الله له المعرفة فيفرّ منها كأنها لم تهيئ له، ويعيش بعد ذلك مترددًا بين أهواء نفسه، فلا هو استراح بالغفلة ولا استراح بالعلم والمعرفة، نريد أن نصوّر أو أن نعبّر عن هذا المعنى، فماذا يُقال؟ انظر إلى قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ منْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ

ص: 85

فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} (الأعراف: 175، 176).

انظر إلى هذه السورة وما فيها من تحقير وتقذير لهذا الذي ينسلخ ويترك ما رزقه الله من العلم والمعرفة، وهذه الحركة الدائبة في وضعه، فهي في تثبيت المعنى المراد أشد وأقوى، وهذا المنظر الذي تراه من الصورة التي رسمت للكلب:{إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} ، فهو على كل حال مضطرب فزِع خائف، سواء أمنته أو سواء أرهبته، في الحالين هو يلهث بهذه الصورة المقززة الحقيرة.

وصورة أخرى لمعنى آخر، وهو معنى من تتزعزع عقيدته، يعني إنسان ليس على يقين، وليس على ثبات من أمر الله سبحانه وتعالى، فهو كما يُقال: إذا الريح مالت مال حيث تميل، في هذه الصورة يقول الله سبحانه وتعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} (الحج: 11)، هنا الخيال يجسّم هذا الحرف، الحرف الجبل، الذي يعبد الله عليه هذا البعض من الناس، وإنه ليكاد يتخيل الاضطراب الحسي في وقفتهم، وهم يتأرجحون بين الثبات والانقلاب، وإن هذه الصورة لترسم حالة التزعزع بأوضح ما يؤديه وصف التزعزع؛ لأنها تنطبع في الحس وتتصل منه بالنفس، انظر إلى هذه الصورة وما استطاعت أن توصله إليك من بيان حال هذا الذي يشك والذي لا يثبت على شيء وعقيدته مضطربة مهتزة؛ يعبد الله على الأحوال التي تصيبه، فتارة يطمئن وتارة يضطرب، كحال من يتعبد على جبل مرتفع.

ص: 86

ينتقل بعد ذلك لرسم صور للإنسان بشخصه، وهذه الصورة تكون واضحة لمن ينظر فيها، صورة بسيطة، أنا لا أريد أيضًا أن أسهب في ذكر هذه الصور لأن لنا وقفة مع صور يوم القيامة ومشاهد يوم القيامة في القرآن الكريم، وكيف صوّرها القرآن لأهل الإيمان.

هذه صورة لإنسان ضعيف العقيدة، ضعيف العزيمة، مستور الحال، لا يتبين ضعفه في فترة الرخاء، فإذا جدّ الأمر وجاءت الشدة ظهر هذا الضعف على أتمّه، هذه الصورة يصورها القرآن في قوله تعالى:{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} (محمد: 20).

انظر لهذه الصورة التي يعرفها كلّ منا من حال من يُغشى عليه من الموت وما يُرى على وجهه من شحابة ومن خوف وفزع واضطراب يصيبه، هذا حالهم عندما ينزل أمر الله عز وجل بالجهاد والقتال؛ {يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} ، صورة تبرز في الضمير مصحوبة بالسخرية والتحقير، وهذه صورة من الصور العظيمة التي صوّرها القرآن لحادثٍ حدث في عهد النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

ويكفي أهل الإيمان أن ينظروا في الآيات ليتبينوا هذا المنظر وكأنهم يرونه رأي العين، وكيف استطاع القرآن أن يصف هذا المنظر بهذه الصورة الفنية الرائعة، وهي حادثة الأحزاب، وما كان في أمر هذه الغزوة؛ يتحدث المولى سبحانه وتعالى عن الهزيمة فيرسم مشهدًا كاملًا تبرز فيه الحركات الظاهرة والانفعالات المضمرة، وتلتقي فيه الصورة الحسية بالصورة النفسية، وكأنما الحادث معروض من جديد دون أن يُغفل منه قليل أو كثير: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا *

ص: 87

إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْل يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} (الأحزاب: 9 - 13).

سبحان الله!! انظر لهذه الحركة النفسية والحسية من حركات الهزيمة، وكيف أبرزها القرآن الكريم في رسم صورة أهل الإيمان عندما اشتد بهم الكرب وأحاط بهم أهل الكفر وما كان من شأنهم بهذا الوصف الرائع الذي وصفه المولى سبحانه وتعالى:{زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} ، وهذا الابتلاء الشديد الذي تعرضوا له وما كان من شأن المنافقين الذين قالوا عند هذا الوضع:{مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} ، وما كان من شأنهم مع أهل المدينة عندما قالوا لهم لا بقاء لكم هنا ارجعوا إلى بيوتكم فهي في خطر، وهؤلاء هم جماعة من ضعاف القلوب يقولون: إن بيوتنا مكشوفة وليست في حقيقتها مكشوفة، {إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} .

فصور الله سبحانه وتعالى أحوال جميع الطوائف التي كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم: أهل الإيمان الذين زُلزلوا زلزالًا شديدًا وأهل النفاق الذين كذبوا وعد الله سبحانه وتعالى وأضعفوا إخوانهم، وأهل الإيمان الضعيف الذين أرادوا أن يفروا ويتحججون بأن بيوتهم مكشوفة، وهكذا لا تفلت في الموقف حركة ولا سمة إلا وهي مسجلة ظاهرة كأنها شاخصة حاضرة، هذا من روائع تصوير القرآن الكريم لحادث وقع، كذلك الناظر في قصص القرآن.

ص: 88

ثم تعرض الشيخ لذكر بعض الأمثال القصصية التي وقعت في القرآن الكريم؛ من ذكر أصحاب الجنة في سورة (ن) ومن ذكر صاحب الجنتين في سورة الكهف، ومر بعد ذلك بمشاهد من قصص حقيقية، هذه القصص السابقة ضُربت على سبيل المثال على اختلاف بين أهل التفسير أو أنها قصص واقعة، وكذلك قصة نوح عليه السلام مع ابنه بعد الطوفان:{وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} (هود: 42، 43).

فانظر إلى هذه الصورة وكيف رُسمت بما هو صراع بين عاطفة الأبوة وحقيقة النبوة مع نوح عليه السلام، وكيف كان الابن على هذا العناد وهذا الإصرار على عدم طاعة أبيه، وكيف صور القرآن هذا الموقف العظيم بهذه الكلمات الجليلة!

وكذلك صور القرآن مظاهر الطبيعة في آيات كثيرة، ومن أعظم ما يستدعي أهل الإيمان أن ينظروا إليه هي مشاهد القيامة في القرآن الكريم، ولك أن تتأمل بعض المشاهد كمنظر هؤلاء الذين يخرجون من القبور للحساب، وما حالهم من الإسراع والخشوع وما يصيبهم في قول الله سبحانه وتعالى:{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} (إبراهيم: 42، 43)، وانظر إلى منظر الناس عندما رسمه الله سبحانه وتعالى عند قيام الساعة:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} (الحج 1، 2).

ص: 89

وانظر رحمك الله إلى هذه الصورة العظيمة في آخر سورة الزمر، من وصف سوق أهل الجنة إلى الجنة وأهل الجحيم إلى الجحيم -عياذًا بالله- وما كان من آمرهم وكيف صوّره الله سبحانه وتعالى بهذا الكلام الجميل الذي يتأمله من يؤمن بكلام ربه:{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} (الزمر 71، 72)، وعلى النقيض صورة أهل الجنة:{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (الزمر 73، 74)، ويكمل المشهد بمنظر الملائكة:{وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الزمر: 75).

هذه صورة جميلة وغيرها، كثير في كتاب الله سبحانه وتعالى، ولكن ذلك يستدعي منك -أيها الابن الحبيب- أن تتدبر وأن تتأمل وأن تنظر في هذه الوجوه من روائع التصوير في القرآن الكريم التي هي سر من أسرار الإعجاز في كتاب الله.

وجزاكم الله خيرًا.

ص: 90