الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني
(تابع: مقدمة في وجوه الإعجاز - الصرفة، والإخبار بالغيبيات)
لماذا نهتم بالإعجاز اللغوي في القرآن
؟
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وآل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد؛ وبعد:
انتهينا إلى الحديث عن: لماذا نهتم بالإعجاز اللغوي؟
لا يشك عاقل أن لغة القرآن تختلف عن لغة البشر، وأن تراكيبها وأسلوبها ونظمها متناهٍ في البلاغة والفصاحة، إلى درجةٍ لا يصل إليها أحدٌ من البشر، ولو كان سيدهم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَي إِلَيَّ} (يونس: 15).
فيكفيك دليلًا أن فصاحة سيد الفصحاء وإمام البلغاء لا ترقى لفصاحة القرآن، فما بالكم بمن دونه من البشر وذلك سائر البشر؛ ولذلك كان الاهتمام بالجانب اللغوي في القرآن لإبراز الفروق بين كلام الرحمن وكلام الإنسان، وصنفت في ذلك التصانيف؛ فالباقلاني في (إعجاز القرآن) أسهب في إثبات أن القرآن ليس شعرًا ولا سجعًا، وعرض نماذج لما يفتخر به العرب من شعرهم ونثرهم، ووازن بينه وبين القرآن لبيان الفرق الشاسع بينهما، والجرجاني صنف كتابه (دلائل الإعجاز) للاستدلال بنظرية النظم على تفرد القرآن في ذلك، وابن أبي الإصبع المصري صنف كتابًا سماه (تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن) فيتضح لك من العنوان مراد الرجل أن من تأمل الشعر والنثر بان له إعجاز القرآن في الجانب اللغوي؛ ولذلك أذكر لكم موازنة ذكرها الباقلاني في كتابه (إعجاز القرآن)؛ ليستدل بها على الفروق بين كلام الله وبين كلام العرب، فجعل الفروق في نقاط:
النقطة الأولى: هي أن النظم القرآني خارج عن المعهود من نظم كلامهم، فليس من الشعر ولا من النثر المرسل ولا المسجوع.
النقطة الثانية: هي أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة على هذا القدر من الطول، وما نُسب من الفصيح لحكيمهم فكلمات معدودة، ولشاعرهم فقصائد محصورة.
النقطة الثالثة: أن نظم القرآن لا يتفاوت على ما يتصرف فيه، والوجوه من قصص ووعظ واحتجاج وحكم وأحكام ووعد ووعيد ووصف وتعليم وأخلاق كريمة وغير ذلك مما حواه القرآن، بينما كلام بلغائهم يختلف بحسب الأغراض؛ فمنهم من يجيد الوصف دون الغزل، ومن يحسن إذا رغب والآخر إذا طرب وغيرهما إذا ركب، فهم ليسوا على درجة سواء من الفصاحة في شتى الأغراض؛ يعني: يقصد ببساطة أن القرآن كله فصيح، وكله على أعلى درجات الفصاحة في شتى أغراضه؛ سواء كانت حكمًا أو مواعظ أو تشريعًا أو قصصًا أو غير ذلك، فكلها على درجة من الفصاحة، وكلها على أعلى درجات الفصاحة، بينما الشعراء والخطباء يجيدون تارة ويخفقون أخرى؛ فلذلك نقول ذلك يحسن إذا طرب؛ يعنى إذا تحدث في الشعر الذي يتعلق بالوصف وغير ذلك، والآخر إذا رغب؛ يعني إذا تحدث في المدح والآخر إذا ركب يعني إذا فاخر أو تحدث في وصف خيله وكذا، فكانوا يحسنون في مجالات دون الأخرى.
النقطة الرابعة: أن المعاني التي جاء بها القرآن اتسقت في أسلوب بديع يتعذر على البشر، وهي معاني مبتكرة غير متداولة؛ كالاحتجاج بالدين وبيان الشريعة والرد على الملحدين، فهذه المعاني الجديدة الأصل أن يكون فيها من الصعوبة ما ليس في غيرها من المعاني المتداولة، ومع ذلك كان القرآن يعرض هذه المعاني بنسق بديع لا يستطيع البشر أن ينسقوا على منواله مع المعاني المتداولة وليست المبتكرة التي جاء بها القرآن الكريم.