الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع
(الإعجاز العلمي، والعددي، والتصوير في القرآن الكريم)
الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ وبعد:
فإن الإعجاز العلمي أمر شغل الناس كثيرًا، وظهر في عصرنا هذا بصورة واضحة وكثر الكلام فيه، فكان لا بد لنا في مادتنا مع أنها تمس الجانب اللغوي أن نقف مع هذه النقطة، ونوضح ما فيها من أشياء عسى أن ينفعنا الله سبحانه وتعالى بما نقول ونسمع.
ويتركز حديثنا حول الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في النقاط التالية:
أولًا: ما المقصود بالإعجاز العلمي؟
المقصود بالإعجاز العلمي هو إخبار القرآن بحقيقة كونية أثبتها العلم التجريبي، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، مما يُظهر صدقه فيما بلّغ عن رب العزة سبحانه وتعالى.
ثانيًا: ما الفرق بني الإعجاز العلمي والتفسير العلمي؟
البعض يخلط في هذه المسألة، فيتحدث عن التفسير العلمي بأنه إعجاز علمي، أو يذكر أوجه الإعجاز العلمي على أنها تفسير علمي للقرآن الكريم، فما الفرق بينهما؟
الفرق هو أن الإعجاز العلمي الذي يُقصد به سبق القرآن الكريم إلى الإخبار بحقيقة كونية قبل أن يكتشفها العلم التجريبي، هذا المقصود بالإعجاز، أما التفسير العلمي للقرآن فيُراد به الكشف عن معانٍ جديدة للآية القرآنية في ضوء ما
ترجحت صحته من نظريات العلوم الكونية، دون إسراف في التأويل، ذلك عندما تدرس في مادة التفسير ومناهج التفسير تجد إسهابًا في الحديث عن هذه المسألة وهي مسألة التفسير العلمي للقرآن الكريم، هذه المسألة انتشر اجتهاد المجتهدين فيها، وكلام الناس فيها، ولكنها لها حدود لا بد أن نقف عندها.
ومنها ننتقل إلى نقطتنا الثالثة في هذا الموضوع: وهي ما الضوابط التي نلجأ إليها عند حديثنا عن الإعجاز العلمي؟ أو ما الأشياء التي نحتكم إليها في البحث عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؟ هل كل أحدٍ يقول ما يقول وما يحلو له أن يقوله يذكره ويقول: هذا إعجاز علمي؟
لا نستطيع ابتداءً أن نسلم بهذا الكلام، وما أوتي النقد من أعداء الإسلام إلا من تسرع بعض الناس في إثبات أو في الحديث عن نظريات علمية كانت في محل التجريب، ولم تثبت ثبوتًا قطعيًّا، فأرادوا أن يفسروها على آيات من القرآن، وجاءوا بآيات من القرآن قالوا: إنها تفسر هذا المعنى التجريبي أو العلمي الذي توصل إليه، وبعد ذلك يثبت خطأ هذه النظرية، فيرمي هؤلاء الملاحدة على القرآن الكريم بأنه تحدث عن حقيقة تغيرت أو عن مسألة علمية تغير وضعها.
لا والله، الخطأ لم يكن قطعًا في كتاب الله عز وجل، حاشا لله، وإنما الخطأ من هذا الذي تسرع وحمل الآية على هذا المعنى، لذلك كان لا بد لنا في حديثنا عن الإعجاز العلمي أن نضع ضوابط البحث في الإعجاز العلمي، فهذه قضية شائكة تقابلها رافض وتقابلها متحمس، فالبعض يتحمس لها والبعض يرفضها، وكما قال شيخ الإسلام:"كلا طرفي قصد الأمور ذميم".
من هنا نتحدث عن الضوابط:
أول هذه الضوابط: أن توقن بأن علم الله هو العلم الشامل المحيط الذي لا يعتريه خطأ ولا يشوبه نقص، وأن علم الإنسان محدود يقبل الازدياد ومعرّض للخطأ، ومن ثم فإنه لا يوجد تعارض بين نصوص الوحي القاطعة التي تصف الكون وأسراره على كثرتها، وبين الحقائق العلمية المكتشفة على وفرتها، هذا ما أسهب فيه شيخ الإسلام في كتابه (درء تعارض العقل والنقل).
الضابط الثاني: هو أنك تقر أن الحقيقة العلمية التي يعرف رجال العلم معناها وحدودها لا تبطل مع الزمن، ولكنها قد تزداد مع جهود العلماء المتتابعة تفصيلًا أو وضوحًا وجلاءً؛ أي تظهر باجتهاد العلماء وببحثهم فيها، ويكفينا أن القرآن يكون قد أشار إلى هذه الحقيقة العلمية في ذاتها.
الضابط الثالث: أن الذي يتعرض للحديث عن الإعجاز العلمي لا بد أن يتقيّد بما تدل عليه اللغة العربية، فلا بد أن يُراعي معاني المفردات، وفقه استعمالها وأن يراعي القواعد النحوية ودلالاتها، وأن يراعي القواعد البلاغية والبيانية ودلالاتها، لا بد لمن يتعرض للحديث عن الإعجاز العلمي أن يكون ملمًّا بلغة العرب، وأن يكون عارفًا بطريقة العرب في أساليبهم وكلامهم.
الضابط الرابع: هو أن يبتعد عن التأويل، التأويل الذي يحمل التعسف والذي يحمل -كما يُقال- لوي النص، يُقال أنه يرغم النص على معنى يريده أو على حقيقة ثبتت عنده، أو يريد أن يحمل كلام الله عليها عنوة كما يُقال.
الضابط الخامس: ألا تُجعل حقائق القرآن موضع نظر، يعني أن لا يجعل الباحث في الإعجاز العلمي أنه يريد أن يبحث في الحقيقة القرآنية، وينظر من خلالها: هل هي أثبتت ذلك أم لم تثبته.
أما الضابط السادس: أنه يجب على المجتهدين من العلماء أن يكونوا ملمين من علوم القرآن بالقدر الكافي، وأن يكون لديهم استعداد شخصي يعززه رجوعهم إلى أمهات كتب التفسير، فهذا أقل مقتضيات التحري وعدم التورط في الكلام في كتاب الله بغير علم؛ أن يكون عارفًا بأحكام القرآن وبكلام القرآن وبطرق التفسير كما أوجز ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في عبارتين: أنه يكون عارفًا بكلام أهل التفسير، وأنه يكون عارفًا بلغة العرب.
أما الضابط السابع: فإنه يجب على المجتهدين من الباحثين أن يكونوا على معرفة تامة بالظاهرة العلمية قيد البحث، وتاريخ المصطلحات الفنية المتعلقة بها.
هذه ضوابط وضعها العلماء للكلام في الإعجاز العلمي.
النقطة الرابعة التي نتناولها: هي أوجه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم:
هذه نقطة واسعة، الناظر في القرآن يجد آيات كثيرة بها إعجاز علمي، بالمعنى الذي ذكرناه في بداية التعريف، حقيقة علمية أثبتها العلم التجريبي، ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام أن يتعرفوا عليها في زمانهم، هذا المعنى بهذا المصطلح نجده في آيات كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى.
أوجه الإعجاز العلمي في القرآن شملت أشياء كثيرة، في السماء في الأرض في الجبال في البحار وفي النبات وفي عالم الحيوان وفي عالم الحشرات، وفي عالم الطيور وفي الآفاق وفي الأنفس، بل في القضايا العلمية المعاصرة؛ قضايا الاستنساخ والتلوث البيئي واحتمالات الحياة على كواكب أخرى، كل ذلك تعرّض له القرآن الكريم، وهناك آيات أسهمت في هذا المجال ووضحته، وكان ذلك آيةَ إعجاز في كتاب الله سبحانه وتعالى في هذه المسألة.
مثال: لو ذكرنا في آيات السماء، نجد قوله تعالى:{وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} (الحج: 65)
أليس ذلك هو ما يسميه العلماء باتزان الأجرام السماوية، وأن الأرض موضوع شقها تجد قول الله سبحانه وتعالى:{وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْع} (الطارق: 12) وأن الجبال عمقها داخل الأرض وهي عوامل الثبات لهذا الكون ولهذه الأرض التي نسير عليها تجد قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادً} (النبأ 6، 7).
وفي البحار: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} (النور: 40).
وفي عالم الحيوان: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} (الأنعام: 38).
وفي عالم الحشرات يكفيك ما جاء في شأن النحل وحياتها: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل 68، 69).
والطيور: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ} (النحل: 79).
والآيات في الكون وتكوير الأرض، هذه المسألة التي تعرض لها شيخ الإسلام رحمه الله ابن تيمية، والتي أثبت العلماء أن شيخ الإسلام كان من السابقين في بيان الكلام عن الإعجاز العلمي، وهذا الكلام الجميل الذي ذكره الشيخ رحمه الله في موضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وفي إجابته على من كانوا يجادلون في أمر الدين: أن القرآن به آيات كونية، وأسهب في الحديث عن مسألة تكوير الأرض، وأن الأرض كروية، ودليل ذلك في كتاب الله سبحانه وتعالى، وذكر الآيات:{وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (يس: 37 - 40).
هذا المعنى الجميل الذي تراه في قوله تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ} ومعروف ما تحمله كلمة فلك من معنى استدارة، والتي يُعرف هذا المعنى منها، أن الأرض كروية كما نص على ذلك العلم الحديث بدلالة القرآن الكريم.
ومن اللطائف قول من تنبه إلى أن قوله تعالى "كل في فلك" يُقرأ من يمينه كما يُقرأ من يساره فإذا رأيت هذا الحركة في تكوين الكلمات تجدها تدور حول بعضها بالحركة الكروية، ولكن هذه اللطائف كما يُقال تُشم ولا تؤكل، فهي لطائف بعض المستبصرين، ولكنها لا يؤخذ منها علم في التأويل ولا التفسير.
هذا ما يتعلق بالإعجاز العلمي، وبقي أن أشير إلى أن الجهود في هذا المجال كثيرة في عصرنا هذا وهناك كثير من المصنفات والمؤلفات التي تحدثت عن الإعجاز العلمي، وكلّ في تخصصه، عندنا (من دلائل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة النبوية) للدكتور موسى الخطيب، (دورة حياة الإنسان بين العلم والقرآن)