الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني عشر
(مفردات القرآن ووجه الإعجاز فيها)
غريب القرآن أو غرائب القرآن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ وبعد:
نتحدث عن مفردات القرآن ووجه الإعجاز فيها.
ما يسمى بغريب القرآن أو غرائب القرآن:
الغرابة في اللغة: هو قول الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال، هذا التعريف الذي ذكره التفتازاني في تعريف الغريب.
أما موضوعنا أو كلامنا عن الغريب في القرآن الكريم يتصل بهذا التعريف السابق من جهة، ويخالفه من جهة أخرى؛ لماذا؟ لأننا لو ذكرنا أن كلمة وحشي التي هي أصلًا مأخوذة من الوحش الذي يسكن القفار، فاستعير اللفظ لكل ما هو غير مأنوس، فهذا حاشا لله أن يكون متواجدًا في كتاب الله سبحانه وتعالى. فإن الوحشية المذكورة في هذا التعريف يقسم إلى قسمين؛ غريب حسن وغريب قبيح.
فالحسن: هو الذي لا يُعاب استعمالُه على العرب، وهذا منه غريب القرآن والحديث. أما القبيح الذي يجمع مع غرابة الاستعمال ثقلًا على السمع وكراهةً على الذوق، وهذا ليس في كلام الله ولا كلام رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
فهذه الغرابة المقصودة في اصطلاحهم بغريب القرآن ليس المراد بغرابتها أنها منكرة أو نافرة أو شاذة، فإن القرآن منزه عن هذا جميعه، وإنما اللفظة الغريبة ها هنا هي
التي تكون حسنة مستغربة في التأويل، بحيث لا يتساوَى في العلم بها أهلها وسائرُ الناس، أي: العرب الخلص هم الذين يعرفون هذه اللفظة، ويعرفون المراد منها، أما سائر الناس ممن هم دونهم في الفصاحة أو في العروبة ومعرفة كلام العرب، لا تتساوَى عندهم هذه اللفظة، وهذا الذي عدوه من الغريب اجتهد العلماء في جمعه وفي حصره مما أُطلق عليه غريب القرآن. وهذا أمر يرجع فيه إلى الكتب المختصة بعلوم القرآن كما في (الإتقان) للسيوطي، و (البرهان) للزركشي، وغير ذلك من الكتب التي تهتم بهذا المجال.
فمنشأ الغرابة فيما عدوه من الغريب ناتج عن اختلاف اللغات، بأن تكون هناك لغات متفرقة أو يكون الاستعمال على وجه من وجه الوضع اللغوي يُخرجه مخرج الغريب، كاستخدام الظلم والكفر والإيمان ونحوها مما نُقل عن مدلوله من لغة العرب إلى المعاني الإسلامية المحدثة، أو يكون سياق الألفاظ قد دل بالقرينة على معنى غير الذي يُفهم من ذات الألفاظ، كقوله تعالى:{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (القيامة: 18){فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} هنا بمعنى بيناه، {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} فاعمل به، فهذا مما ذكره الرافعي في بيان منشأ الغرابة فيما عدَّى أو عرف بأنه من غريب القرآن.
اجتهد العلماء في بيان أسباب هذه الغرابة أو ما أطلق عليه الغريب، وحَصَرها الأستاذ الدكتور إبراهيم عبد الرحمن خليفة في بعض الأسباب؛ منها: تعنت مشركي قريش وتجاهلهم في فهم الواضحات؛ تلبيسًا على القرآن. يعني: أنهم يعلمون معنى الكلمة ولكنهم يسألون النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- مع هذا العلم لغرض التعنت والتجاهل، كقولهم: ما الرحمن؟ هم يعلمون لفظة الرحمن ومرادها: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا
وَزَادَهُمْ نُفُورًا} (الفرقان: 60) هم يعلمون أن الرحمن مشتق من الرحمة، ويعلمون هذه الكلمة، ولكنهم سألوها تعنتًا للنبي صلى الله عليه وسلم كما سأل فرعون موسى عليه السلام:{وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء: 23) مع أنه هو القائل: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (النازعات: 24) فهو يعرف كلمة الرب لكنه يتعنت في محاورته موسى عليه السلام.
الغرض الثاني -أو السبب الثاني- هو استهداف المشركين إظهار القرآن في مظهر المتهافت والعابس اللاهي، فيتطلقون ألفاظًا على سبيل التهكم والسخرية من الألفاظ القرآنية، وقصتهم مع الزقوم مشهورة، فإنهم يعلمون أن الزقوم هو التمر بالزبد، فيتهكمون على ذلك بالقرآن الكريم، أن النبي صلى الله عليه وسلم يتوعدهم بالزقوم، فجاء أبو جهل -كما روي- وجمع صناديد قريش، وأمر الجارية فقال لها: زقمينا زقمينا!! فظلت تدور عليهم بالزبد والتمر، ويقول: هذا ما توعدكم به محمد! وسخريةً من خبر النبي صلى الله عليه وسلم فبين الله أن الزقوم الذي ذُكِر في كتاب الله ليس هو الذي تسخرون به، أو تفهمونه من كلامكم هذا، وإنما هي:{شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} (الصافات: 64، 65).
حتى إنهم من مدى استهدافهم معاداة النبي صلى الله عليه وسلم والمجادلة بالباطل، طرحوا سؤالهم الساذج أن النار تأكل الشجر، فكيف تنبت الشجرة في النار؟ فبين المولى سبحانه وتعالى أن ذلك الوعيد هو الذي سيعلمونه، وهو الذي سيرونه.
كذلك أيضًا ما ذكر من سخريتهم في عدد الملائكة عليها تسعة عشر، ومن قول قائلهم: أنا أكفيكم عشرة منهم، وعلى الباقين أن يكفوا تسعة
…
إلى غير ذلك مما ذكر في السيرة.
يرجع أيضًا الغرابة إلى الفهم الخاطئ لألفاظ القرآن الكريم، وذلك قد يكون عن حسن قصد، وذلك كما حدث مع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كذلك الذي أنه ظن من قوله تعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (البقرة: 187) فأتى بِعُقالين ووضعهما تحت وسادته، والآخر في رواية: من ربط رجليه بخيطين أبيض وأسود، وظل ينظر حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ذلك الثابت في الصحيح من الأحاديث، وعلق عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:((إن وسادك إذًا لعريض)) لأن أين هذا الوساد الذي يشمل المشرق والمغرب حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر؟
كذلك ما فهمته عائشة رضي الله عنها من قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} (الانشقاق: 8) فهمت أن هناك حسابًا واقعًا ولكنه حساب يسير، ففهمه النبي صلى الله عليه وسلم أن الحساب هو العَرْض، وأنه لا يناقَش أحد الحساب إلا عُذِّب أو إلا هلك كما ذكر في الصحيح.
يرجع ذلك أيضًا إلى قضية العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والمبهم والمبين، كل ذلك مذكور ومعروف في كلام الله سبحانه وتعالى هذا الذي عده البعض من الأشياء الغريبة في الاستعمال، والتي أحدثت لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم نوعًا من اللبس، أو عانَدَ بها مَن لم يؤمن برسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-.
الخلاصة: أننا نقصد بالغريب ما قل دورانه على الألسنة، فلم يستعمله الخطباء ولا الشعراء استعمال غيره من الألفاظ، ولم يكن ما نسميه -الآن- غريبًا بغريب عند هؤلاء الذين تحداهم القرآن، فلم يكن استخدامه حينئذٍ معيبًا ولا مستكرهًا.
نماذج من هذه الألفاظ التي شغلت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتي اهتم العلماء بجمعها، وعدوها من الألفاظ الغريبة في الاستعمال على الصحابة:
منها: القصة المشهورة حول كلمتي "قَضبًا وأَبًّا" في قوله تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} (عبس: 25 - 31) فالقضب هو القث، والأَب ما ترعاه الأنعام، ويقال: الأَب للبهائم كالفاكهة للناس، وقد جاءت الكلمتان فاصلتين محافظتين أقوى محافظة على النغم الموسيقي، كما أن الكلمة الثانية استُخدمت في معناها الدقيق.
وكذلك في قول الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} (مريم: 89) فكلمة: {إِدًّا} بمعنى الأمر العظيم، جاءت في سياقها لازمة لما انتهت إليها فواصل سورة مريم، وأدت المعنى المراد منها أتم بيان.
كذلك في قول الله سبحانه وتعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} (البقرة: 273) فجاءت كلمة: {إِلْحَافًا} مكان كلمة "إلحاحًا" لما بين من تكرار الحاءان في الكلمة من أثرٍ في الإعراب عنها، وليس ذلك بعزيز على الاستخدام القرآني الذي نزل؛ ليتحدَّى أبلغ البلغاء.
هناك بعض الألفاظ التي جاءت في القرآن وضَّحها المولى سبحانه وتعالى وذكر بيانها؛ لأنهم تساءلوا عن معناها، وهناك ألفاظ أخرى بين معناها من خلال السياق، كقوله تعالى:{كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} (النساء: 91) وكقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} (الأنعام: 25) وكقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ