المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 مقدمة في وجوه الإعجاز

- ‌ماذا نعني بإعجاز القرآن

- ‌الفرق بين معجزة القرآن وسائر المعجزات

- ‌أوجه إعجاز القرآن

- ‌كيفية تحدي نبينا صلى الله عليه وسلم للعرب

- ‌الدرس: 2 تابع: مقدمة في وجوه الإعجاز - الصرفة، والإخبار بالغيبيات

- ‌لماذا نهتم بالإعجاز اللغوي في القرآن

- ‌ثمرة دراسة إعجاز القرآن

- ‌مسألة الصرفة

- ‌الإخبار عن الغيبيات

- ‌الدرس: 3 أوجه إعجاز القرآن الكريم: حفظ التشريع ودوامه

- ‌نظم القرآن

- ‌قدسية القرآن

- ‌الإعجاز اللغوي

- ‌الدرس: 4 الإعجاز العلمي، والعددي، والتصوير في القرآن الكريم

- ‌الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

- ‌الإعجاز العددي في القرآن الكريم

- ‌مسألة التصوير

- ‌الدرس: 5 الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن

- ‌مقدمة عن الحروف والأصوات كمظهر من مظاهر إعجاز القرآن

- ‌مظهر الإعجاز في الحروف وأصواتها

- ‌الدرس: 6 تابع: الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن

- ‌حركات الحروف وأثرها على السمع في القرآن الكريم

- ‌مظاهر النسق الصوتي في القرآن الكريم، والأمثلة التي تذكر له

- ‌الدرس: 7 حروف المعاني (1)

- ‌حروف العطف (الواو والفاء)

- ‌حروف العطف (ثم، أو، أم، بل، لكن، لا)

- ‌الدرس: 8 حروف المعاني (2)

- ‌حروف النداء

- ‌حروف النفي

- ‌حرفا الشرط: "إنْ" و"لو

- ‌حرفا الاستفهام "الهمزة" و"هل

- ‌الدرس: 9 حروف المعاني (3)

- ‌حروف التوكيد، وحروف الجر والقسم

- ‌كيف كان استخدام حروف المعاني وجهًا من وجوه الإعجاز اللغوي

- ‌الدرس: 10 القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز

- ‌القِراءة وطرق الأداء

- ‌وجوه القراءة

- ‌الكلام عن قراءة التلحين

- ‌لغة القرآن

- ‌مسألة الأحرف السبعة

- ‌الدرس: 11 تابع: القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز

- ‌الإعجاز في تنوع أوجه القراءات فيما يتعلق ببعض مسائل الاعتقاد

- ‌تنوع القراءات القرآنية من حيث الإعجاز التشريعي

- ‌الإعجاز البياني واللغوي في تنوع القراءات

- ‌القراءات وأثرها في: التوجيه البلاغي، وتنوع الأساليب

- ‌الدرس: 12 مفردات القرآن ووجه الإعجاز فيها

- ‌غريب القرآن أو غرائب القرآن

- ‌ظاهرة الألفاظ المعرضة

- ‌ظاهرة الوجوه والنظائر في القرآن الكريم

- ‌قضية الترادف

- ‌حروف المعجم أو ما يتعلق بالحروف المقطعة

- ‌الدرس: 13 قضية النظم

- ‌التطور الدلالي لمصطلح "النظم" وكيف تطور هذا اللفظ

- ‌معنى النظم عند عبد القاهر الجرجاني رحمه الله

- ‌مادة النظم هي العلاقة بين اللفظ والمعنى

- ‌مزايا النظم وفساده

- ‌الدرس: 14 قضية الذكر والحذف

- ‌المسند إليه، ودواعي وأغراض ذكره

- ‌المسند، ودواعي وأغراض ذكره

- ‌مسألة الحذف، ومزاياه، وأنواعه

- ‌الدرس: 15 تابع: قضية الذكر والحذف

- ‌استكمال أغراض حذف المسند إليه

- ‌أغراض حذف المسند

- ‌ما يتعلق بحذف المتعلقات، وحذف المفعول به

- ‌الدرس: 16 التوكيد في النظم القرآني

- ‌تعريف التوكيد، وأغراضه

- ‌صور وأساليب التوكيد

- ‌الدرس: 17 تابع: التوكيد في النظم القرآني - التكرار في القرآن الكريم

- ‌بعض أدوات وأساليب التوكيد المستخدمة في النظم القرآني

- ‌مسألة التكرير

- ‌الدرس: 18 تابع: التكرار في القرآن الكريم

- ‌نماذج تطبيقية على التكرار في القرآن الكريم

- ‌هل هناك زيادة في القرآن

- ‌الدرس: 19 موقف علماء الصرف والنحو من قضية الزيادة

- ‌الزيادة لدى علماء الصرف

- ‌الزيادة عند علماء النحو

- ‌الدرس: 20 الفصل والوصل

- ‌معنى الفصل والوصل عند النحاة والبلاغيين

- ‌مواضع الفصل والوصل

- ‌الدرس: 21 الفصل والوصل في القرآن

- ‌تعليق الدكتور محمد أبي موسى على مسألة الفصل والوصل في القرآن

- ‌الفروق في الاستخدامات، وما بها من إعجاز بياني في نظم القرآن

- ‌الغاية من دراسة الفروق في الحال

- ‌الدرس: 22 لمحات الجرجاني في (دلائل الإعجاز)، وإحصاء الشيخ عضيمة

- ‌موازنة بين ما انتهى إليه الجرجاني وعضيمة في استخدام الحال

- ‌الفروق في استخدام الأفعال بأزمنتها المختلفة

- ‌استخدام الجملة الاسمية والفعلية

الفصل: ‌صور وأساليب التوكيد

من الأغراض التي أكدها القرآن الكريم أيضًا على مدار السور والآيات: هو تقرير أن الكتاب الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو منزل من عند الله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} (النساء: 105)، {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} (الرعد: 31)، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9)، إلى غيرها من الآيات. وكذلك تأكيد أنَّ كتاب الله كتاب هداية ينير البصائر، ويجعلها تهتدي إلى أقوم طريق، يقول المولى سبحانه وتعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (الإسراء: 9).

هذا مقدار مما أكد القرآن الكريم معانيه في كتابه على مدار السور والآيات، بالإضافة إلى الرد على منكري البعث، والأمور التي كثر فيها الجدل، فإن القرآن استخدم التأكيد؛ لبيان معان هي من أسس الشريعة التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- رحمةً للعالمين.

‌صور وأساليب التوكيد

والآن ننتقل إلى الحديث عن صور وأساليب التوكيد:

التوكيد له صور عديدة، وابتداءً نوضح أن هناك فرقًا بين حديثنا عن التوكيد، وبين حديث النحاة عن التوكيد. فالنحاة يقسمون التوكيد إلى نوعين؛ توكيد لفظي: وهو ما كان بإعادة اللفظ المراد توكيده، ويعرب توكيدًا، ويتبعه في الإعراب: رفعًا ونصبًا وجرًّا، وتوكيد معنوي: وهو ما كان بألفاظ معينة تُستخدم لغرض التوكيد: ككل وجميع وكلا وكلتا ونفس وعين. هذا التقسيم النحوي.

أما صور التوكيد عند البلاغيين تقسَّم إلى أساليبَ وصورٍ عديدة؛ منها: ما يسمونه أيضًا بالتوكيد اللفظي، ولكن ليس بمعنى الإعراب كما يذهب إليه النحاة، وإنما هو بإعادة اللفظ المراد توكيدُه، سواء كان مفردًا اسمًا أو فعلًا أو

ص: 332

حرفًا، وسواء كان جملة أو فُصِلَ بينهما وجاءت بعدها الجملة على سبيل تأكيد المعنى بلفظٍ واحدٍ.

فمثال توكيد الاسم: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا} (الفجر: 21)، ومثال تأكيد الفعل:{فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} (الطارق: 17)، ومثال توكيد اسم الفعل:{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} (المؤمنون: 36)، ومثال توكيد الجملة:{أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} (المؤمنون: 35)، {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (الشرح: 5، 6) وكثيرًا مع ما تقترن الجملة الثانية بـ"ثم" كما في قوله تعالى:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} (الانفطار: 17، 18) هذا يطلق عليه البلاغيون توكيدًا لفظيًّا، أو يدرجوه تحت التوكيد اللفظي، وإن كان من النحاة مَن ينكر على مثل قوله تعالى:{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} (الفجر: 21، 22)، أن هذا ليس من قبيل التوكيد؛ لأن المعنى فيه: دكًّا بعد دكٍّ، وصفًّا بعد صفٍّ. هذا خلاف يتحدث فيه النحاة وفي توجيههم وفي إعرابهم، وخلافهم أيضًا بين ما يفرقون به بين التوكيد اللفظي وبين التكرار عند النحاة، كما أشار إلى ذلك ابن هشام في مسألة الأذان:"الله أكبر الله أكبر، حي على الصلاة حي على الفلاح".

من مظاهر التوكيد اللفظي الذي يهتم به البلاغيون: تأكيد الضمير المنفصل بمثله، كقوله تعالى:{الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (النمل: 3)، "هم هم". وتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل كقوله سبحانه:{قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} (الأعراف: 115)، وفي تأكيدهم ما يشعر بثقتهم بأنفسهم:{إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} وقوله تعالى: {قُلْنَا لَا تَخَفْ

ص: 333

إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} (طه: 68) وفي ذلك تثبيت قلب موسى عليه السلام وبعث الطمأنينة إليه: {أَنْتَ الْأَعْلَى} .

ومنه أيضًا تأكيد الفعل بمصدره، ويكون ذلك في الأمور التي يتوهم فيها المجاز، فيأتي الفعل لرفع هذا التوهم، تأمَّلْ قوله تعالى:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} (النساء: 164)، فقد يطلق الكلام على الإيحاء وينصرف الذهن إليه، فجاء المصدر؛ لإزالة هذا التوهم. وقوله سبحانه وتعالى:{إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} (الطور: 7 - 10) أَوَلا ترى أن اضطراب السماء وسير الجبال مما قد تتردد النفس في قبوله، فجِيء بالمصدر؛ تأكيدًا لوقوعه. ومن البديع أن يأتي توكيد المصدر بمصدر آخرَ غير المصدر المؤكِّد للفعل المذكور، فينوب عنه، كما في قوله تعالى:{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} (المزمل: 8) وفي ذلك دلالة على ما للتبتيل من أثر في استجلاب رضوان الله، فأمر به مؤكدًا. ولعل السر في العدول إلى هذا المصدر هو المحافظة على النغمة الموسيقية للآية.

التوكيد اللفظي يندرج تحته أيضًا: ما يسمى بالتكرار، فقد يكرر القرآن الجملة المؤكدة عدة مرات بألفاظها نفسها، عِلمًا منه بما لذلك من أثر في النفس، فتراه سبحانه وتعالى مثلًا في سورة الشعراء يكرر الجملتين الآتيتين خمس مرات من غير أن يغير من ألفاظهما حرفًا، فقال سبحانه على لسان بعض رسله:{إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (الشعراء: 107، 108)، وهي وإن كانت مقولة على ألسنة عدة رسل توحي لتكرارها بعبارة واحدة بصدق هؤلاء الرسل، وتثبيت التصديق بهم.

ص: 334

الضرب الثاني: هو التوكيد المعنوي؛ قلنا بألفاظ معينة كما في قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} (ص: 73) وفائدة هذا اللون من التوكيد رفع ما يُتوهم من عدم الشمول، فإن كلمة:{كُلُّهُمْ} أفادت ذلك أن الملائكة جميعًا قد سجدوا، وكلمة:{أَجْمَعُونَ} أفادت اجتماعهم على السجود وأنهم لم يسجدوا متفرقين. فهذا مما استخدم في القرآن وأطلق عليه توكيد، وهو يتفق مع النحاة في توجيهه.

أهم صورة من صور التوكيد، أو مقصد البلاغيين الأساسي في مسألة التوكيد: وهو التوكيد باستخدام أداة من أدوات التوكيد، أو وسيلة من وسائله؛ لأن هذه النقطة هي المحور الأساسي الذي يدور حوله درسنا، والذي يهمنا في هذا الباب عندما نتأمل النظم القرآني في استخدام أساليب بأدوات معينة، هذه الأدوات تؤدي معنى التأكيد الذي يريده المولى سبحانه وتعالى. فمن ذلك: إنَّ وأنَّ، وإنما، ولام الابتداء، والقسم، وألا الاستفتاحية، وهاء التنبيه، وكأنَّ لتأكيد التشبيه، وضمير الشأن، وضمير الفصل، وقد، والسين، وسوف، ونونا التوكيد الثقيلة والخفيفة، ودخول الأحرف الزائدة. كل ذلك من الأدوات ومن الأساليب التي تؤدي إلى معنى التأكيد، وبَانَ فيها الإعجاز القرآني.

من أهم الصور التي اهتم البلاغيون ببيانها هو التأكيد بإنَّ وأنَّ، وهما يؤكدان الجملة الاسمية، والفرق بينهما بإيجاز بسيط: أن إنَّ تكون في بداية الكلام، أو فيما يصلح الابتداء به، وأنَّ تكون وسط الكلام حيث يصح إحلال مصدر محلها، أو إحلال مفرد محلها. فإنَّ وأنَّ اهتم عبد القاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) ببيان دورها في التأكيد، فتدخل إنَّ في الكلام، ففضلًا عن تأكيدها لمعنى الجملة تربط ما بعدها

ص: 335

بما قبلها. يقول عبد القاهر: "هل شيء أبينُ في الفائدة وأدلُّ على أن ليس سواء دخولها وألا تدخل، مِن أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها، وتأتلف معه، وتتحدُ به، حتى كأن الكلامَيْن قد أفرغَا إفراغًا واحدًا، وكأنَّ أحدَهم قد سُبك في الآخر. هذه هي الصورة حتى إذا جئتَ إلى إنَّ فأسقطتها، رأيت الثاني مبهمًا قد نَبَا عن الأول، وتجافَى معناه عن معناه، ورأيتَه لا يتصل به ولا يكون منه بسبيل، حتى تجيء بالفاء، ثم لا ترى الفاء تعيد الجملتين إلى ما كانتَا عليه من الأُلفة. وترد عليك الذي كنتَ تجد بإنَّ من المعنى".

يوضح عبد القاهر الفرقَ بين استخدام إنَّ بدلًا من فإنَّ، مع أن سياق الكلام يستدعي جلب الفاء، فهي تربط إنَّ محل الفاء في الكلام، وتؤدي معنًى أزيدَ من التوكيد، وهو الربط بين الجملتين. وأمثلة ذلك كثيرة في القرآن الكريم كقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} (الحج: 1)، فهذه الزلزلة سبب في الأمر بالتقوى، فسياق:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} فزلزلة الساعة شيء عظيم، فعدل عن استخدام الفاء إلى إنَّ، وأفادت معنى التوكيد والربط بين الجملتين. وعلى ذلك قوله تعالى:{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان: 17){خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} (التوبة: 103) ومن أبين ذلك قوله تعالى: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} (هود: 37) وقد يتكرر في الآية الواحدة كقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} (يوسف: 53)، {إِنَّ رَبِّي} وهي على الجملة من الكثرة بحيث لا يدركها الإحصاء. فأمثلتها عديدة في كتاب الله سبحانه وتعالى.

ص: 336

وإنما تقع إنَّ في موضع الفاء إذا كانت جملتها توضح ما قبلها، وتبين وجهَ الفائدة كما ذكر عبد القاهر من الآيات، فكما ذكرنا في قوله سبحانه وتعالى:{إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} تبين سبب أمرهم بالتقوى، وكذلك:{إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} إذ تبين السبب في طلب الصلاة لهم من النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن ذلك لا يطرد في كل موضع، بل هناك ما لا يحصَى من الجمل التي لا تقتضي الفاء. يعني: أن كون إنَّ تحل محل الفاء في الربط، هذا لا يطرد في جميع المواضع، فمثال عدم الاطراد أو عدم صحة إحلال الفاء قوله سبحانه وتعالى:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} (الدخان: 51، 52)، فقبله:{إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} (الدخان: 50) ولو أنك قلت: إن هذا ما كنتم به تمترون فالمتقون في جنات وعيون، لم يكن كلامًا.

وقوله سبحانه وتعالى: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} (الأنبياء: 100، 101)، فلو أتينا مكان إنَّ بالفاء، لم تجد لها وجهًا، كما أنه لا يجوز المجيء بالفاء مكان إنَّ في قوله سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (الحج: 17)، وقوله سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} (الكهف: 30)، لأن جملة إنَّ الثانية خبر عن الأولى في الآيتين والخبر لا يجوز عطفه على المبتدأ.

أشار الجرجاني أيضًا إلى بعض خصائص إنَّ في التوكيد يقول: "ومن خصائصها: أنك ترى لضمير الأمر أو الشأن معها من الحسن واللطف ما لا تراه إذا هي لم تدخل عليه، بل تراه لا يصلح حيث يصلح إلا بها".

ص: 337

هذه مسألة جميلة أشار إليها الجرجاني في استخدام ضمير الأمر، أو ما يسمى بضمير الشأن، وهو الذي تستطيع أن تحل محله كلمة الشأن أو الأمر، مثال:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الإخلاص: 1)، أي: قُل الشأنُ أو الأمرُ اللهُ أحد. يذكر الجرجاني المواضع التي تأتي إنَّ مؤكدةً لضمير الشأن، أن يكون اسمها هو ضمير الشأن، كقوله سبحانه وتعالى:{إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف: 90)، {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} (التوبة: 63)، {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ} (الأنعام: 54)، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} (المؤمنون: 117)، {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} (الحج: 46).

فإذا رأيت اسم إنَّ في هذه المواضع تجده هو ضمير الشأن أو الأمر، أي: إن الشأن لا تَعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، إن الشأن:{لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} ، إن الشأن من يعمل منكم سوءًا بجهالة ثم يتوب فإن الله يتوب عليه إلى غير ذلك من المواضع التي ذكرت في كتاب الله. فإن قلت: هنا يعترض الجرجاني ويبين معنًى لطيفًا، يقول:"فإن قلت: أَوَليس قد جاء ضمير الأمر مبتدأ به معرًّى من العوامل في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}؟ قيل: {هُوَ} وإن جاء هنا فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة مع الشرط والجزاء، بل تراه لا يجيء إلا بإنَّ، على أنهم قد أجازوا في: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أن لا يكون الضمير للأمر". هذه المسألة من الجرجاني رحمه الله ليؤكد المعنى بأن استخدام ضمير الشأن يحسن مع إنَّ، وهذا لا ينفي منه رحمه الله أن:{هُوَ} في هذه الآية ضمير الشأن، وإن كان البعض ذهب إلى أنها ليست ضمير الشأن.

ص: 338

وكذلك تستخدم إنَّ في التأكيد في مسائل الحوار والجدل، بأن يطلق سؤال ويراد إجابته، فتأتي الإجابة بالتأكيد بإنَّ؛ لإقراره في نفس السائل والمجادل، وتثبيته في قلبهما، فتقع الجملة جوابًا في المواضع التي تجيء فيها إنَّ، كقوله سبحانه وتعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} (الكهف: 83، 84)، وقوله سبحانه:{فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} (الشعراء: 216)، {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (غافر: 66)، فإن كان الكلام جوابَ منكرٍ حُشِد له أكثر من أداة واحدة للتوكيد.

وكذلك إنَّ تستخدم للدلالة على أن المتكلم كان يظن أمرًا فحدث خلافه، فيأتي بهذا التوكيد؛ ليرد على نفسه ظنَّه، وكأنه يريد لهذه النفس أن يستقر فيها هذا النبأ الجديد الذي لم تكن تتوقعه، بل تتوقع سواه، وكأنها تريد أن تخلي مكانًا من القلب قد شغل بخاطر لتحل فيه خاطرًا جديدًا. وتأمل قوله تعالى حكايةً عن أم مريم:{قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} (آل عمران: 36)، فأم مريم عليها السلام كان الأمل يملأ قلبها في أن تلد ذكرًا نذرته لله، ولطول ما شغلها هذا الأمل تجسم في خيالها، حتى صار كأنه حقيقة واقعة، فلما وضعت مريم، فوجئت، فأرادت أن تقر هذا الأمر الجديد في قلبها؛ حتى تروض نفسها عليه، وتستسلم لما كان. وانظر أيضًا قوله سبحانه في حكاية نوح عليه السلام:{قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} (الشعراء: 117)، فلم يكن نوح يتوقع أن يكذبه قومه وقد جاءهم من ربهم بالنور والهدى، فكان تكذيبهم صدمة له يريد أن يوطن عليها نفسه. وختامًا يذكر أن من خواص التوكيد بإنَّ أنه أقوى من التوكيد باللام.

ص: 339

من أدوات التوكيد أيضًا التي تلحق بإنَّ هي: إنما، وأنما. أي: بزيادة ما على إنَّ المؤكدة، والفرق ابتداءً بين الأسلوبين: أن دخول "ما" على إنَّ يزيل اختصاصها بالجملة الاسمية، بمعنى: أنه إذا صارت إنَّ إنما، أو صارت أنَّ أنما، لا يشترط أن تكون مؤكدةً للجملة الاسمية، فيجوز توكيدها للجملة الفعلية كقوله تعالى:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 28). يفرد الجرجاني أيضًا حديثًا عن إنما كأداة من أدوات التوكيد في النظم القرآني، فالأصل فيها أن تأتي في الأمور التي يُدَّعى أنها من الوضوح بمكان كقوله سبحانه وتعالى:{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ} (التوبة: 91 - 93) ألا ترى أنه من الوضوح بمكان مؤاخذة هؤلاء الأغنياء القادرين على المساهمة في الجهاد، ثم يستأذنون راضين بأن يكونوا مع الخوالف؟

واقرأ أيضًا قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (الأنفال: 2)، فواضح بَيِّنٌ أن المؤمنين ليسوا سوى هؤلاء الذين تخاف قلوبهم إذا ذَكروا الله ويزدادون إيمانًا إذا تليت عليهم آياته، ويتوكلون على ربهم؟ ولأنها تستخدم في الأمور الواضحة جاء قوله تعالى حكايةً عن اليهود:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} (البقرة: 11). فقد ادَّعوا أن إصلاحهم أمر واضح لا يحتاج إلى دليل، ولذا احتوى الرد عليهم فُنونًا من التوكيد، إذ قال سبحانه:{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} (البقرة: 12) فكان التوكيد بـ"أَلَا" وبـ"إنَّ" وبضمير الفصل. وكذلك حكى القرآن عنهم في موضع آخر فقال:

ص: 340

{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (البقرة: 14) فهم يدَّعون لشياطينهم أن استهزاءَهم بالمؤمنين من الأمور التي لا مجالَ للريب فيها، ولا تكون مبعثًا لسوء ظن شياطينهم فيهم.

قد تستخدم إنما في موضع هو مجال للشك أو الإنكار كما قال سبحانه وتعالى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} (الشعراء: 153) فهم يخاطبون الرسول الذي ينكر، ولا ريب هذا الحكم، ولكنهم أتوا بتلك الصيغة كأنهم يدّعون وضوح أنه مسحور، لا ينطق عن عقل واع مفكر. يقول الجرجاني: "ثم اعلم أنك إذا استقريتَ وجدتها أقوى ما تكون، وأعلق ما ترى بالقلب إذا كان لا يُراد بالكلام بعدها نفس معناه، ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه، نحو أنَّا نعلم أن ليس الغرض من قوله تعالى:{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9) أن يعلم السامعون ظاهر معناه، ولكن أن يذم الكفار، أن يقال: إنهم من فرط العناد ومن غلبة الهوى عليهم في حكم مَن ليس بذي عقل، وإنكم إذا طمعتم منهم في أن ينظروا ويتذكَّروا، كنتم كمن طمع في ذلك من غير أولي الألباب. كذلك قوله سبحانه:{إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} (النازعات: 45)، وقوله سبحانه:{إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} (فاطر: 18) المعنى على أن من لم تكن له هذه الخشية فهو كأنه ليس له أذن تسمع، وقلب يعقل، فالإنذار معه كَلَا إنذار.

ويغلب على إنما في القرآن أن تكون بمثابة الجواب عن سؤال يقتضيه السياق قبلها صريحًا أو ضمنًا، فيكثر في الصريح سَبْقها بمادة القول كما في قوله سبحانه وتعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الأعراف: 187) هذا مثال للسؤال الصريح.

ص: 341

ومن السؤال الضمني قوله سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ * إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} (التوبة: 58 - 60). ويقِل في القرآن استخدام أنما مفتوحةً وسيلةً، ومن مثال اقتصار الوحي على وحدانية الله سبحانه وتعالى باستخدام أنما مفتوحة قوله سبحانه وتعالى:{قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (الأنبياء: 108).

ثالثًا: من أساليب التوكيد في النظم القرآني استخدام النفي والاستثناء، وكما تعلمون أن إنما وأنما والنفي والاستثناء يُدرس في باب البلاغة في باب القصر، والقصر صورة من صور تأكيد الكلام، فلذا عد العلماء إنما والنفي والاستثناءَ من أساليب التوكيد بالأداة في كلام العرب. فالنفي والاستثناء هو أن يسبق الاستثناء بأداة نفي نحو: ما، أو لا، أو إن المخففه بالكسر، فمثال استخدام النفي والاستثناء لإثبات أن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يتصف بالوحدانية قوله سبحانه وتعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} (محمد: 19) وأحيانًا تُستخدم لإثبات الحكم لموصوفات يُعتقَد اتصافها بغير هذه الصفة، كما في قوله سبحانه وتعالى:{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (الأنعام: 145) فليس الطعام المحرم هو ما ذُكر في تلك الآية فحسب، بدليل أن المحرمات ذكرت أيضًا في سورة المائدة، وإنما ذكرت تلك المحرمات هنا في معرض الرد على مَن كان يعتقد حِلها.

ص: 342

وكذلك يستخدم ما وإلا لتأكيد ما يسمى بالقصر الإضافي، كقوله سبحانه وتعالى:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} (آل عمران: 144) صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فليس المراد هنا قصر محمد -صلوات الله وسلامه عليه- على الرسالة فحسب، بحيث لا يتعدَّاها إلى غيرها، بل المراد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى الخلوص من الموت الذي استعظموا أن يلم به، لذا قال سبحانه وتعالى:{أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} (آل عمران: 144). وقد تتجسم الصفة من صفات الشيء حتى تطغَى على مَن سواها، فيستخدم القرآن أسلوب النفي والاستثناء لإثبات ذلك، كما في قوله سبحانه وتعالى:{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} (الأنعام: 32) فكأنَّ الموصوف قد خَلُصَ لها، فلم يعد متصفًا بغيرها، فيصح قصره عليها، أي: أنها تتصف باللعب واللهو، مع أنه من المعلوم أن الحياة فيها من الأحزان والأشجان والآلام ما لا ينفك عنه عبد من العباد والجميع يتعرض له، فإنما ذكر المولى سبحانه وتعالى:{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} هذا على سبيل بيان أنها في حقيقتها لا تعدو عن هذين اللونين اللذين يطغيان على غيرهما مما يلم بالعباد أو ينزل بهم.

ويستخدم القرآن ما وإلا لإثبات أن الحاكم واحد سبحانه وتعالى ونفي أن يكون هناك حاكم غيره سبحانه وتعالى قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} (المائدة: 73). وعمومًا، فاستخدام ما وإلا للتوكيد من أقوى الأدوات التي تؤدي لمعنى قصر شيء على شيء صفة على موصوف أو موصوف على صفة، كما تقسم في البلاغة، ولذا هي من أقوى الأدوات التي تستخدم في ذلك، فيكون استخدامها كثيرًا في الأمور التي هي مجال للشك والإنكار. انظر إلى قوله تعالى:{نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} (الإسراء: 47) ألا ترى أن الظالمين يخاطبون بذلك قومًا آمنوا وينكرون دعوى سحر الرسول؟

ص: 343

وقوله سبحانه: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} (الإسراء: 60) فالتخويف يبعث في النفس الشك في أنهم ينصرفون عن كفرهم، فكان ثمة مدعاة لتأكيد زيادة طغيانهم. وقوله تعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} (الإسراء: 82) فهذا القرآن الذي هو شفاء ورحمة مجالٌ لشك النفس في أنه خَسار للظالمين، فكان المجال مجالَ تأكيد ذلك بما وإلا.

فإذا جاء أمر من الأمور المسلم بها بالنفي والإثبات، فذلك لتقدير أمر صار به في حكم المشكوك فيه. كقوله سبحانه:{وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} (فاطر: 22، 23) فالمجيء هنا بالنفي والإثبات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد خُوطِبَ خطابَ مَن يظن أنه يستطيع أن يحول قلوبَ المشركين عما هي عليه من الإباء والعناد، ولا يعلم علم اليقين أن ليس في وسعه شيء أكثر من التحذير والإنذار، فجرى الأسلوب كما يجري في خطاب الشاك، فقيل:{إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} . وكقوله سبحانه وتعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف: 188) فهو يخاطب قومًا يرَوْن في الرسول مخلوقًا قد يملك لنفسه الضر والنفع، ويعلم الغيب، فكان من المناسب وتلك حالهم أن يأتي من أدوات القصر بالنفي والاستثناء يزيل بها بذور الشك من نفوس سامعيه.

وقد يجيء النفي والاستثناء لبيان تأكيد الأمر في نفس قائله كما في قوله سبحانه: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء: 52) فهذا تعبير صادق لشعور المبعوثين يوم القيامة بأنه ما انقضَى عليهم منذ وفاتهم سوى أمد يسير. وكذلك قد يجيء للإجابة عن سؤال محقق أو مقدر لتأكيد هذا

ص: 344

الجواب كما في قوله سبحانه: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} (المائدة: 116، 117).

رابعًا: من أساليب التوكيد استخدام لام التوكيد أو ما تسمى بلام الابتداء، فإذا ما دخلت إنَّ وانصرفت من اسمها إلى خبرها سميت باللام المزحلقة، وهذه اللام الذي يؤتَى بها للتوكيد، وذلك كقوله سبحانه:{لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ} (الحشر: 13) وقوله سبحانه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4) وقوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى} (الليل: 12، 13).

من ذلك: أنه إذا عبِّر عن أمر يعز وجوده أو فعل يكثر وقوعه، جِيء باللام تحقيقًا لذلك، فانظر إلى قوله تعالى:{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} (المنافقون: 1) فانظر إلى هذه اللامات الثلاثة الواردة في خبر إنَّ، والأولى وردت في قول المنافقين، وإنما وردت مؤكدةً؛ لأنهم أظهروا من أنفسهم التصديق برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وتملقوا له، وبالغوا في التملق وفي باطنهم خلافُه، وأما ما ورد في الثانية والثالثة فصحيح لا ريبَ فيه، واللام في الثانية لتصديق رسالته، وفي الثالثة لتكذيب المنافقين فيما كانوا يظهرونه من التصديق الذين هم على خلافه. وانظر أيضًا لقوله سبحانه وتعالى:{قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (يوسف: 11، 12) فإنه إنما

ص: 345

جيء باللام ها هنا؛ لزيادة التوكيد في إظهار المحبة ليوسف عليه السلام والإشفاق عليه؛ ليبلغوا الغرض من أبيهم في السماحة لإرساله معهم.

وانظر أيضًا من لطيف استخدامها في سورة الواقعة: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} (الواقعة: 64 - 65) ثم قال سبحانه وتعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} (الواقعة: 68 - 70) فأكَّد في الأولى: {لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا} وترك التوكيد في الثانية: {جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} وإنما جاءت كذلك؛ لأن جعل الماء العذب مالحًا أسهل إمكانًا في العرف والعادة، والموجود من الملح أكثرُ من الماء العذب، وكثيرًا ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة، فلم يحتج في جعل الماء العذب ملحًا إلى زيادةِ تأكيدٍ، فلذلك لم تدخل عليه لام التأكيد المفيدة زيادة التحقيق. أما المطعوم فإن جَعْلَه حطامًا من الأشياء الخارجة عن المعتادٍ، وإذا وقع فلا يكون إلا عن سخط من الله شديد، فلذلك قُرن بلام التأكيد؛ زيادةً في تحقيق أمره، وتقريرِ إيجاده. وانظر إلى قوله سبحانه:{وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} (الحجر: 23) فاللام في {لَنَحْنُ} تؤكد هذا المعنى الذي يعلم من أن الله سبحانه وتعالى له الإحياءُ والإماتةُ.

ص: 346

وانظر في قوله سبحانه وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} (النور: 55) فهذه اللام في: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} ، {لَيُمَكِّنَنَّ} ، {لَيُبَدِّلَنَّهُمْ} ، جاءت لتحقيق الأمر وإثباتِه في نفوس المؤمنين، وأنه كائنٌ لا محالةَ. وكذلك انظر في قوله سبحانه:{إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا} (يوسف: 8) فاللام في: {لَيُوسُفُ} لام الابتداء، وأفادت تحقيق مضمون الجملة الواردة بعدها، أي: أن زيادة حبه إياهما أمرٌ ثابت لا مِراءَ فيه.

وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

ص: 347