المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

واما النقطة السابعة التي ذكرها الدكتور العواجي: فهي حصول هداية - الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 مقدمة في وجوه الإعجاز

- ‌ماذا نعني بإعجاز القرآن

- ‌الفرق بين معجزة القرآن وسائر المعجزات

- ‌أوجه إعجاز القرآن

- ‌كيفية تحدي نبينا صلى الله عليه وسلم للعرب

- ‌الدرس: 2 تابع: مقدمة في وجوه الإعجاز - الصرفة، والإخبار بالغيبيات

- ‌لماذا نهتم بالإعجاز اللغوي في القرآن

- ‌ثمرة دراسة إعجاز القرآن

- ‌مسألة الصرفة

- ‌الإخبار عن الغيبيات

- ‌الدرس: 3 أوجه إعجاز القرآن الكريم: حفظ التشريع ودوامه

- ‌نظم القرآن

- ‌قدسية القرآن

- ‌الإعجاز اللغوي

- ‌الدرس: 4 الإعجاز العلمي، والعددي، والتصوير في القرآن الكريم

- ‌الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

- ‌الإعجاز العددي في القرآن الكريم

- ‌مسألة التصوير

- ‌الدرس: 5 الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن

- ‌مقدمة عن الحروف والأصوات كمظهر من مظاهر إعجاز القرآن

- ‌مظهر الإعجاز في الحروف وأصواتها

- ‌الدرس: 6 تابع: الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن

- ‌حركات الحروف وأثرها على السمع في القرآن الكريم

- ‌مظاهر النسق الصوتي في القرآن الكريم، والأمثلة التي تذكر له

- ‌الدرس: 7 حروف المعاني (1)

- ‌حروف العطف (الواو والفاء)

- ‌حروف العطف (ثم، أو، أم، بل، لكن، لا)

- ‌الدرس: 8 حروف المعاني (2)

- ‌حروف النداء

- ‌حروف النفي

- ‌حرفا الشرط: "إنْ" و"لو

- ‌حرفا الاستفهام "الهمزة" و"هل

- ‌الدرس: 9 حروف المعاني (3)

- ‌حروف التوكيد، وحروف الجر والقسم

- ‌كيف كان استخدام حروف المعاني وجهًا من وجوه الإعجاز اللغوي

- ‌الدرس: 10 القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز

- ‌القِراءة وطرق الأداء

- ‌وجوه القراءة

- ‌الكلام عن قراءة التلحين

- ‌لغة القرآن

- ‌مسألة الأحرف السبعة

- ‌الدرس: 11 تابع: القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز

- ‌الإعجاز في تنوع أوجه القراءات فيما يتعلق ببعض مسائل الاعتقاد

- ‌تنوع القراءات القرآنية من حيث الإعجاز التشريعي

- ‌الإعجاز البياني واللغوي في تنوع القراءات

- ‌القراءات وأثرها في: التوجيه البلاغي، وتنوع الأساليب

- ‌الدرس: 12 مفردات القرآن ووجه الإعجاز فيها

- ‌غريب القرآن أو غرائب القرآن

- ‌ظاهرة الألفاظ المعرضة

- ‌ظاهرة الوجوه والنظائر في القرآن الكريم

- ‌قضية الترادف

- ‌حروف المعجم أو ما يتعلق بالحروف المقطعة

- ‌الدرس: 13 قضية النظم

- ‌التطور الدلالي لمصطلح "النظم" وكيف تطور هذا اللفظ

- ‌معنى النظم عند عبد القاهر الجرجاني رحمه الله

- ‌مادة النظم هي العلاقة بين اللفظ والمعنى

- ‌مزايا النظم وفساده

- ‌الدرس: 14 قضية الذكر والحذف

- ‌المسند إليه، ودواعي وأغراض ذكره

- ‌المسند، ودواعي وأغراض ذكره

- ‌مسألة الحذف، ومزاياه، وأنواعه

- ‌الدرس: 15 تابع: قضية الذكر والحذف

- ‌استكمال أغراض حذف المسند إليه

- ‌أغراض حذف المسند

- ‌ما يتعلق بحذف المتعلقات، وحذف المفعول به

- ‌الدرس: 16 التوكيد في النظم القرآني

- ‌تعريف التوكيد، وأغراضه

- ‌صور وأساليب التوكيد

- ‌الدرس: 17 تابع: التوكيد في النظم القرآني - التكرار في القرآن الكريم

- ‌بعض أدوات وأساليب التوكيد المستخدمة في النظم القرآني

- ‌مسألة التكرير

- ‌الدرس: 18 تابع: التكرار في القرآن الكريم

- ‌نماذج تطبيقية على التكرار في القرآن الكريم

- ‌هل هناك زيادة في القرآن

- ‌الدرس: 19 موقف علماء الصرف والنحو من قضية الزيادة

- ‌الزيادة لدى علماء الصرف

- ‌الزيادة عند علماء النحو

- ‌الدرس: 20 الفصل والوصل

- ‌معنى الفصل والوصل عند النحاة والبلاغيين

- ‌مواضع الفصل والوصل

- ‌الدرس: 21 الفصل والوصل في القرآن

- ‌تعليق الدكتور محمد أبي موسى على مسألة الفصل والوصل في القرآن

- ‌الفروق في الاستخدامات، وما بها من إعجاز بياني في نظم القرآن

- ‌الغاية من دراسة الفروق في الحال

- ‌الدرس: 22 لمحات الجرجاني في (دلائل الإعجاز)، وإحصاء الشيخ عضيمة

- ‌موازنة بين ما انتهى إليه الجرجاني وعضيمة في استخدام الحال

- ‌الفروق في استخدام الأفعال بأزمنتها المختلفة

- ‌استخدام الجملة الاسمية والفعلية

الفصل: واما النقطة السابعة التي ذكرها الدكتور العواجي: فهي حصول هداية

واما النقطة السابعة التي ذكرها الدكتور العواجي: فهي حصول هداية الخلق وقيام الحجة على الجميع والمعذرة إلى الله سبحانه وتعالى.

ونستطيع أن نضيف إلى ما ذكره شيخنا من هذه النقاط السبعة، نقطة في غاية الأهمية، قد تكون مستنبطة من كلامه وإن لم يصرح بها؛ وهي الوقوف في وجه تيار الإلحاد المنتشر كالهشيم عبر الفضائيات وشبكة المعلومات؛ من الطعن في القرآن وادعاء أن فيه تناقضًا وإشكاليات لغوية؛ فالذي يدرس إعجاز القرآن يستطيع إقامة الحجة بالبرهان على كذب هؤلاء الهالكين؛ إذ لو كان لما قالوا أدنى احتمال ما سكت عنه من تُحدوا به، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تحدى العرب وهم أهل الفصاحة والبيان، بل وصلوا إلى قمتها عند بعثته -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولم يجدوا مطعنًا في القرآن وأسلوبه وفصاحته، فكيف يأتي هؤلاء الصبيان الذين لا يفرقون بين أنواع الكلام وهم عن الفصاحة بمعزل وكلامهم غث وغثيان- فيذكرون الآن أن في القرآن طعنا وأن في القرآن تناقضًا وأن في القرآن غير ذلك!! تعالى الله سبحانه وتعالى وكلامه عما يقولون علوا عظيمًا.

‌مسألة الصرفة

وبعد هذه المقدمة ننطلق إلى أولى جزئيات المنهج المطروحة للنقاش وهي "مسألة الصرفة" وهل هي سر إعجاز القرآن؟

الصرفة مسألة من المسائل التي شغلت أهل هذا الفن؛ يعني الذين اهتموا بمسألة إعجاز القرآن، فالصرفة تعد عند المعتزلة هي سر الإعجاز، هذه المسالة مسألة فيها تفاصيل، حتى إ ن الدكتور محمد أبو موسى سماها قصة الصرفة، في كتابه (الإعجاز البلاغي) أفرد فصلا للصرف وسماها قصة الصرفة، قصة الصرفة بمعنى

ص: 32

أن هذه المسالة تحتاج إلى وقفة وإلى بيان، وهو جزاه الله خيرا أفرد لها ما يزيد عن خمس وأربعين صفحة، وبين ما يتعلق بهذه المسالة، وإن كان لنا يعني وقفة مع بعض ما قاله الشيخ حفظه الله، فمسألة الصرفة من المسائل التي اختلفت فيها أقوال أهل العلم، وكان منشأ اختلافهم هو اختلافهم في المقصود بالصرفة، وهل هي من الصرف أم من الانصراف؟ وبعد ذلك اختلفوا هل انصرافهم عن الإتيان بمثله لفظًا ومعنى أم بمثله معنى فحسب؟ أو الإتيان بمثل نظمه الذي جاء على خلاف لغة العرب وكلامهم؟

والذي أراه أن منشأ هذا الخلاف هو أن أول من قال بالصرفة هو أبو إسحاق النظام رأس المعتزلة في عصره، والرجل تراثه بين طلابه؛ أي ليس له مصنف نستطيع من خلاله الوقوف على قوله صراحةً، فالمسألة أثارها تلميذه الجاحظ ونسبها إليه، ودحضها في كتابه (البيان والتبيين) ولعل هذا ما دفع الأكابر كابن تيمية رحمه الله إلى الاهتمام ببيان فساد القول دون الاهتمام بقائله، ولكن كون قائله النظّام وهو رأس في البلاغة والفصاحة دفع آخرين لرفض صدور هذا الكلام بهذا الفهم من مثله وهو من هو، وخاصة أن من النصوص المذكورة ما يبرّئ ساحة الرجل من الوقوع في مثل هذا القول الضعيف المردود المتهافت، الذي لا يصدر عمن هو دونه لغةً وفصاحة.

وبعد هذه التساؤلات والافتراضات لعلك أيها الطالب قد شُحذت همتك وعلت رغبتك في معرفة تفاصيل هذه القصة، ومن ثم فهناك مصادر أحيلك عليها إذا أردت الاستزادة أو الوقوف على هذه المسألة تفصيلًا؛ فعندك كتاب العلامة أبي موسى (الإعجاز البلاغي) الفصل الثامن، وعندك كتاب (إعجاز القرآن) للباقلاني وعندك الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) وشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه

ص: 33

(الجواب الصحيح) والدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم) والدكتور محمد رجب بيومي في (الموسوعة القرآنية المتخصصة) تناول هذه المسالة، والدكتور أحمد أحمد بدوي في كتابه (من بلاغ القرآن) كل هؤلاء تعرضوا لهذه المسألة، فإن أردت المزيد من التفاصيل فعليك أن ترجع إلى هذه المراجع.

أما إن لم تكن همتك قد ارتقت إلى هذا الحد، وإنما تريد خلاصة القول فانتبه معي -رحمك الله- لهذه النقاط التي تحوي الإجابة الشافية إن شاء الله سبحانه وتعالى:

أولًا: الصَّرفَة لغةً واصطلاحًا:

الصرفة في اللغة: هو الرد والمنع كما ذكر الجرجاني في (التعريفات) ويقال: صرف الله عنك السوء، ومن المجاز صرف عن عمله أي عزل، وهو لفظ قرآني:{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين} (يوسف: 24){ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} (آل عمران: 152) ومن هذا المعنى اللغوي انطلقت تفاسير العلماء للصرفة؛ فهي تعني أن العرب لم يكونوا عاجزين عن معارضة القرآن ولا الإتيان بمثله طبْعًا، إلا أن الله صرف همتهم وحبس لسانهم وسلبهم قدرتهم لطفًا بنبيه صلى الله عليه وسلم وفضلًا منه عليه؛ وذلك قوله تعالى:{وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء: 113) هذا ما ذكره الفيروزآبادي في (بصائر ذوي التمييز) وعلق على هذا الكلام بأنه قول مردودٌ غير مرضي.

والصرفة: هي أن العربي كان على مثل نظم القرآن قادرًا، وإنما صرفه الله عن ذلك ضربًا من الصرف أو منعه من الإتيان بمثله ضربًا من المنع، أو قصرت دواعيه إليه دونه مع قدرته عليه؛ ليتكامل ما أراده الله من الدلالة ويحصل ما قصده من إيجاد الحجة، أو هو أن الله صرف قلوب الأمم عن معارضته مع قيام

ص: 34

المقتضى التام، أو سلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبًا عامًّا مثل قوله تعالى لزكريا عليه السلام:{آيَتُكَ أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} (مريم: 10)، فإن زكريا عليه السلام لم يكن مريضًا ولا به علة تمنعه من الكلام، إلا أن الله سبحانه وتعالى جعل عدم كلامه آية وعلامة على البشارة التي بُشر بها عليه السلام، وهذا الذي ذكره في معنى الصرفة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

طبعًا هذا القول الذي قيل من أن الله سبحانه وتعالى صرفهم عن أن يقولوا مثل القرآن مع إمكانيتهم أن يقولوا مثله- هذا القول باطل فاسد مردود من وجوه عدة:

اتفق أهل العلم على رفض هذا القول، وأسهبوا في بيان بطلانه، واحتجوا لذلك بأدلة منها:

أولًا: لو كانت المسألة بالصرف والمنع لم يكن هناك داعٍ لأن يكون القرآن على هذا النظام العجيب، وأن يظهر فيه من الفصاحة هذا النصيب العالي، بل يظفر من الفصاحة بأوفى نصيب.

ثانيًا: أنهم لو كانوا مصروفين لم يكن من قبلهم من العرب مصروفين؛ لأنهم لم يُتحدوا به، ولم نعثر في تراث العرب على ما يُشابه القرآن.

ثالثًا: أنه لو كانت المعارضة ممكنة لولا الصرف لما كان القرآن معجزًا؛ لكون الإعجاز في المنع، ليس في القرآن؛ فإذًا لا يتضمن القرآن في نفسه فضيلة على غيره، ولا أمكن من جاء بعد زمن التحدي معارضته.

رابعًا: لو كان الإعجاز بالصرفة لما استعظم العرب بلاغة القرآن وتعجبوا من حسن فصاحته، كما أُثر عن الوليد ابن المغيرة وقصته المشهورة عند سماعه

ص: 35

القرآن، وعندما سئل عن رأيه فيه، فقال:"إن أعلاه لمورق وإن أسفله لمغدق، وإنا له لطلاوة وإن عليه لحلاوة"، والقصة المشهورة من غيرهم عندما كانوا يتسللون لسماع القرآن انبهارًا ببلاغته وبجمال قوله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، عندما كان يتلو آيات ربه، فلو كانت المسألة بالصرفة لما استعظم العرب بلاغة القرآن، وتعجبوا من حسنها وفصاحتها.

خامسًا: أن العجز يشمل الإنس والجن، والقول بالصرفة يُدخل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فيه، وهذا يعني أن النبوة أوجبت أن يُمنع النبي صلى الله عليه وسلم شطرًا من بيانه وفصاحته، وهو أفصح العرب؛ هو بذلك لا يستطيع أن يقول مثل القرآن، وأنه صلى الله عليه وسلم عندما تلا عليهم قوله تعالى:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} (الإسراء: 88) تلا عليهم هذه الآية وتحداهم مع استطاعته أن يأتي بمثل القرآن، لولا أن الله صرفه عن ذلك، إلا أن يقولوا تبجحًا وجهالة: إنه -صلوات الله وسلامه عليه- كان دونهم في الفصاحة.

ويرد هذا القول إن قيل -عياذا بالله-: أنه صلى الله عليه وسلم أفصح العرب، ولا يشك في ذلك عربيٌّ سمع كلامه -صلوات الله وسلامه عليه-؛ بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب، لغته وفصاحته أقل من فصاحة القرآن الكريم، لو كانوا يستطيعون ذلك -العرب لو كانوا يستطيعون أن يعارضوا القرآن- وصرفت عنه قرائحهم، لقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: ما لنا قد نقصنا في قرائحنا وقد حدث كلول في أذهاننا، بسبب سحرك الذي سحرته لنا؛ إن آية التحدي تدل على فساد هذا القول؛ فهي نص في عدم استطاعتهم، لا في الحول بينهم وبين فعل ذلك:{لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} فالله سبحانه وتعالى نص على أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، وليست الآية في أنهم حيل بينهم وبين أن يأتوا بمثل القرآن.

ص: 36

وأخيرًا إن لجوءهم إلى السيف في محاربة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى سيادة منطق القوة واضطهاد النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه؛ دليلٌ قاطع على عجزهم عن القول، وإلا فالتحدي واضح، فالنبي صلى الله عليه وسلم أثار قرائحهم، والنبي صلى الله عليه وسلم سفّه آلهتهم، وعاب أحلامهم، وبيّن سفههم، وواجههم بما لو كانوا يستطيعون أن يردوه لردوا، ولو كانوا يستطيعون أن يقولوا مثل القرآن لقالوا، أما قولهم:{لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِين} فذلك يدل على رغبتهم في الرد، فلما عجزوا لفصاحة القرآن ونظمه على غير مثال كلامهم اكتفوا بالادعاء، وهذه عادة من لا يستطيع أن يفعل شيئًا، فيقول: أستطيع أن أفعل، فيدعي، عندما يعلم عجزه يكتفي بأن يتكلم، فالقول بالصرفة بمعنى أن الله سبحانه وتعالى صرفهم عن ذلك هذا قول فاسد، واهتم الباقلاني ببيان فساده واهتم كذلك عبد القادر الجرجاني ببيان فساده، وما قلته هو ملخص ما ذكره الإمامان في هذه المسألة.

ثالثًا: ننتقل إلى النقطة الثالثة في الصرفة:

وهى فهم آخر للصرفة، ليس بالمعنى الذي ذكرنا، معنى آخر للصرفة، هذا المعنى قبله أهل العلم الثقات ورضوا به، هذا المعنى يتركز في الآتي:

بمنتهى البساطة كما يقال أن معنى الصرفة الذي ذكر لا يليق بشخص مثل النظام، هذا النظام يعني يروى أنه بدأ شاعرًا وانتهى متكلمًا، وأنه كان على درجة عالية من الفصاحة والبيان، وأنه في مواقف كثيرة له يذب ويدافع عن فصاحة القرآن وعن بلاغة القرآن، فكيف يخرج من النظام فهم مثل هذا الفهم الذي قيل من أن الله صرفهم عن القرآن قهرًا، وأن الله سبحانه وتعالى جعلهم لا يقولون مثل القرآن؛ فلذلك رفض أهل التحقيق مثل الدكتور محمد محمد أبو موسى والدكتور محمد

ص: 37

رجب بيومي رفضا أن يكونا هذا الفهم هو فهم النظام أو هذا القول هو كلام النظام لأسباب؛ منها ألا فصاحة هذا الرجل وأنه على درجة عالية من الفصاحة، فلا يليق منه أن يخرج هذا الكلام، وثانيًا أنه قال هذا الكلام إن قيل على معنى آخر ليس بمعنى أن الله صرفهم قهرًا.

كيف فسر هذان العالمان الجليلان القول بالصرفة؟

قال الدكتور محمد رجب بيومي: الصرفة عن المعارضة بمعنى أن العرب حين دُهشوا من روعة القرآن وبهرهم تأثيره بما فوق القدرة؛ انصرفوا تلقائيّا عن معارضته؛ لأنهم علموا أنهم مهما حاولوا هذه المعارضة وجمعوا لها أساطين القول من بلغائهم المعدودين فلن يأتوا بسورة من مثله، فكانت الصرفة عن المعارضة التي توقعوا استحالتها- هي وجه الإعجاز الذي عناه النظام.

وشبها المسألة بالمهندس الذي يشيد بناءً رائعًا، وهذا المهندس هو عبقري في عمله فيأتي بزملائه ويقول لهم: اصنعوا بناءً مثل الذي صنعته، فيعترفون بعجزهم عن صناعة مثل هذا اعترافًا منهم بأن هذا البناء لا يستطيعون أن يفعلوا مثله، فهذا معنى الصرفة الذي فهمه والذي ذكره الدكتور محمد رجب بيومي واستحسنه، ويقول: إن هذا المعنى هو الذي يليق بالنظام.

أيضًا الدكتور أبو موسى، رأى هذا المعنى واستدل عليه بأشياء منها فصاحة وبلاغة النظّام تُنافيان عدم إدراكه الفرق الفائت بين القرآن وكلام الناس، ومنها

ص: 38

أن النظام ذكر مع الصرفة الإخبار بالغيب، فبذلك يكون القرآن معجزًا بأمرين -لا بالصرفة فحسب- وهذا يؤكد أن النظام يدرك أن نظم القرآن متفرد في معانيه، وأن الصرفة وحدها ليست هي سر الإعجاز، ومنها أنه أراد أن يسد باب الشبهة وأن يحسم الأمر مرة واحدة في وجه أهل الزيغ الذين يثيرون ما ينقد حجة النبوة، ولم يشأ أن يجادلهم في أمر النظم؛ لأنهم لا ذوق لهم وهم أهل عناد، كما قال الله سبحانه وتعالى في أسلافهم:{وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} (الأعراف: 146).

واستأنس شيخنا بقول ابن كثير رحمه الله عن الصرفة بأنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق، مع أنها غير مُرضية، ونص على أن القول بالصرفة بالفهم المذكور ليس قادحًا في الدين بل هو آية صدق النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

شيخنا أبو موسى استدل بأن الفهم الحسن للصرفة هو فهم الخطابي، وذكر أنه فهم جيد وأنه عرض جيد للصرفة.

قال الخطابي: ولو كان الله عز وجل بعث نبيّا في زمن النبوات، وجعل معجزته في تحريك يده أو مدّ رجله في وقت قعوده بين ظهراني قومه ثم قيل له: ما آيتك؟ فقال: آيتي أن أحرك يدي أو أمد رجلي، ولا يمكن أحد أن يفعل مثل فعلي، والقوم أصحاء الأبدان لا آفة بشيء من جوارحهم، فحرك يده أو مد رجله، فراموا أن يفعلوا مثل فعله، فلم يقدروا عليه- كان ذلك آية دالة على صدقه، وليس يُنظر في المعجزة إلى عظم حجم ما يأتي به النبي ولا إلى فخامة منظره، وإنما تُعتبر صحتها بأن تكون أمرًا خارقًا عن مجال العادات ناقضًا لها.

طبعا نعلق على كلام الشيخين تعليقا بسيطًا:

ص: 39

أولًا: قضية الصرفة عمومًا يبطلها أن العرب حاولوا الإتيان بمثل القرآن؛ يعني القائل بالصرفة هذا يلزمه أن يُثبت تاريخيّا أنه لم يحاول أحد أن يعارض القرآن أو أن يقول مثل القرآن؛ لأن الله صرفهم، فلو كان الله سبحانه وتعالى صرفهم عن قول القرآن أو عن محاكاة القرآن لما رأينا في الكتب المحاولات التي كانت من مسيلمة في ادعائه قرآنًا وغير ذلك من المحاولات التي وردت عن بعض الملاحدة والزنادقة، وقد أسهب وذكر ذلك شيخنا مصطفى صادق الرافعي في كتابه (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) ذكر قصص والمحاولات التي وردت في معارضة القرآن.

فإذًا القول بالصرفة يبطل بشهادة التاريخ، كما يقال: أن الناس حاولوا أن يُعارضوا القرآن ولكنهم لم يصلوا إلى ذلك، فلو كانت المسألة صرفة ابتداءً لما سمعنا أن أحدًا حاول أن يعارض القرآن، فهم حاولوا ولكنهم عجزوا وفشلوا، حتى المحاولات قائمة إلى عصرنا هذا، وما نبأ ما ذُكر عبر الإنترنت وغير ذلك ممن حاولوا أن يبدّلوا ويغيروا في القرآن، وأن يأتوا بأشياء يلبّسون بها على من لا صلة لهم بالقرآن، ممن ينتسبون إلى دين الإسلام، ويلبِسون الحق بالباطل، وهذه المحاولات مستمرة حتى يومنا هذا.

ثانيا: ذكر الدكتور أحمد بدوي في كتابه (من بلاغة القرآن) عبارة صريحة، قال: قال النظام: إن الله تعالى ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة، بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان الأحكام من الحلال والحرام، والعرب إنما لم يعارضوه لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك.

هذه العبارة واضحة في أن النظام ذكر الصرف بالمعنى المذموم صراحةً، ولكن هذه العبارة لا نستطيع أن نجزم بنسبتها إلى النظّام، حتى إن أستاذنا أستاذ أحمد

ص: 40

بدوي رحمه الله لم يذكر مرجعًا لهذه العبارة، وعبارات النظام -كما قلت- ليس هناك كتاب نستطيع أن نأخذ منه عبارة النظام بنصها، فواضح أن هذا هو ما اشتهر عن النظّام، صاغه أستاذنا بهذه العبارة.

إن تركيب الكلام في حد ذاته ليس على مقدار فصاحة النظام التي تحدثوا عنها وذكروها، من هنا نأتي إلى النقطة الثالثة:

أنه ليست قضيتنا الدفاع عن المعتزلة، وبيان ما يليق بمكانتهم، وأنهم أهل فصاحة وأهل بلاغة وأهل بيان، وأن هذه المسألة قال بها كثير من المعتزلة ممن يُعرفون بإدراكهم لبلاغة القرآن وفصاحته، هذا الكلام ليس قضيتنا، وليس هو مناط حديثنا؛ لأن المعتزلة كم لهم من سقطات في الاعتقادات، بلغت درجة الضلالات، ونسأل الله السلامة والعافية من أهل البدع والأهواء عمومًا.

فالقضية ليست دفاعًا عن المعتزلة، وإن هؤلاء مع فصاحتهم ومع بلاغتهم وقعوا في أخطر من القول بالصرفة؛ يعني وقعوا في أشياء أخطر من الصرفة.

ورابعًا: خلاصة الصرفة: أن القول بالصرفة بمعنى صرفهم قهرًا عن الإتيان بمثل القرآن- مردود، ولا يُقبل من صاحبه النظام أو غيره.

أما القول بها بمعنى أنهم انصرفوا عن معارضته اعترافًا بالعجز عن مضاهاته إدراكًا لتفرده وعلو شأنه وتفرد نظمه- فهذا يُقبل ولا شيء فيه؛ لأنه يندرج تحت الجهود الأخرى التي تعرضت لإعجاز القرآن في نظمه وأسلوبه وتراكيبه، كما سندرس إن شاء الله.

فشتان ما بين الصرف والانصراف؛ الصرف: يكون بفعل خارج عنهم، أما الانصراف فيكون بفعل منهم؛ {ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم} (التوبة: 127).

هذه مسألة الصرفة، قد فرغنا منها، وقلنا فيها ما يكفي إن شاء الله سبحانه وتعالى.

ص: 41