الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ} إذا تأملت التركيب وتذوقت مواقع الحروف وحركاتها في حسّ السمع، وتأمل مواضع القلقلة في دال {لَقَدِْ} وفي الطاء من {بَطْشَتَنَا} هذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو {تَمَارَوْا} مع الفصل بالمد كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات، إذا هي جزّت على اللسان ليكون ثقل الضمة عليه مستخفّا بعد، ولكون هذه الضمة قد أصابت موضعها كما تكون الأحماض في الأطعمة، ثم ردد نظرك في الراء من {تَمَارَوْا} فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء "النذر"، حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها، فلا تنبو فيه، ثم تتعجب لهذه الغنة التي سبقت الطاء في نون:{أَنْذَرَهُمْ} وفي ميمها: {أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا} وللغنة الأخرى التي سبقت الذال في {النُّذُرِ} .
هكذا بين الرافعي بعد كلامه عن الحركات دور كلمة "النذر" عندما جاءت في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ} هذا مثالٌ أعطاه على موضوع الحركات. ننطلق منه لكلامنا العام عن هذه النقطة وهي "النسق الصوتي في القرآن والأمثلة التي تذكر له".
مظاهر النسق الصوتي في القرآن الكريم، والأمثلة التي تذكر له
أولًا: تجد في القرآن كلمات -كما يقال- طويلة؛ طويلة أي عدد حروفها كثير، كقوله تعالى:{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّه} (البقرة: 137) وكقوله تعالى: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم} (النور: 55) وقوله تعالى: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} (هود: 28) و {زَوَّجْنَاكَهَا} (الأحزاب: 37) إلى غير ذلك مما هو في
عرف الكلام أو في عرف البلاغيين كلمة طويلة، أما عند النحاة -كما تعرف- فهي كلمات؛ لأنهم يقسّمون الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، فهي جمل وليست كلمة، أما أهل البلاغة ينظرون إليها لما اتصالها في النطق ككلمة واحدة.
فإذا نظرت إلى هذه الألفاظ التي عدد حروفها كثير ومقاطعها قد تكون مثقلة بطبيعة الوضع أو التركيب- إذا نظرت إليها في القرآن تجدها خرجت مخرجًا آخر، فخرجت من أخصر الألفاظ حلاوة وأعذبها منطقًا وأخفها تركيبًا؛ إذ ترى القرآن قد هيئ لها أسبابًا عجيبة من تكرار الحروف وتنوع الحركات، انظر:{لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} (النور: 55) كلمة من عشرة أحرف وقد جاءت عذوبتها من تنوع مخارج الحروف، ومن نظم حركاتها؛ فإنها بذلك صارت في النطق كأنها أربع كلمات، إذ تنطق على أربعة مقاطع ليس/ تخ/ لفن/ نهم؛ هذا التقسيم مقاطع، هو يشير كما أشار الدكتور دراز لموضوع الأسباب والأوتاد التي يقاس بها أوزان الشعر المقطع ينتهي عند الساكن: ليس/ تخ/ لفن/ نهم، فصارت الكلمة كأربع كلمات بأربعة مقاطع، فأعطاها جمالًا وسهولة وعذوبة في النطق، وكذلك قوله تعالى:{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّه} فإنها كلمة من تسعة أحرف وهي ثلاثة مقاطع، وقد تكررت فيها الياء والكاف، وتوسط بين الكافين هذا المد الذي هو سر الفصاحة في الكلمة كلها.
وهذا مظهر من مظاهر النسق الصوتي في القرآن الكريم.
مظهر آخر من مظاهر النسق الصوتي في القرآن الكريم: استخدام الألفاظ مع أصولها، بمعنى أنت لو نظرت للكلمات المستخدمة في القرآن الكريم، تجد عربيها يدور بين الثلاثي والرباعي؛ أي ثلاثي الأصول ورباعي الأصول، ولا تجد كلمة ذات أصول خماسية، مثل: غضنفر وسفرجل، هذه الكلمات الخماسية الأصول لا تجد مثلها في القرآن، فتجد القرآن يستخدم الأصول الثلاثية والرباعية، فهذه
الألفاظ ترجع في تجريدها لثلاثي ورباعي، أما كونها خماسية الأصول فلا تجد شيئًا قد ورد من ذلك في القرآن؛ لأنه مما لا وجه للعذوبة فيه، إلا الأسماء الأعجمية أو المعرّبة، وسنتعرض بعد ذلك -إن شاء الله- لقضية "التعريب والألفاظ المعربة في القرآن الكريم" لماذا؟ لأنك لو نظرت في هذه الكلمات التي تجدها خماسية أو سباعية كإبراهيم وإسماعيل، وغير ذلك من الخماسي كطالوت وجالوت، هذه الألفاظ لو نظرت إليها تجدها من مقطعين؛ فكأنها كلمتان وليست كلمة واحدة، وذلك يجعلها سهلة في النطق إبرا/هيم، إسما/عيل، طا/لوت، جا/لوت، إسرا/ئيل، جبرا/ئيل، هذه الكلمات تجدها من السهولة بمكان؛ لأنها تعد كلمتين؛ فلذلك ورد استخدامها فيما فوق الثلاثي والرباعي.
وكذلك مظهر آخر من مظاهر النسق الصوتي في القران الكريم: وهو أن تأتي كلمة تعد عند البلاغيين غريبة؛ غريبة لعدم توارد استخدامها أو كثرة استخدامها في كلام العرب، ولثقل النطق بها، فتشمل نوعًا من الغرابة، فيستشهد بذلك بكلمة "ضِيزَى" في قوله تعالى:{تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} (النجم: 22)، هذه الكلمة خارج النص القرآني تشعرك بأنها غريبة، وتسأل عن معناها ولماذا لم تستخدم جائرة؟ أو الجور بدلا من هذه اللفظة، أما لو نظرت للنص القرآني ستجد أن هذه اللفظة جاءت مع أسرار الفصاحة جميعًا، في النطق بها.
تأمل المتأملون وأخرجوا مظاهر لفصاحتها، وأنبهك أيها الابن الحبيب أن هذا الكلام وهذه الاجتهادات في إبراز مظاهر الفصاحة كما سنذكر في نهاية درسنا -إن شاء الله- إنما هو اجتهاد من العلماء، وفي النهاية يقال: الله أعلم بمراده، فهذا تذوق يعرض عليك، ولك أن تتذوقه وأن ترى ما فيه، فمثلا في كلمة {ضِيزَى}
يعني تُعطى من أسباب الفصاحة أنها جاءت على الفاصلة "فاصلة السورة" سورة النجم تنتهي بالألف المقصورة {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} (النجم: 1 - 9).
إلى أن قال الله سبحانه وتعالى في إنكاره على من يدعون له سبحانه وتعالى البنات وينسبون لأنفسهم الأولاد، فيدعون أن الملائكة إناثًا وهو بنات الله -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فيقول الله سبحانه وتعالى لهم موبخا:{أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} (النجم: 21، 22) فما ادعوه غريب، فيقال بلفظ غريب؛ هم ادعوا لله سبحانه وتعالى البنات ولأنفسهم الأولاد ادعوا لأنفسهم كمالا لم ينسبوه إلى خالقهم!! هذا أمر وشأن عجيب من هؤلاء الجاحدين الكافرين، الذين لا يؤمنون بالله رب العالمين، فقابل ذلك غرابة في اللفظ، فهي تلائم لغرابة هذه القسمة العجيبة التي ذكروها، وهذا الكلام الباهت الجائر الذي تقولوه، والذي نطقوا به، هذا مظهر آخر في جمال اللفظة؛ فأولا تناسب الفاصلة وثانيا تناسب الكلام الذي قالوه في غرابته وفي المبالغة في الإنكار عليه، كذلك تجد أنها تتألف من حروف تعطي معنى حسيّا يؤثر في نفسك؛ يعني أمر صعب {ضِيزَى} يعني أنت عندما تنطقها تستعد لإخراج الضاد من مخرجها والنطق بها؛ فهي تؤثر فيك حسيّا قبل أن تتلفظ بها، كذلك تجدها من مقطعين أحدهما مد ثقيل والآخر مد خفيف، وجاءت عقب غنتين: إِذًا/ قِسْمَةٌ/ أيضًا الغنتان إحداهما خفيفة والأخرى ثقيلة، فتجد أنها جمعت لك في هذا النطق وبهذا الشكل تلاؤمًا تواؤمًا في مخارج اللفظ ونطق الكلمة {ضِيزَى} ، فهذا ما أشير إليه في هذه اللفظة الكريمة في كتاب الله سبحانه وتعالى.
لونٌ آخر من بيان النسق الصوتي في القرآن الكريم: وهو ما يُسميه بعض اللغويين بـ "حروف الزيادة"، هذه الحروف الزائدة أو جود زيادة أو حرف زائد- هذه المسألة ننبه إليها الآن تنبيهًا بسيطًا، وسنأتي إليها تفصيلًا -إن شاء الله-سبحانه وتعالى فيقال: أولًا: هذا الادعاء الزائد إن أريد به زيادة في اللفظ والمعنى فهذا كفر والعياذ بالله، لا يقوله أحد من أهل العلم ولا من أهل الجهل حتى، لا يقوله إلا جاحد منكر والعياذ بالله، أما المقصود باللفظ الزائد عند العلماء والذي يذكرونه، حتى إن كثيرًا منهم يحرص على تسميته بحرف صلة، يعني: ولا يقول حرف زائد، حرف صلة يتوصل به إلى معنى معين، وكثير منهم يصرف المعنى للتوكيد في وجود الزيادة وغيرها، وهذه القضية -إن شاء الله- سنتعرض لها، إنما نعرف الآن أنهم لا يقصدون بالزائد أنه زيادة في المعنى، حاشا لله، وإنا يقصد به بالمصطلح ما يريدونه في علمهم؛ يعني أهل النحو عندما يقولون: زائد، يريدون به أنه لا يؤثر في الإعراب، أن ما بعده يُعرب حسب موقعه في الكلام، لا يريدون به أنه زيادة في المعنى، أو أنه يستغنى عنه، حاشا لله.
المهم أننا ندعوك الآن لأن تنظر لبعض الحروف التي هي في عرف اللغويين من حروف الزيادة، بمعنى أنها جاءت في موضع ذكرت فيه وما بعدها أعرب حسب موقعه في الكلام، فضرب الشيخ هنا مثالين، قال في قوله تعالى:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} (آل عمران: 159)، وفي قوله تعالى:{فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا} (يوسف: 96) يقول الشيخ: فإن النحاة يقولون ما في الآية الأولى وأن في الثانية زائدتان أي في الإعراب، فيظن من لا بصر له أنهما كذلك في النظم، ويقيس عليه، مع أن في هذه الزيادة لونًا من التصوير لو هو حُذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته.
هذه المسألة أيها الابن الحبيب تذكرنا بما قاله المنتجب صاحب (الفريد في إعراب القرآن المجيد) عندما تعرض لقضية الحرف الزائد فقال كلامًا بديعًا مؤداه: أنه لا يشعر بقيمة هذا الحرف في سياق الكلام إلا من يشعر بقيمة الوزن في سماع الشعر، بمعنى أن الذي يسمع الشعر وفطرته وسجيته شاعرية عندما يأتيه بيتٌ فيه كسر يقول: هنا كسر وربما لا يعرف سبب الكسر بطبيعته وبسجيته، فكذلك مستمع القرآن لو حُذف هذا الحرف الذي ادُعي زيادته أو أطلق عليه بالزائد- تجد أن المستمع الذي يطرب لسماع القرآن وأذنه ألفت سماع كلام الله سبحانه وتعالى تجده في هذا الموضع يشعر بخلل قد حدث، فإذا ما وُجد هذا الحرف وجدت الانسياب والجمال الذي يسير عليه النسق القرآني، هكذا مثّل الرجل رحمه الله.
نرجع لكلام الشيخ يقول: فإن المراد بالآية الأولى تصوير لين النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- لقومه، وإن ذلك رحمة من الله، فجاء هذا المد في "ما"{فَبِمَا رَحْمَةٍ} جاء وصفًا لفظيّا يؤكد معنى اللين ويفخمه، وفوق ذلك فإن لهجة النطق به تشعر بانعطاف وعناية، لا يبتدأ هذا المعنى بأحسن منهما في بلاغة السياق، ثم كان الفصل بين الباء الجارة ومجرورها وهو لفظ {رَحْمَةٍ} مما يلفت النفس إلى تدبر المعنى وينبه الفكر على قيمة الرحمة فيه، وذلك كله طبعي في بلاغة الآية كما ترى.
الآية الثانية: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ} تصوير الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف عليه السلام وبين مجيئه هذا؛ "أَنْ" التي وقعت بين "لَمَّا وجَاءَ" تصور لنا الفصل الزمني بين مجيء البشير ليعقوب عليه السلام بقميص يوسف عليه السلام للبعد بين مكان يوسف عليه السلام ومكان أبيه، هذا في مصر والآخر في فلسطين؛ فهذا المجيء بحرف أَنْ يصور لنا البعد بين المكانين وأن ذلك كأنه كان منتظرًا بقلق واضطراب، تؤكدهما وتصف الطرب لمقدمه واستقراره غنة هذه
النون في الكلمة الفاصلة وهي أن في قوله: "أن جاء"{فَلَمَّا أَنْ جَاءَ} تفصل معك في السمع بين فَلَمَّا جَاء، هذا الفاصل بأن مع الغنة في النون يشعر لك بشيئين: بعد المسافة هذا شيء، وإشارة إلى البعد المكان بين يوسف ويعقوب عليهما السلام والإشارة الثانية في الغنة لطرب يعقوب عليه السلام بمجيء البشير بقميص يوسف؛ لأنه كما هو معلوم من سياق الآيات يعلم أن ابنه حي وأنه يجد ريحه:{إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ} (يوسف: 94).
وعلى هذا يجري كل ما ظُن أنه في القرآن مزيد؛ فإن اعتبار الزيادة فيه وإقرارها بمعناها إنما هو نقص يَجل القرآن عنه، وليس يقول بذلك إلا رجل يعتسف الكلام، ويقضي فيه بغير علمه ولا بعلم غيره، الذي يدعي هذا الكلام يرد عليه القول بالزيادة كما قلت: أنه لا يقصد بالطبع زيادة في المعنى، حاشا لله.
فهذا مظهر أيضًا من مظاهر النسق الصوتي.
مظهر آخر جميل ذُكر في النسق الصوتي: وهو في استخدام الأسماء الجامدة داخل الجمل، أسماء ترتبها، أي فصاحة وبيان وبلاغة وروعة تجدها مثل الذي تجدها في تنسيق القرآن وترتيب الكلمات، كلمات تأتي إثر بعضها، وبها من البلاغة والروعة ما يتأمله ويتنبه إليه من تنبه، كما ذكر الإمام ابن تيمية رحمه الله، هذا الترتيب وهذا النسق العجيب يُضرب له مثال بقوله تعالى:{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ} (الأعراف: 133).
خمسة أسماء؛ "طوفان جراد قمل ضفادع دم" لو نظرت فيها تجد أن فيها الثقيل وفيها الضعيف، فيها الخفيف وفيها الثقيل، الخفيف مثل الطوفان الجراد
الدم، والثقيل إما لوجود حرف مضعّف مثل القمل أو لوجود حرف من مخارج ثقيلة مثل الضفادع- فتجد أن الكلمات لو رتبت على عكس هذا الترتيب أو قدم وأخر اسم مكان آخر لوجدت خللًا ظاهرًا في الترتيب، فهذا من بديع ما ينظر إليه في النسق الصوتي وفي تركيب الكلمات في القرآن الكريم؛ فإن أخفها في اللفظ الطوفان والجراد والدم وأثقلها القمل والضفادع، فقدم الطوفان لمكان المدّين فيه الطوفان طو/فا، وقدم كذلك حتى يأنس اللسان بخفتها، ثم الجراد وفيها كذلك مد، ثم جاء باللفظين الشديدين مبتدئًا بأخفهما في اللسان وأبعدهما في الصوت، لمكان تلك الغنة {الْقُمَّلَ} ، ثم جيء بلفظة "الدم" آخرًا وهي أخف الخمسة وأقلها حروفًا؛ ليسرع اللسان فيها ويستقيم لها ذوق النظم ويتم بها هذا الإعجاز في التركيب.
هذا مثالٌ ذكره الرافعي، ولك أن تقيس عليه فيما ورد في القرآن من ترتيب كقوله تعالى:{بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} (الواقعة: 18) تقديم الأكواب لاشتمالها على المد وصرفها والإتيان الوسط بأباريق ممنوعة من الصرف والختام بالكأس لخفته، كذلك:{لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} (الحج: 40) لو نظرت في هذه الآيات وتأملت تتابع الكلمات تجد سرّا لا يدركه إلا من يتذوق جمال اللغة في هذه الألفاظ.
أيضًا لو نظرت في كلامهم على الآية الكريمة: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ} (القصص: 38) تجد أيضًا مسألة النسق الصوتي تظهر ظهورًا بيّنًا غير ما أشار إليه علماؤنا الأجلاء من الشعور النفسي بفرعون وتصويره بهذه العبارة وبيان خفة عقله وسذاجته، وغير ذلك مما تخلصوا أو مما توصلوا إليه من مظاهر جمال في الآية- نستطيع أن نضيف وجهًا آخر في مسألة النسق الصوتي في الآية، وهو تأملك لقوله: لِي/يَا/هَامَا/ .. انظر: لِي/يَا/هَا/مَا/ هذا التركيب لا تجده في
أشعار العرب جميعها؛ أن تجد متحركًا ساكنًا متحركًا ساكنًا متحركًا ساكنًا متحركًا ساكنًا، الأسباب والأوتاد بما يحدث فيها لا يوفّر لك هذا التركيب، متحرك ساكن، هو الذي يطلق عليه السبب الخفيف لي/يا/ها/ما متحرك ساكن متحرك ساكن متحرك ساكن متحرك ساكن، انظر إلى وقعها ونسقها الصوتي وسط الآية، وهذا تفرّد أيضًا في إبراز النسق الصوتي في القرآن الكريم، وربما يأتي من يذكر وجهًا آخر في الآية نفسها؛ وهكذا.
لماذا أيها الابن الحبيب هذا الذي نصل به في نهاية كلامنا عن الحروف وأصواتها اللغوية، هذا الذي لابد أن ننوه عليه بأن كل كلمة في القرآن ما دامت في موضعها فهي من بعض إعجازه؛ لذلك نختم هذا الباب أو هذا الموضوع بعبارات جميلة من كلام شيخنا دراز رحمه الله وذلك تصديره لكلام عن هذه المسألة.
انظر -رحمك الله- لكلام الرجل هذا الرجل الذي بهر الناس بكتابه (النبأ العظيم) كأنه لوحة فنية رائعة أدبية تعرض بيان القرآن وقيمته وإعجازه، عندما بدأ الحديث عن هذه المسألة وهي الحروف والأصوات اللغوية أو ما سماه بالقشرة السطحية للقرآن الكريم، التي تتركز في جمال الإيقاع وفي جمال التنسيق -تنسيق بين الألفاظ والإيقاع في الحروف- وما أشار إليه رحمه الله، عندما بدأ يتحدث عن هذه المسألة يقول هذه العبارات التي أقرأها عليك لتنظر قيمة العلم يا بُني، وتنظر أهمية النظر لجهود السابقين، يقول الرجل رحمه الله:
أما الآن، فقد والله طلبتَ مني جسيمًا وكلفتنا مرامًا بعيدًا، لمثله انتدب العلماء والأدباء من قبلنا وفي عصرنا، فحفيت من دونه أقلامهم، ولم يزيدوا إلا أن ضربوا له الأمثال واعترفوا بأن ما خفي عليهم منه أكثر مما فطنوا له، وأن الذي وصفوه مما أدركوه أقل مما ضاقت به عباراتهم، ولم تقف به إشاراتهم.
تأمل هذه العبارة، يشير إلى أن العلماء في هذه المسائل التي نطرحها من أوجه الإعجاز، إنما تنبهوا إلى قليل من كثير، وتنبهوا لما فتح الله به عليهم، فرأوه
وعبّروا عنه وأشاروا إليه، وفي القرآن من الأسرار أكثر مما قالوا بكثير، ولا يعلم مدى ذلك إلا الله سبحانه وتعالى، فهو أعلم بمراد كتابه -جل في علاه- ويبسط من العلم من قربه وشرفه بمُدارسة القرآن وبالنظر فيه، يبسط له ما شاء، وكله يندرج تحت قوله تعالى:{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء: 85)، هذا بعض ما ظهر لنا في هذه المسألة.
وننتقل إلى مسألة أخرى، تتعلق بالحروف أيضًا ولكنها من نوع آخر، بمعنى أن الحروف إذا نظرت إليها -أيها الابن الحبيب- تقسم عند العلماء إلى نوعين: حروف مباني: وهي ما يتكون منها الكلمات، وهي التي تناولنها في الدرس هذا وفي درسنا السابق، ومن بناء الكلمات والألفاظ، وحروف معاني: وهي الحروف التي جاء بها لمعنى وهي الحروف التي يهتم بها النحاة أكثر من اللغويين؛ لأنها تؤدي إلى معان وتؤثر في الإعراب، ولها دخل بالعوامل النحوية، فحروف المعاني كحروف الجر وحروف العطف وحروف النداء وإن وأخواتها وجوازم المضارع ونواصب المضارع كل ذلك يندرج تحت ما يسمى بحروف المعاني، هذه الحروف لها وظيفتان؛ وظيفة نحوية كما قلت لكم: ما بعدها منصوب أو مجرور أو مجزوم، وظيفة أخرى هي أسمى وأعلى وأدق وهي الوظيفة البلاغية التي يظهر من خلالها إعجاز القرآن الكريم وروعة البيان، وهذا الموضوع لنا فيه وقفة في درسنا القادم -إن شاء الله-سبحانه وتعالى بالحديث عن حروف المعاني.
وجزاكم الله خيرا.