المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بعض أدوات وأساليب التوكيد المستخدمة في النظم القرآني - الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 مقدمة في وجوه الإعجاز

- ‌ماذا نعني بإعجاز القرآن

- ‌الفرق بين معجزة القرآن وسائر المعجزات

- ‌أوجه إعجاز القرآن

- ‌كيفية تحدي نبينا صلى الله عليه وسلم للعرب

- ‌الدرس: 2 تابع: مقدمة في وجوه الإعجاز - الصرفة، والإخبار بالغيبيات

- ‌لماذا نهتم بالإعجاز اللغوي في القرآن

- ‌ثمرة دراسة إعجاز القرآن

- ‌مسألة الصرفة

- ‌الإخبار عن الغيبيات

- ‌الدرس: 3 أوجه إعجاز القرآن الكريم: حفظ التشريع ودوامه

- ‌نظم القرآن

- ‌قدسية القرآن

- ‌الإعجاز اللغوي

- ‌الدرس: 4 الإعجاز العلمي، والعددي، والتصوير في القرآن الكريم

- ‌الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

- ‌الإعجاز العددي في القرآن الكريم

- ‌مسألة التصوير

- ‌الدرس: 5 الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن

- ‌مقدمة عن الحروف والأصوات كمظهر من مظاهر إعجاز القرآن

- ‌مظهر الإعجاز في الحروف وأصواتها

- ‌الدرس: 6 تابع: الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن

- ‌حركات الحروف وأثرها على السمع في القرآن الكريم

- ‌مظاهر النسق الصوتي في القرآن الكريم، والأمثلة التي تذكر له

- ‌الدرس: 7 حروف المعاني (1)

- ‌حروف العطف (الواو والفاء)

- ‌حروف العطف (ثم، أو، أم، بل، لكن، لا)

- ‌الدرس: 8 حروف المعاني (2)

- ‌حروف النداء

- ‌حروف النفي

- ‌حرفا الشرط: "إنْ" و"لو

- ‌حرفا الاستفهام "الهمزة" و"هل

- ‌الدرس: 9 حروف المعاني (3)

- ‌حروف التوكيد، وحروف الجر والقسم

- ‌كيف كان استخدام حروف المعاني وجهًا من وجوه الإعجاز اللغوي

- ‌الدرس: 10 القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز

- ‌القِراءة وطرق الأداء

- ‌وجوه القراءة

- ‌الكلام عن قراءة التلحين

- ‌لغة القرآن

- ‌مسألة الأحرف السبعة

- ‌الدرس: 11 تابع: القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز

- ‌الإعجاز في تنوع أوجه القراءات فيما يتعلق ببعض مسائل الاعتقاد

- ‌تنوع القراءات القرآنية من حيث الإعجاز التشريعي

- ‌الإعجاز البياني واللغوي في تنوع القراءات

- ‌القراءات وأثرها في: التوجيه البلاغي، وتنوع الأساليب

- ‌الدرس: 12 مفردات القرآن ووجه الإعجاز فيها

- ‌غريب القرآن أو غرائب القرآن

- ‌ظاهرة الألفاظ المعرضة

- ‌ظاهرة الوجوه والنظائر في القرآن الكريم

- ‌قضية الترادف

- ‌حروف المعجم أو ما يتعلق بالحروف المقطعة

- ‌الدرس: 13 قضية النظم

- ‌التطور الدلالي لمصطلح "النظم" وكيف تطور هذا اللفظ

- ‌معنى النظم عند عبد القاهر الجرجاني رحمه الله

- ‌مادة النظم هي العلاقة بين اللفظ والمعنى

- ‌مزايا النظم وفساده

- ‌الدرس: 14 قضية الذكر والحذف

- ‌المسند إليه، ودواعي وأغراض ذكره

- ‌المسند، ودواعي وأغراض ذكره

- ‌مسألة الحذف، ومزاياه، وأنواعه

- ‌الدرس: 15 تابع: قضية الذكر والحذف

- ‌استكمال أغراض حذف المسند إليه

- ‌أغراض حذف المسند

- ‌ما يتعلق بحذف المتعلقات، وحذف المفعول به

- ‌الدرس: 16 التوكيد في النظم القرآني

- ‌تعريف التوكيد، وأغراضه

- ‌صور وأساليب التوكيد

- ‌الدرس: 17 تابع: التوكيد في النظم القرآني - التكرار في القرآن الكريم

- ‌بعض أدوات وأساليب التوكيد المستخدمة في النظم القرآني

- ‌مسألة التكرير

- ‌الدرس: 18 تابع: التكرار في القرآن الكريم

- ‌نماذج تطبيقية على التكرار في القرآن الكريم

- ‌هل هناك زيادة في القرآن

- ‌الدرس: 19 موقف علماء الصرف والنحو من قضية الزيادة

- ‌الزيادة لدى علماء الصرف

- ‌الزيادة عند علماء النحو

- ‌الدرس: 20 الفصل والوصل

- ‌معنى الفصل والوصل عند النحاة والبلاغيين

- ‌مواضع الفصل والوصل

- ‌الدرس: 21 الفصل والوصل في القرآن

- ‌تعليق الدكتور محمد أبي موسى على مسألة الفصل والوصل في القرآن

- ‌الفروق في الاستخدامات، وما بها من إعجاز بياني في نظم القرآن

- ‌الغاية من دراسة الفروق في الحال

- ‌الدرس: 22 لمحات الجرجاني في (دلائل الإعجاز)، وإحصاء الشيخ عضيمة

- ‌موازنة بين ما انتهى إليه الجرجاني وعضيمة في استخدام الحال

- ‌الفروق في استخدام الأفعال بأزمنتها المختلفة

- ‌استخدام الجملة الاسمية والفعلية

الفصل: ‌بعض أدوات وأساليب التوكيد المستخدمة في النظم القرآني

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس السابع عشر

(تابع: التوكيد في النظم القرآني - التكرار في القرآن الكريم)

‌بعض أدوات وأساليب التوكيد المستخدمة في النظم القرآني

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وبعد:

فنقول: من أدوات التوكيد المستخدمة في النظم القرآني الجملة الاسمية:

فإنه من المعلوم أن الفعل يدل على التجدد والحدوث، أما الاسم فيدل على الثبوت والدوام، ومن ثم كان التعبير بالجملة الاسمية محل الفعلية صورة من صور التوكيد المستخدمة في النظم القرآني. فلذا اهتم العلماء ببيان ذلك على أنه من صور التوكيد، وإن كان البعض لا يرى ذلك. يقول أستاذنا الدكتور لاشين: "وإذا كان وضع الجملة الاسمية على إفادة الثبوت ووضع الجملة الفعلية على إفادة التجدد، فإن الجملة الاسمية تدل على معنًى أوفى مما تدل عليه الجملة الفعلية، ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الجملة الاسمية تفيد تأكيد المعنى، وقد تؤثر الجملة الاسمية من أجل هذا في بعض المقامات على الجملة الفعلية كما في قوله تعالى:{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (البقرة: 14) فالمنافقون خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية: {آمَنَّا} ؛ لأنهم أظهروا الإيمان وأحدثوه خوفًا ومداراة، وحينما خاطبوا شياطينهم كانت الجملة الاسمية المحققة بإنَّ المشددة؛ لأنهم في مخاطبة إخوانهم ثابتون على الكفر، ويخبرون به عن صدقٍ ورغبةٍ.

وقوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} (هود: 69) إذ أصل الأول: نسلم سلامًا، وأصل الثاني: سلام عليكم، أي الجملة الأولى فعلية قالوا: نسلم سلامًا، فأجاب إبراهيم عليه السلام: سلام عليكم، كأن إبراهيم عليه السلام أراد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به؛ أخذًا بأدب

ص: 351

الله تعالى في قوله سبحانه: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} (النساء: 86) فاختلف سلامهم عن سلامه -عليه أفضل الصلاة والسلام. وكذلك قوله تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} (الأنبياء: 55) فقوم إبراهيم عليه السلام يقولون له: أأحدثت عندنا تعاطي الحق فيما نسمعه منك؟ أم اللعب وأحوال الصبا مستمرة عليك؟ وفي قوله سبحانه وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} (البقرة: 8) فقد أجاب الله تعالى عن قولهم: {آمَنَّا} بقوله: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} لإخراج ذواتهم من جنس المؤمنين؛ مبالغةً في تكذيبهم، ولهذا أطلق قوله:{مُؤْمِنِينَ} وأكد نفيه بالباء".

وهذا الذي ذكره الدكتور لاشين مأخوذ من كلام ابن الأثير في (المثل السائر) عندما بين أنه يُعدل عن أحد الخطابين إلى الآخر بضرب من التأكيد والمبالغة، أي يعدل عن الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية لهذا الغرض، ومثَّل بقولهم: قام زيد، وإن زيدًا قائم، فقولنا: قام زيد، معناه: الإخبار عن زيد بالقيام، وقولنا: إن زيدًا قائم، معناه: الإخبار عن زيد بالقيام أيضًا، إلا أن في الثاني زيادةً ليست في الأول، وهي توكيده بإنَّ المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها، وإذا زيد في خبرها اللام فقيل: إن زيدًا لقائم، كان أكثرَ توكيدًا في الإخبار بقيامه. وهذا المثال يُقاس عليه غيره. وهذا ما ذكر من استشهادهم بمجيء الجملة الاسمية كأداة من أدوات التوكيد، وهو معروف فيما يستدلون به وبما يذكره النحاة في التفرقة بين:{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} (يوسف: 18) بالرفع على أن الجملة اسمية، وبين ما قرئ في الشواذ:"فصبرًا جميلًا" بالنصب على أن الجملة اسمية، بأن هناك فرقًا، وهو التوكيد باستخدام الجملة الاسمية وكون المصدر مرفوعًا.

ص: 352

من أساليب التوكيد أيضًا القسم؛ فقد لجأ القرآن إلى القسم متبعًا النهجَ العربي في توكيد الأخبار به؛ لتستقر في النفس، ويتزعزع فيها ما يخالفها، وإذا كان القسم لا ينجح أحيانًا في حمل المخاطب على التصديق، فإنه كثيرًا ما يوهن في النفس الفكرة المخالفةَ، ويدفع إلى الشك فيها، ويبعث المرء على التفكير القوي فيما ورد القسم من أجله.

فالناظر في كتاب الله يجد المولى سبحانه وتعالى كثيرًا ما يقسم بذاته -جل في علاه- وتصدير ذلك بلفظ "رب" ولكن ذكراه حينًا يكون مضافًا إلى السماء والأرض، كقوله سبحانه:{فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} (الذاريات: 23) لما في هذه الإضافة من الإشارة إلى خضوع السماء والأرض لأمره، وفي ذلك تعظيمٌ لشأنه، وإيحاءٌ بأن مَن كان هذا أمره لا يزج باسمه إلا فيما هو حق لا مِريةَ فيه. وحينًا آخر يُضاف لفظ "الرب" إلى المشارق والمغارب، كقوله سبحانه:{فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} (المعارج: 40) لِمَا توحي به هذه الإضافة من القدرة البالغة التي تسخر هذا المخلوق الهائل وهو الشمس، فيشرق ويغرب في دقة وإحكام. وحينًا آخر يضاف إلى لفظ الرسول، كقوله سبحانه:{فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ} (مريم: 68) وكأنه بذلك يوحي بأن أرباب المشركين ليست جديرة بأن يقسم بها، أو تكون محل إجلال وتقدير.

والقرآن يستخدم أيضًا في القسم ما جرت عادتهم في استخدامه كالحَلِف بحياة المخاطَب، فأقسم سبحانه بحياة رسولنا الكريم -صلوات الله وسلامه عليه:{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} (الحجر: 72) لتأكيد تشريف حياة الرسول وتعظيم أمره -صلوات الله وسلامه عليه- في أعين السامعين. ومن اللطائف أن المولى سبحانه وتعالى أقسم بذات نبينا الكريم، وأقسم بمكان ميلاده:{وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} (التين: 3) وأقسم أيضًا

ص: 353

بالزمان الذي بُعث فيه على قول بعض أهل التفسير عندما تعرضوا لقوله سبحانه: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (العصر: 1، 2).

وكذلك إذا أقسم القرآن بمصنوعات الله عز وجل ومخلوقاته، كان في ذلك التأكيد على تنبيه المستمع إلى ما فيها من روعة تدفع إلى التفكير في خالقها:{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس: 1 - 10) أَوَلَا ترى هذا القسم مثيرًا في النفس أقوى إحساسات الإعجاب بمدبر هذا الكون ومنظم شئونه هذا التنظيم المحكم الدقيق؟ أَوَليست هذه الشمس التي تبلغ أوج مجدها وجمالها عند الضحى، وهذا القمر يتلوها إذا غابت وكأنه يقوم مقامَها في حراسة الكون وإبهاجه، وهذا النهار يُبرز هذا الكوكب الوهاج، ثم لا يلبث الليل أن يمحو سَناه، وهذه السماء وقد أحكم خلقها، واتسقت في عين رائيها كالبناء المحكم الدقيق، وهذه الأرض وقد انبسطت في سعة، وهذه النفس الإنسانية العجيبة الخِلقة التي يتسرب إليها الهدى والضلال في دقة وخفاء، أليس في كل ذلك ما يبعث النفس إلى التفكير العميق في خالقها؟ وأن هذا الخالق لا يذكر هو وما خَلَقَ محاطًا بهذا الإجلال إلا في مقام الحق والصدق؟!

وهكذا استُخدِم القسم في القرآن الكريم كمظهر من مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمته، وصِدْق ما جاء به هذا الدين الذي نزل القرآن؛ لتثبيت أسسه وقواعده، فيقول الله سبحانه وتعالى:{إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} (الصافات: 4){إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} (الذاريات: 5)، {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} (الواقعة: 77) {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (النجم: 2) كل ذلك في جواب ما بُدئت به هذه السور

ص: 354

الكريمة من قسم. وأحيانًا يكون الجواب مؤكدًا لأحوال الإنسان: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} (العاديات: 6 - 8). ومن لطائف القسم التي أشار إليها المفسرون قوله سبحانه وتعالى: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} (الضحى: 1 - 3) فيقول: تأمل مطابقة هذا القسم، وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل المقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمدًا ربُّه!! فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه عنه -صلوات الله وسلامه عليه.

من الأساليب التي استخدمت في التوكيد أيضًا استخدام ضمير الفصل، أو ما يسمى عند الكوفيين بضمير العماد، وهو الضمير الذي يَفصل بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر. مثال الفصل بين المبتدأ والخبر:{أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف: 157) ومثال الفصل بين ما أصله المبتدأ والخبر: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف: 92) وقوله سبحانه وتعالى: {كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} (المائدة: 117) وقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} (ص: 35) وقوله سبحانه وتعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} (الصافات: 77) فتلاحظ أن الضمير في هذه الآيات وقع بين اسم إنَّ وخبرها، وكلاهما في الأصل مبتدأ وخبر، واسم كان وخبرها، وكذلك أيضًا أصلهما مبتدأ وخبر، ومفعولي جعل وهي من الأفعال الناصبة لمفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فهذا الضمير الذي يؤتَى به للفصل، أي: لا يشغل محلًّا إعرابيًّا في الجملة، فيكون ما قبله وما بعده يعربان على أنهما ركنَا الجملة، أو ما حل محل الركنين في باب ظن وأخواتها.

ص: 355

انظر إلى ضمير الفصل في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى} (النجم: 43 - 52) وانظر إلى الفرق بين استخدامه في مواضع، وتركه في مواضعَ أخرى، فاستخدم في:{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} ، {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} ، و {إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى} ولم يستخدم في:{وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى} ، {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} ، {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى} ، فتجد الضمير قد استخدم في الأفعال التي هي مظنة الاشتراك، كما ترى ذلك في جملة الإضحاك والإبكاء، والإماتة والإحياء، والإغناء والإقناء، أما حيث لا تدعى الشركة فلا حاجةَ إلى هذا الضمير كما ترى في جمل خلق الزوجين، والنشأة الأخرى، وإهلاك عادا الأولى.

فقد يظن المرء أن له يَدًا في إضحاك الآخرين وإبكائهم، أو أنه يملك لأناس الحياةَ والموتَ كما قال الطاغية لإبراهيم عليه السلام:{أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} (البقرة: 258) أما هذه المسائل التي لا تحتاج إلى تأكيد؛ لأن الجميع يسلم بها، لم يقع فيها ضمير الفصل. كذلك لو نظرت في قوله سبحانه وتعالى:{قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} (الشعراء: 75 - 82) فترى ضمير الفصل أتى حيث يتوهم في الفعل شركة كما في الهداية والإطعام والشفاء، أما حيث لا تتوهم تلك الشركة، فلا يأتي ضمير الفصل كما في الخلق والإماتة

ص: 356

والإحياء. أما ما يتعلق بضمير الفصل من شروطه وأحكامه وأنواعه، فهذا باب ينصرف إلى النحو أكثر منه إلى البلاغة.

من أساليب التوكيد أيضًا بالأداة استخدام الحروف الزائدة؛ والحروف الزائدة هي الحروف التي لا تشغل محلًّا إعرابيًّا، أو لا تؤثر في الإعراب عند النحاة نماذج من استخدام هذه الحروف للتوكيد: هناك فرق بين اصطحاب خبر ليس بالباء وعدم اصطحابه بها، وكذلك ما يعمل عمل ليس مِن "ما" الحجازية. فانظر إلى قوله سبحانه وتعالى:{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} (البقرة: 144) وقوله سبحانه وتعالى: {وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} (المجادلة: 10) ترى هذه الباءَ قد نفت كلَّ صلة تربط بين الله والغفلة في الآية الأولى، وبين السحر والضير في الآية الثانية، فلا صحبةَ بينهما ولا تلاقٍ.

ومن الأمثلة المشهورة لاستخدام هذه الحروف الزائدة للتوكيد استخدام "مِن" الجارة، فشتان بين أن تقول لأحد مثلًا: ما معي مال، وبين أن تقول له: ما معي من مال. فإنك إذا قلتَ له: ما معي مال، ربما توهَّم أن معك مالًا ولكنه قليل، فيطالبك بشيء من المال أيضًا، فإذا ما قلت له: ما معي من مال، فقد أكدت النفي، وأنه ليس معك أي شيءٍ تستطيع أن تعطيه إياه. انظر إلى قوله سبحانه وتعالى:{وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} (ق: 38) وكيف يؤدي المعنى للتوكيد أقوى مِن: وما مسنا لغوب. وكذلك قوله سبحانه وتعالى: {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} (المائدة: 19)، وفرق بين: ما جاءنا بشير ولا نذير. و {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (القصص: 38) وفرق بين: ما علمت لكم إلهًا غيري. وهي كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى. وهناك أدواتٍ أخرى تستخدم كـ لام القسم، وألا الاستفتاحية، وهاء التنبيه، وتوكيد التشبيه بكأنَّ، واستخدام ضمير الشأن أيضًا للتوكيد، واستخدام قد، واستخدام السين وسوف لتوكيد المضارع، واستخدام نوني التوكيد الخفيفة والثقيلة. كل ذلك من الأدوات التي تُستخدم للتوكيد.

ص: 357