الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكذلك كان أبو زرعة الرازي يفعل.
وأما الذين كتبوا حديث الكذابين، من أهل المعرفة والحفظ، فإنما كتبوه لمعرفته، وهذا كما (ذكروا أحاديثهم) في كتب الجرح والتعديل، ويقول بعضهم في كثير من أحاديثهم: لا يجوز ذكرها إلا ليبين أمرها أو معنى ذلك.
وقد سبق عن ابن أبي حاتم: أنه يجوز رواية حديث من كثرت غفلته في غير الأحكام، وأما رواية أهل التهمة بالكذب فلا تجوز إلا مع بيان حاله وهذا هو الصحيح - والله أعلم -.
المسألة الثالثة
ذكر الترمذي أنه رب رجل صالح مجتهد في العبادة، ولا يقيم الشهادة ولا يحفظها وكذلك الحديث، لسوء حفظه، وكثره (غفلته) ، وقد سبق قول ابن المبارك في عباد بن كثير وعبد الله بن محرر.
وروى مسلم في مقدمة كتاب من طريق محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن أبيه قال: (لن ترى) الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث.
وفي رواية: لم تر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث.
قال مسلم: يقول: يجري الكذب على (ألسنتهم) ، (ولا يتعمدون) الكذب. وروى أيضا بإسناده له عن أيوب، قال:
إن لي جارا، ثم ذكر من فضله، ولو شهد على تمرتين ما رأيت شهادته جائزة.
وروى ابن عدي بإسناده، عن أبي عاصم النبيل، قال:
ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث.
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي أسامة، قال:
إن الرجل يكون صالحا، ويكون كذابا، يعني: يحدث بما لا يحفظ.
وقال الجوزجاني: سمعت أبا قدامة، يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: رب رجل صالح لو لم يحدث كان خيرا له، إنما هو أمانة، تأدية الأمانة في الذهب والفضة أيسر منه في الحديث.
وروى عمرو الناقد: سمعت وكيعا، يقول، وذكر له حديث يرويه وهب بن إسماعيل، فقال: ذاك رجل صالح، وللحديث رجال.
وروى أبو نعيم بإسناده عن ابن مهدي قال: فتنة الحديث أشد من فتنة المال وفتنة الولد، لا تشبه فتنته فتنة. كم من رجل يظن به الخير، قد حمله فتنة الحديث على الكذب. يشير إلى أن من حدث من الصالحين من غير إتقان وحفظ فإنما حمله على ذلك حب الحديث، والتشبه بالحفاظ، فوقع في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعلم، ولو تورع واتقى الله لكف عن ذلك فسلم.
قال (أبو قلابة) ، عن علي بن المديني، سئل يحيى بن سعيد عن مالك بن دينار ومحمد بن واسع، وحسان بن أبي سنان، فقال:
ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث، لأنهم يكتبون عن كل من يلقون لا تمييز لهم فيه.
ويروي عن أبي عبد الله بن مندة، قال:
إذا رأيت في حديث (ثنا) فلان الزاهد فاغسل يدك منه.
(قال ابن عدي) : الصالحون قد وسموا بهذا الاسم أن يرووا أحاديث في فضائل الأعمال، موضوعة بواطيل ويتهم جماعة منهم بوضعها.
وهؤلاء المشتغلون بالتعبد الذين يترك حديثهم على قسمين:
منهم من شغلته العبادة عن الحفظ، فكثر الوهم في حديثه، فرفع الموقوف، ووصل المرسل، (وهؤلاء) مثل أبان بن أبي عياش ويزيد الرقاشي.