الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول العلل، لعلي بن المديني
لا نكاد نجد صفحة من صفحات "شرح علل الترمذي" إلا وفيها قول لعلي بن المديني أو أكثر، وهذه الأقوال استمدها ابن رجب من كتب العلل التي صنفها هذا الإمام الكبير. وقد ذكرت في الفصل الأول من هذا الباب نبذة عن الرجل وما صنفه في العلل، وذكرت طائفة من كتبه مثل:
- علل المسند في ثلاثين جزءا.
- العلل التي كتبها عنه إسماعيل القاضي، أربعة عشر جزءا.
- علل حديث ابن عيينة، ثلاثة عشر جزءا.
- الوهم والخطأ في خمسة أجزاء.
- اختلاف الحديث، خمسة أجزاء.
- العلل المتفرقة، ثلاثون جزءا.
ولم تذكر فهارس المخطوطات سوى كتاب بعنوان "علل الحديث ومعرفة الرجال". ويبدو أن كتب ابن المديني الأخرى قد فقدت. أما هذا الجزء المحفوظ فهو ورقات من كتاب في العلل، يغلب على ظني أنه جزء من كتابه "العلل المتفرقة". وقد نشر هذا الجزء بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي.
وهذا الكتاب يمثل صورة للزمرة المنهجية الأولى في العلل التي ذكرناها في المبحث الثاني من هذا الفصل، فهو مسائل متفرقة وأجوبة غير مرتبة تنتقل فجأة من موضوع إلى موضوع، ولكن الكتاب بمجموعه يتناول العلل في أربعة أقسام.
القسم الأول:
تكلم فيه ابن المديني عن مقدمات عامة في العلل وعلم الرجال، بين فيها
طبقات الرواة في مختلف الأمصار، مع ذكر أول من صنف في الحديث. وفي هذه المقدمات ذكر للمكثرين من الرواة، وإلقاء الضوء على من دار عليه الإسناد منهم من عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى زمن ابن المديني. وفيما يلي نص من كلامه:
"قال علي: لم يكن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد له أصحاب يفتون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وكان لكل رجل منهم أصحاب يقولون بقوله ويفتون الناس. وكان أصحاب عبد الله الذين يقرأون بقراءته، ويفتون بقوله، ويذهبون مذهبه: علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وعبيدة السلماني، وعمرو بن شرحبيل، والحارث بن قيس، ستة هؤلاء عدهم إبراهيم النخعي، وكان أعلم أهل الكوفة بأصحاب عبد الله وطريقتهم ومذاهبهم إبراهيم والشعبي، إلا أن الشعبي كان يذهب مذهب مسروق، يأخذ من علي وأهل المدينة وغيرهم، وكان إبراهيم يذهب مذهب أصحابه، أصحاب عبد الله هؤلاء.
وكان أبو إسحاق وسليمان الأعمش أعلم أهل الكوفة بمذهب عبد الله وطريقته، والحكم بعد هذين، وكان سفيان بن سعيد أعلم الناس بهذين وبحديثهم وطريقهم، ولا يقدم عليهم أحدا".
إنها كلمات معدودة يتابع من خلالها ابن المديني الحركة العلمية - الحديث منها خاصة - خلال مئة وخمسين عاما، في الكوفة، بدأها بابن مسعود - رضي الله عن هـ - وانتهى بسفيان الثوري.
وانتهج هذا الأسلوب في مدرسة المدينة بدءا بزيد بن ثابت، وفي مدرسة مكة بدءا بابن عباس وانتهاء بابن جريح، كما تعرض للرواة في الشام والبصرة وواسط.
وبهذا الأسلوب القائم على استقصاء طبقات الرواة يكون علي بن المديني
قد أرسى أحد الأسس لعلم العلل خاصة وعلم الرجال عامة، ومن خلال كلمات علي بن المديني يصل القارئ إلى التصور الصادق لطرق الرواية وبيان خطوطها عبر الأجيال افتراقا واتفاقا.
أما القسم الثاني:
ففيه عملية استقصاء للرواية عن بعض الرواة، وجاء هذا بعد أن ذكر مسارات الرواية في البلدان. وفي هذا القسم يتابع الرواية عن شخص واحد، فيذكر من سمع منه، ومن لم يسمع. وقد بدأ بالصحابي الجليل زيد بن ثابت، فذكر من روى عنه من أهل المدينة، ثم من روى عنه من أهل الكوفة، ثم من روى عنه ولم يثبت سماعه منه. ثم ذكر بعض الأحاديث كنماذج تطبيقية.
وقد عقد في هذا القسم فصلا عن الحسن البصري، فجاء كلاما ضافيا وافيا أظهر فيه قدرة علمية فائقة فكشف حركة الحديث عن الحسن صحة وعلة. ولعل ابن المديني هو أول من نقل الحديث إلى ميدان الدراسة التحليلية الشاملة المستقصية. ولا بأس أن ننتقل إلى عبارته فلعلها تعطي القارئ مزيد إيضاح وبيان "قال علي: سمع الحسن من عثمان بن عفان وهو غلام، ومن عثمان بن أبي العاص ومن أبي بكر، ولم يسمع من عمران بن حصين شيئا، وليس بصحيح، لم يصح عن الحسن عن عمران سماع من وجه صحيح ثابت.
قلت: سمع الحسن من جابر؟ قال: لا.
قلت: سمع الحسن من أبي سعيد الخدري؟ قال: لا.
كان بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة، استعمله عليها علي، وخرج إلى صفين. وقال في حديث الحسن: خطبنا ابن عباس بالبصرة، إنما
هو كقول ثابت، قدم علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: خرج علينا علي، وكقول الحسن: إن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم، وكقوله: غزا بنا مجاشع".
ولا يفوتني أن أنبه وأنا أتناول هذا القسم بالعرض، إلى أن الباحثين في الحديث قد يقعون في الوهم والخطأ إذا اعتمدوا على كتب التراجم المشهورة وتركوا كتب العلل، فإن أشخاصا كثيرين يذكر لهم السماع وحقيقة الأمر غير ذلك.
والمقارنة بين ما ذكره علي بن المديني هنا عن الحسن البصري، وبين ما ذكره صاحب تهذيب التهذيب تبين للباحث دقة ابن المديني، وتعميم غيره وتوسعه كأن يقول صاحب التهذيب:
"روي عن أبي بن كعب وسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب، ولم يدركهم. وعن ثوبان وعمار بن ياسر وأبي هريرة وعثمان بن أبي العاص ومعقل بن سنان لم يسمع منهم، وعن عثمان وعلي وأبي موسى وعمران بن حصين وجندب البجلي وابن عمرو وابن عباس وابن عمر ومعاوية ومعقل بن يسار وجابر وخلق".
وفي هذه العبارة سمى قوما، وقال: لم يدركهم، وسمى آخرين، وقال: ولم يسمع منهم. وسمى فئة ثالثة، ولم يذكر نفي الإدراك أو السماع. بينما جاء النفي القاطع بعدم سماع الحسن من بعضهم كعمران بن حصين، وابن عباس، وجابر.
القسم الثالث:
وهذا القسم ذكر فيه ابن المديني مجموعة من الأحاديث، وبين علة كل واحد منها، وعرض طرقه عرضا مستفيضا سيرا على أسلوبه الذي سبق وأن أشرت إليه، وفيما يلي مثال من هذا القسم: "قال علي: وحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله".
قال: رواه صالح، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة.
ورواه عقيل، فخالفه صالح في إسناد، فرواه عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب.
ورواه ابن عيينة عن أبي هريرة مرسلا.
ورواه معمر عن الزهري عن عبيد الله مرسلا.
ورواه سفيان بن حسين عن الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة
ورواه عمران القطان فخالفهم جميعا فرواه عن معمر عن الزهري عن أنس عن أبي بكر، والحديث حديث عبد الله".
القسم الرابع:
وفي هذا القسم تعرض لعدد من الرجال، من حيث العدالة والضعف، وثبوت الرواية عنهم أو انقطاعها كما أن فيه البيان لكثير من الوفيات والكنى:
قال علي: إسرائيل ضعيف.
قال علي: عنبسة البصري الذي يروي عن الحسن، روى عنه عبد الوهاب الثقفي: ضعيف.
قال علي: غاضرة بن عروة الفقيمي شيخ مجهول، لم يرو عن غير عاصم بن هلال.
وبعد هذه الجولة في كتاب العلل لابن المديني، أقول: إن هذه المعرفة أساسية لرجل العلل، ومن يستوعبها ويتقنها فلا بد أن يصبح من رجال هذا الفن. وكلام علي هذا مبثوث في الكتب التي جاءت بعده، ككتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.