الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نسخ الكتاب:
توجد في دور المخطوطات نسختان من هذا الكتاب.
النسخة الأولى: في دار الكتب المصرية تحت رقم 389 حديث تيمور، وتبدأ من أول كتاب الصلاة، وتنتهي بكتاب الكسوف، وفيها خروم من البداية.
النسخة الثانية: نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق وهي في مجلدين:
الأول - تحت رقم: الكواكب الدراري 377 (ق 50 - 250) ويبدأ من كتاب الصلاة وينتهي بباب السمر في الفقه والخير بعد العشاء.
الثاني - من حيث انتهى الأول إلى باب الإشارة في الصلاة، وهو تحت رقم الكواكب الدراري 574 (ق 1 - 268) .
منهج ابن رجب في كتابه فتح الباري:
يمتاز جامع البخاري الصحيح على غيره من كتب الحديث بطريقته الفقهية ومن هنا كان على من يتصدى لشرحه أن يكون على دراية واسعة بالحديث والفقه. وهذا ما عرف به ابن رجب من خلال شرح الترمذي من جهة وكتاب القواعد الفقهية من جهة أخرى، وكل منهما في بابه يدل على اكتمال شخصية الرجل العلمية وأهليته لأن يتصدى لمثل البخاري بالشرح، فشرع في هذا الشرح قبيل وفاته بقليل إلا أن المنية اخترمته قبل إتمامه على نفس النهج لكان لابن رجب شأن آخر بين العلماء.
ولقد حاولت استقراء منهج ابن رجب فظهر لي أن منهجه يتلخص بما يلي:
1 -
يذكر ترجمة الباب، ثم يعقب عليها بتعليق ضاف، يتناول ما في الترجمة من القضايا الفقهية، ويذكر آراء العلماء فيها، وكأنه بهذا التعليق يمهد للحديث، بمدخل مناسب، ويلاحظ طول هذا المدخل في النموذجين التاليين بعد هذا المبحث.
2 -
يأتي بعد هذا المدخل ذكر الحديث بإسناده ومتنه كما هو في البخاري.
3 -
يخرج حديث الباب تخريجا واسعا، في الغالب، يستقصي الحديث من جميع رواياته وطرقه، وكثيرا ما يذكرنا هذا التخريج بصنيعه في شرح الترمذي، وإلى جانب التخريج يتكلم عن القضايا الحديثية في الحديث وطرقه، كرفع توهم الانقطاع وإثبات التصريح بالسماع إذا كان الراوي مدلسا، كما يتكلم في الرجال تعديلا وجرحا.
4 -
يتناول فقه الحديث ويفصل قضاياه، ويذكر أقوال العلماء وأدلتهم ويناقش، يرجح، كل ذلك باستيعاب وإطالة غير مخلين، فيجد الباحث نفسه، وهو يستعرض هذه المسائل، مستغرقا مع كتاب موسوعي في الفقه المقارن. وفي النموذج الأول الذي ألحقناه بهذا المبحث مثال على هذا المنهج، فقد تناول قضاء الصلاة الفائتة عمدا بما يزيد على ست لوحات مخطوطة. ويمتاز منهجه هذا بالأدب الجم، والحرص على نسبة كل قول إلى قائلة، والإفاضة في ذكر أدلة كل قول. وهو وإن كان يركز على المذهب الحنبلي، إلا أنه قد يعدل عن هذا المذهب إلى غيره تبعا للدليل القوي.
ولقد عبر صاحب الدارس في تاريخ المدارس عن شمول هذا الكتاب على آراء الكثيرين من الفقهاء بقوله: "ونقل فيه كثيرا من كلام المتقدمين".
وإذا كان الدليل حديثا فإنه يتناول طرقه بنفس الاستقصاء الذي أشرنا إليه سابقا، ويضاف إلى ذلك بحث مستفيض في التعديل والتجريح والتصحيح والتضعيف وذكر العلل، ويعتمد في ذلك على كتاب "علل الدارقطني" إلى جانب مجموعة كبيرة من مصادر علوم الحديث الأصلية.
مقارنة بين كتاب ابن رجب وكتاب ابن حجر:
صنف ابن رجب "فتح الباري بشرح البخاري" وصنف ابن حجر كتابا في نفس الموضوع والعنوان، ومما لا ريب فيه أن ابن رجب هو من طبقة شيوخ ابن حجر، ومن المؤكد أن كتابه متقدم على كتاب ابن حجر.
وكنت أتوقع أن يكون ابن حجر قد اعتمد على شرح ابن رجب، وبحثت في كتابي ابن حجر المعجم والمفهرس، والمجمع المؤسس، وهما كتابان ذكر في أحدهما شيوخه وفي الآخر الكتب التي وصلت إليه، فلم أجد ذكرا لابن رجب ولا لكتابه فتح الباري.
ولجأت إلى كتاب ابن حجر "فتح الباري" أبحث فيه عن استمداد مصنفه من ابن رجب فلم أجد ابن حجر يشير إلى شيء من ذلك، ولم أجد ذكرا لكتاب ابن رجب بالرغم من أن كثيرا من المسائل تعرض لها ابن حجر بكلام قريب جدا من كلام ابن رجب، إلا أن حجر يوجز ويختصر بالنسبة لكتاب ابن رجب.
ومن الفروق الرئيسية فيهما بالإضافة إلى ما ذكرت من الاختصار والتطويل:
1 -
أن ابن حجر يذكر الترجمة مع أحاديث الباب، ثم يبدأ بالشرح، بينما رأينا ابن رجب يذكر الترجمة ثم يعقب عليها بكلام يطول أحيانا ثم يأتي بحديث الباب.
2 -
التخريج عند ابن حجر مادة فرعية يأتي بها عرضا وعند ابن رجب مادة أساسية يطيل فيها غالبا.
3 -
بينما يوجز ابن حجر في عرض الآراء الفقهية ويبرز رأي الشافعية غالبا، فإننا نجد ابن رجب المقابل يفصل الآراء الفقهية ويبرز رأي الحنابلة غالبا.
4 -
يحمل ابن حجر الأحكام المستمدة من الحديث في مكان واحد وغالبا ما يكون آخر الحديث بينما نجد ابن رجب ينثر هذه الأحكام في الباب كله.
وفيما يلي باب من أبواب فتح الباري لابن رجب، وما يماثله عند ابن حجر.
باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر ولا يعيد إلا تلك الصلاة
وقال إبراهيم: من ترك صلاة واحدة عشرين سنة، لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة. يدخل تحت تبويب البخاري رحمه الله ههنا مسألتان:
إحداهما: أن من نسي صلاة ثم ذكرها فإنه يعيدها مرة واحدة، ولا يعيدها مرة ثانية، وهذا قول جمهور أهل العلم، وروي عن سمرة بن جندب أنه يعيدها إذا ذكرها ثم يعيدها من الغد لوقتها، وقد سبق عنه في النوم كذلك. وروي مرفوعا فخرج أبو داود من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم التي نام عليها: إذا سها أحدكم عن الصلاة فليصلها حيث ذكرها، ومن الغد للوقت، وخرج الإمام أحمد من طريق حماد عن كثير بن حرب قال: سمعت سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نسي صلاة فليصلها حين يذكرها، ومن الغد للوقت.
وخرجه أيضا من طريق همام عن كثير عن سمرة، قال: أحسبه مرفوعا، فذكره.
قال أحمد، في رواية أبي طالب: هو موقوف، إن رفعه وهم، وكثير ابن حرب ضعفه غير واحد.
وخرجه البزار في مسنده من طريق أولاده سمرة به: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا إذا نام أحدنا عن الصلاة، أو نسيها، حتى يذهب حينها الذي تصلى فيه أن نصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة.
المسألة الثانية: إذا نسي صلاة ثم ذكرها بعد أن صلى صلوات في مواقيتهن فإنه يعيد تلك الصلاة المنسية وحدها، وها هو معنى ما حكاه النخعي،
وهذا يبنى على أصل، وهو أن ترتيب القضاء هل هو واجب أم لا، وفيه اختلاف، سيذكر في الباب الآتي - إن شاء الله - ومذهب الشافعي أنه مستحب غير واجب، وحكى رواية عن أحمد، وجزم بها بعض الأصحاب. ومذهب أبي حنيفة ومالك، وأحمد - في المشهور عنه - أنه واجب، ثم اختلفوا: فقال أبو حنيفة ومالك يجب الترتيب فيما دون ست صلوات، ولا يجب في ست صلوات فصاعدا، قال أحمد: يجب بكل حال. وحكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه، فمن قال إنه غير واجب قال: يجب الترتيب بين الصلوات الفوائت في القضاء، ولا بين الفائت والحاضر، ومن قال إنه واجب فهل يسقط الترتيب عندهم بنسيان الثانية حتى يصلي صلوات حاضرة، أم لا يسقط بالنسيان؟ فيه قولان: أن يسقط بالنسيان فهو قول النخعي كما ذكره البخاري عنه، وقول الحسن وحماد والحكم وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه وإسحاق. والثاني: لا يسقط بالنسيان فيعيد الفائت وما صلى بعدها وحكى رواية عن أحمد حكاها بعض المتأخرين عنه والله أعلم بصحتها عنه. وأما مالك فعنده إن ذكر قبل أن يذهب وقت الحاضرة، وقد بقي منه قدر ركعة فصاعدا أعادهما، وإن بقي دون ذلك وكان الوقت قد ذهب بالكلية أجزأه، وأما إن صلى الحاضرة وعليه فائتة وهو ذاكر لها: فمن اشترط الترتيب أوجب قضاء ما صلاه وهو ذاكر للفائتة، ومن لم يوجب الترتيب لم يوجب سوى قضاء الفائتة، ويحتمله كلام النخعي الذي حكاه عنه البخاري، ولكن روي عنه صريحا خلافه: فروى مغيرة عن إبراهيم، قال: إذا ترك صلاة متعمدا أعادها وعاد كل صلاة صلاها بعدها.
فيكون الذي حكاه البخاري عنه محمولا على حال النسيان، أو يكون عن النخعي روايتان، وكان الإمام أحمد ورعه واحتياطه في الدين يأخذ في مثل هذه المسائل المختلف فيها بالاحتياط وإلا فإيجاب سنين عديدة ببقاء صلاة واحدة
فائية في الذمة لا يكاد يقوم عليه دليل قوي والذي صح عن ابن عمر في ذلك إنما هو في صلاة واحدة فائتة ذكرت مع اتساع وقت الحاضرة لها فلا يلزم ذلك أن يكون حكم الصلوات إذا كثرت أو تأخر قضاؤها حتى صلى صلوات كثيرة في أوقاتها كذلك. ولهذا فرق أكثر العلماء بين أن تكثر الفوائت أو تقل، ولم ير مالك إلا إعادة الصلاة التي وقتها ولى خاصة فإن إيجاب إعادة صلوات سنين عديدة لأجل صلاة واحدة فيه عسر عظيم تأباه قواعد الحنيفية السمحة، وقد أخبرني بعض أعيان العلماء أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عما يقوله الشافعي وأحمد فيه هذه المسائل أيهما أرجح، قال: ففهمت منه صلى الله عليه وسلم أنه أشار إلى رجحان ما يقوله الشافعي رحمه الله ومما يدل على صحة ذلك حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم، فهذا يدل على أن من عليه صلاة واحدة لم يأمره الله بأن يصلي زيادة عليها.
قال البخاري رحمه الله ثنا أبو نعيم وموسى بن إسماعيل قالا: ثنا همام، عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من نسي صلاة فليصل إذا ذكر لا كفارة لها إلا ذلك "وأقم الصلاة لذكري"، قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد (وأقم الصلاة لذكري)، وقال حبان: ثنا همام، ثنا قتادة، ثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
هذا الحديث قد رواه جماعة عن همام، وجماعة عن قتادة، وقد خرجه مسلم من طريق همام وأبي عوانة وسعيد والمثنى كلهم عن قتادة، عن أنس، وليس في رواية أحد منهم التصريح بقول قتادة:(ثنا) أنس كما ذكر البخاري أن حبانا رواه عن همام وإنما احتاج إلى ذلك لما عرف من تدليس قتادة.
ولفظ رواية سعيد عن قتادة التي خرجها مسلم: من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، ولفظ حديث المثنى عن قتادة عنده إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، وقد دل الحديث
على وجوب القضاء على النائم إذا استيقظ والناسي إذا ذكر وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، وذكر ابن عبد البر أن محمد بن (رسم) روى عن محمد بن الحسن أن النائم إذا فاتته في نومه أكثر من خمس صلوات لا قضاء عليه إلحاقا للنوم الطويل إذا زاد على يوم وليلة بالإغماء، والمغمى عليه لا قضاء عليه عنده، ويكون الأمر عنده بالقضاء في النوم المعتاد، وهو ما تفوت فيه الصلاة أو صلاتان أو دون خمس أو أكثر وأخذ الجمهور بعموم الحديث وقوله فليصل إذا ذكر استدل به من يقول بوجوب قضاء الصلوات على الفور وهو قول أبي حنيفة ومالك، وأحمد يوجبه بكل حال، قلت الصلوات أو كثرت واستدلوا أيضا بقوله: لا كفارة لها إلا ذلك، وذهب الشافعي إلى أن القضاء على التراخي كقضاء صيام رمضان، وليس الصوم كالصلاة، فإن الصيام لا يجوز تأخيره حتى يدخل نظيره من العام القابل، والصلاة عندهم بخلاف ذلك، واستدلوا أيضا بتأخير النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة حتى خرج من الوادي وفيه نظر، فإن ذاك تأخير يسير لمصلحة تتعلق بالصلاة، وهو التباعد عن موضع تكره الصلاة فيه وقد روي عن سمرة بن جندب فيمن عليه صلوات فائتة أنه يصلي مع كل صلاة صلاة، وقد روي عنه مرفوعا خرجه البزار بإسناده ضعيف. ولأصحاب الشافعي فيما إذا كان الفوات بغير عذر في جوب القضاء على الفور وجهان، وحمل الخطابي قوله لا كفارة لها إلا ذلك على وجهين:
أحدهما: أن المعنى: أنه لا يجوز له تركها إلى بدل، ولا يكفرها غير قضائها.
والثاني: أن المعنى أنه لا يلزمه في نسيانها كفارة، ولا غرامة. قال: إنما عليه أن يصلي ما فاته.
وقد روي عن أبي هريرة مرفوعا: من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها، خرجه الطبراني والدارقطني والبيهقي من رواية حفص بن أبي العطاف، واختلف عليه في إسناده إلى أبي هريرة، وحفص هذا قال عنه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال يحيى بن يحيى: كذاب، ولا يلتفت إلى ما تفرد به.
وأما تلاوته قوله تعالى: (أقم الصلاة لذكري)، وقد رواه قتادة مرة فقال: للذكرى ومرة قال لذكري كما هي القراءة المتواترة، وكان الزهري - أيضا - يقرأها للذكرى وهذه القراءة أظهر في الدلالة على الفور، لأن المعنى: أد الصلاة حين الذكرى والمعنى أنه يصلي الصلاة إذا ذكرها، وبذلك فسرها أبو العالية والشعبي والنخعي وقال مجاهد: أقم الصلاة لذكري أي تذكرني قال: فإذا صلى عبد ذكر ربه، ومعنى قوله: أقم الصلاة لذكري، أي لأجل ذكري بها، والصلاة إنما فرضت ليذكر الله بها كما في حديث عائشة المرفوع: إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله، خرجه الترمذي وأبو داود، فأوجب الله على خلقه كل يوم وليلة أن يذكروه خمس مرار بالصلاة المكتوبة، فمن ترك شيئا من ذكر الله الواجب عليه سهوا فليعد إليه إذا ذكر، كما قال تعالى: واذكر ربك إذا نسيت فقد أمره إذا نسي ربه أن يذكره بعد ذلك، فمن نسي الصلاة فقد نسي ذكر ربه، فإذا ذكر أنه نسي فليعد إلى ذكر الله بعد نسيانه".
وأما ترك الصلاة متعمدا فذهب أكثر العلماء إلى لزوم القضاء له، ومنهم من يحكيه إجماعا واستدل بعضهم بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم اقضوا الله الذي له، فالله أحق بالقضاء. واستدل بعضهم بأنه إذا أمر المعذور بالنوم والنسيان أمره بالقضاء، فغير المعذور أولى، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن المعذور إنما أمره بالقضاء لأنه جعل قضاءه كفارة له، والعامد ليس القضاء كفارة له، فإنه عاص تلزمه التوبة من ذنبه بالاتفاق، ولهذا قال الأكثرون لا كفارة على قاتل العمد، ولا على من حلف يمينا متعمدا فيها الكذب، لأن الكفارة لا تمحو ذنب هذا، وأيضا فإذا قيل إن القضاء إنما يجب بأمر جديد، وهو ألزم لكل من يقول بالمفهوم فلا دليل على إلزام العامد بالقضاء فإنه ليس لنا أمر جديد يقتضي أمره بالقضاء كالنائم والناسي.
واستدل بعضهم للزوم العامد القضاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المجامع في رمضان عمدا بالقضاء كما خرجه أبو داود، وهو حديث في إسناده مقال، تفرد به من لا يوثق بحفظه وإتقانه، وأيضا فيفرق بين من ترك
الصلاة والصيام، ومن دخل فيهما ثم أفسدهما فالثاني عليه القضاء كمن أفسد حجه، والأول كمن وجب عليه الحج ولم يحج، وإنما أمره أن يحج بعد ذلك لأن الحج فريضة العمر، فمذهب الظاهرية أو أكثرهم أنه لا قضاء على المتعمد.
وحكي عن عبد الرحمن صاحب الشافعي بالعراق، وعن ابن بنت الشافعي، وهو قول أبي بكر الحميدي في الصوم والصلاة إذا تركهما عمدا، أنه لا يجزئه قضاؤهما، ذكره في عقيدته في آخر مسنده، ووقع مثله في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين منهم الجوزجاني، وأبو محمد البربهاري وابن بطة. قال ابن بطة: اعلم أن للصلاة أوقاتا فمن قدمها على أختها فلا فرض له من عذر وغيره ومن أخرها عن وقتها مختارا من غير عذر فلا فرض له فجعل الصلاة بعد الوقت لغير عذر كالصلاة قبل الوقت، وقال في كل منها أنه ليس بفرض، يريد أنها تقع نفلا في الحالين، وقال البربهاري: الصلوات لا يقبل الله منها شيئا إلا أن تكون لوقتها إلا أن تكون نسيانا، فإنه معذور يأتي بها إذا ذكرها فيجمع بين الصلاتين إن شاء. وقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله فكيف يؤمر بفعل صلاة.
وروي عن طائفة من السلف منهم الحسن. وحكى الخلاف في ذلك إسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي، فقال محمد بن نصر في كتاب الصلاة: إذا ترك الرجل صلاة مكتوبة متعمدا حتى ذهب وقتها فعليه قضاؤها، لا نعلم في ذلك خلافا إلا ما روي عن الحسن، فمن أكفره بتركها استتابه وجعل توبته وقضاءها رجوعا منه إلى الإسلام، ومن لم يكفر تاركها ألزمه المعصية وأوجب عليه قضاءها، وكان إسحاق يكفر بترك الصلاة ويرى عليه القضاء إذا تاب. وقال: أخبرني ابن أبي رزمة عن ابن المبارك أنه سأله رجل عن رجل ترك صلاة أياما ثم ندم، قال: يقضي ما ترك من الصلاة، قال: ثم أقبل ابن المبارك علي، فقال: هذا يستقيم على الحديث. قال إسحاق: يقول القياس على الأصل أن لا يقضي، وربما بني على الأصل ثم يوجد في ذلك الشيء بعينه خلاف البناء، فمن ههنا خاف ابن المبارك أن يقيس تارك الصلاة في الإعادة على ما جاء أنه قد كفر فيجعله كالمشرك، ورأى أحكام المرتدين على
غير أحكام الكفار. رأى قوم أن يورثوا المسلمين من ميراث المرتد فأخذ بالاحتياط فرأى القضاء على تارك الصلاة عمدا، وكان يكفره إذا تركها عمدا حتى يذهب وقتها.
قال إسحاق: وأكثر أهل العمل على إعادة الصلاة إذا ترك صلاة متعمدا فهو كما قال ابن المبارك: الإعادة لا تستقيم على الحديث، ثم ترك القياس في ذلك فاحتاط في القضاء. قال إسحاق: ولقد قال بعض أهل العلم إذا ارتد عن الإسلام ثم أسلم أعاد كل صلاة تركها في ردته، وحجته أن ارتداده معصية، ومن كان في معصية لم يجعل له من الرخصة شيء، كالباغي، وقاطع الطريق.
قلت: قد اعترف ابن المبارك وإسحاق بأن القياس أن ترك الصلاة إذا حكمنا بكفره فإنه يكون مرتدا ولا قضاء عليه، وإنما أوجبنا القضاء على المرتد هما روايتان عن أحمد. ومذهب الشافعي وغيره الوجوب. وهذا الكلام من ابن المبارك وإسحاق يدل على أن من كفر تارك الصلاة عمدا كفره بذلك بمجرد خروج وقت الصلاة عليه ولم يعتبر أن يستتاب، ولا أن يدعى إليها، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة أيضا، وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا كالخرقي وأبي بكر وابن أبي موسى، ثم قال محمد بن نصر: فأما المروي عن الحسن فإن إسحاق ثنا، قال ثنا النضر عن الأشعث، عن الحسن قال إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدا فإنه لا يقضيها، قال محمد بن نصر: قول الحسن هذا يحتمل معنيين: أحدهما أنه كان يكفره بترك الصلاة متعمدا، فلذلك لم ير عليه القضاء، لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره، والمعنى الثاني: أنه لم يكن يكفره بتركها فإنه ذهب إلى أن الله عز وجل إنما افترض عليه أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد لزمته المعصية لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه، فإذا أتي به بعد ذلكن فقد أتي به
في وقت لم يؤمر بإتيانه به فيه. ولا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به عن المأمور به، قال: وهذا قول مستنكر بالنظر، لولا أن العلماء قد اجتمعت على خلافه، قال: ومن ذهب إلى هذا قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها وفي النائم أيضا أنه لو لم يأت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، لما وجب عليه من النظر قضاؤها أيضا، انتهى ما ذكره ملخصا.
وقد اعترف بأن القياس يقتضي أنه لا يجب القضاء على من تركها متعمدا، فإنه إن كان كافرا بالترك متعمدا، فالقياس أن لا قضاء على الكافر، لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، وليس فيه أمر جديد، وإنما أمر بالقضاء من يكون القضاء كفارة له، وهو المعذور، والعامد لم يأت نص بأن القضاء من له، بل ولا يدل عليه النظر، لأنه عاص آثم يحتاج إلى توبة كقاتل العمد وحالف اليمين الغموس، وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة الحسن مع جلالته وفضله وسمع علمه وزهده وورعه، ولم يعرف عن أحد من الصحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحا عن التابعين أيضا، فيه شيئا، إلا عن النخعي، وقد وردت آثار كثيرة عن السلف في تارك الصلاة عمدا أنه لا يقبل منه صلاة، كما روي عن الصديق - رضي الله عن هـ - أنه قال لعمر في وصيته له: أن لله حقا بالليل ولا يقبله بالنهار. وفي حديث مرفوع: ثلاثة لا تقبل لهم صلاة: منهم الذي لا يأتي الصلاة إلا دبارا، يعني فوات الوقت. خرجه أبو داود وبان ماجه من حديث عبد الله بن عمرو، مرفوعا، وفي إسناده ضعيف، ولكن مجرد نفي القبول لا يستلزم عدم وجوب الفعل كصلاة السكران في مدة الأربعين، وصلاة الآبق والمرأة التي زوجها عليها ساخط.
فإن قيل فقد قال تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) وفسره الصحابة بإضاعة مواقيتها، وكذا قال ابن مسعود في المحافظة على الصلاة المحافظة على مواقيتها، وإن تركها كفر، ففرقوا بين تركها وبين صلاتها بعد وقتها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة خلف من
يضيع الصلاة ويصليها لغير وقتها، وهذا يدل على أن صلاتهم صحيحة، وقد سئل عن الأمراء وقتالهم، قال: لا، ما صلوا، وكانت على هذا الوجه، فدل على إجزائها.
قيل السهو عن مواقيت الصلاة لا يستلزم متعمد التأخير عن الوقت الحاضر، فإنه قد يقع على وجه التهاون بتأخير الصلاة حتى يفوت الوقت أحيانا عن غير تعمد لذلك، وقد يكون تأخيرها إلى وقت الكراهة، أو إلى الوقت المشترك الذي يجمع فيه أهل الأعذار عند جمهور العلماء وغيرهم على رأي طائفة من المدنيين، وهذه الصلاة كلها مجزئة، ولا يكون المصلي لها كالتارك بالاتفاق، وقد سئل سعيد بن جبير عن قوله تعالى: (فويل للمصلين
…
) الآية، فدخل المسجد فرأى قوما قد أخروا الصلاة لا يتمون ركوعا ولا سجودا فقال: الذين سألتموني عنهم هم هؤلاء، هذه الصلاة مثل الصلاة التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المنافقين وهكذا كانت صلاة الأمراء الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة خلفهم نافلة، فإنهم كانوا يؤخرون العصر إلى اصفرار الشمس وربما أخروا الصلاتين إلى ذلك الوقت، وهو تأخير إلى الوقت المشترك لأهل الأعذار وكغيرهم عند طائفة من العلماء فليس حكمهم حكم من ترك الصلاة، فإن التارك هو المؤخر عمدا إلى وقت مجمع على أنه غير جائز، كتأخير صلاة الليل إلى النهار، وصلاة النهار إلى الليل عمدا وتأخير الصبح إلى بعد طلوع الشمس عمدا، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن نقص الفرائض يجبر من النوافل يوم القيامة.
وفيما يلي شرح هذا الحديث من فتح الباري لابن حجر:
باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة
وقال إبراهيم: من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة.
حدثنا أبو نعيم وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا همام عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك (وأقم الصلاة لذكري) .
قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد: (وأقم الصلاة للذكرى) وقال حبان: حدثنا همام حدثنا قتادة، حدثنا أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
قوله: "باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر، ولا يعيد إلا تلك الصلاة" قال علي بن المنير: صرح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوة دليله، ولكونه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر فمن قضى الفائتة كمل العدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب لقول الشارع "فليصلها" ولم يذكر زيادة، وقال أيضا:"لا كفارة لها إلا ذلك"، فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها، وذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصلي التي ذكر ثم يصلي التي كان صلاها مراعاة للترتيب. انتهى.
ويحتمل أن يكون البخاري أشار بقوله: "ولا يعيد إلا تلك الصلاة" إلى تضعيف ما وقع في بعض طرق حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن الصلاة، حيث قال:"فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها"، فإن بعضهم زعم أن ظاهره إعادة المقضية مرتين عند ذكرها وعند حضورها مثلها من الوقت الآتي، ولكن اللفظ المذكور ليس نصا في ذلك لأنه يحتمل أن يريد بقوله:"فليصلها" عند وقتها أي الصلاة التي تحضر لا أنه يريد أن يعيد التي صلاها بعد خروج
وقتها، لكن في رواية أبي داود من حديث عمران بن حصين في هذه القصة:"من أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض معها مثلها". قال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بظاهره وجوبا. قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء. انتهى.
ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضا، بل عدوا الحديث غلطا من راويه، وحكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري. ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أيضا:"أنهم قالوا: يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم".
قوله: (وقال إبراهيم) أي النخعي، وأثره هذا موصول عند الثوري في جامعه عن منصور وغيره عنه. قوله:"عن همام" هو ابن يحيى، والإسناد كله بصريون. قوله:"من نسي صلاة فليصل" كذا وقع في جميع الروايات بحذف المفعول، ورواه مسلم عن هداب بن خالد عن همام بلفظ "فليصلها" وهو أبين للمراد. وزاد مسلم أيضا من رواية سعيد عن قتادة "أو نام عنها" وله من رواية المثنى بن سعيد الضبعي عن قتادة نحوه وسيأتي لفظه، وقد تمسك بدليل الخطاب منه القائل إن العامد لا يقضي الصلاة لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلن وقال من قال: يقضي العامد بأن ذلك مستفاد من مفهوم الخطاب فتكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا وجب القضاء على الناس - مع سقوط الإثم ورفع الحرج عنه - فالعامد أولى. وادعى بعضهم أن وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله:"نسي" لأن النسيان يطلق على الترك، سواء كان عن ذهول أم لا، ومنه قوله تعالى:(نسوا الله فأنساهم أنفسهم - نسوا الله فنسيهم) .
قال: ويقوي ذلك قوله: "لا كفارة لها" والنائم والناسي لا إثم عليه. قلت: وهو بحث ضعيف لأن الخبر بذكر النائم ثابت وقد قال فيه: "لا كفارة لها" والكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد والقائل بأن العامد
لا يقضي لم يرد أنه أخف حالا من الناسي، بل يقول إنه لو شرع له القضاء لكان هو والناسي سواء، والناسي غير مأثوم بخلاف العامد، فالعامد أسوأ حالا من الناسي فكيف يستويان؟ ويمكن أن يقال إن إثم عليه مطلقا، ووجوب القضاء على العامد بالخطاب الأول لأنه قد خوطب بالصلاة وترتبت في ذمته فصارت دينا عليه، والدين لا يسقط إلا بأدائه فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها ويسقط عنه الطلب بأدائها، فمن أفطر من رمضان عامدا فإنه يجب عليه أن يقضيه مع بقاء إثم الإفطار عليه، والله أعلم.
قوله: "قال موسى" أي دون أبي نعيم "قال همام: سمعته" يعني قتادة "يقول بعد" أي في وقت آخر "للذكرى" يعني أن هماما سمعه من قتادة مرة بلفظ للذكرى" بلامين وفتح الراء بعدها ألف مقصورة، ووقع عند مسلم من طريق يونس أن الزهري كان يقرأها كذلك، ومرة كان يقولها قتادة بلفظ "لذكري" بلام واحدة وكسر الراء وهي القراءة المشهورة. وقد اختلف في ذكر هذه الآية هل هي من كلام قتادة أو هي من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية مسلم عن هداب قال قتادة: "وأقم الصلاة لذكري" وفي روايته من طريق المثنى عن قتادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: (وأقم الصلاة لذكري) وهذا ظاهر أن الجميع من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، واستدل به على أن شرع من قبلنا شرع لنا لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى عليه الصلاة والسلام وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ، واختلف في المراد بقوله:"لذكري"، فقيل المعنى لتذكرني فيها وقيل: لأذكرك بالمدح، وقيل إذا ذكرتها لك إياها، وهذا يعضد قراءة من قرأ "للذكرى"، وقال النخعي: اللام للظرف، أي إذا ذكرتني أي إذا ذكرت أمري بعدما نسيت، وقيل: لا تذكر فيها غيري، وقيل: شكرا لذكري، وقيل: المراد بقوله ذكري أمري، وقيل: المعنى إذا ذكرت الصلاة فقد ذكرتني فإن الصلاة عبادة الله فمتى ذكرها ذكر المعبود فكأنه أراد لذكر الصلاة وقال