الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
7 - تأثر ابن رجب بابن تيمية وبابن القيم ومخالفته لهما في بعض المسائل
يقف ابن تيمية علما على رأس القرن الثامن الهجري، وقد ضمت مدرسته أكابر علماء هذا العصر كالمزي والذهبي وابن كثير وابن القيم. ولا شك أن أشدهم تأثرا به هو ابن القيم الذي رافقه في سجنه حتى وافاه الأجل. فتشرب الرجل أخلاق شيخه وتبنى أفكاره وحرر أدلة اختياراته.
وقد انتقل هذا التأثير إلى ابن رجب عبر شيخه ابن القيم كسائر الحنابلة في عصره، ولكن شخصية ابن رجب العلمية جعلته يراجع القضايا التي تبناها شيخه ويقدح فيها زناد ذهنه فكانت النتيجة أن خالف شيخه في بعضها، ومن ذلك قضية الطلاق، وأن لفظ الثلاث يقع واحدة، وأنه طلاق رجعي، هذا مذهب ابن تيمية وابن القيم، اعتمادا على حديث يرويه طاوس، عن ابن عباس، وقد جاء إليه أبو الصهباء، فقال: يا ابن عباس، ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر رضي الله عنهما ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم.
وقد أثارت هذه المسألة خلافات فقهية لا تقل عن تلك التي أثارتها وجهات النظر المتباينة في موضوع الصفات.
وكان لابن رجب موقف من هذه القضية. وألف في ذلك رسالة اعتمد عليها الشيخ زاهد الكوثري في كتابه "الإشفاق على أحكام الطلاق"، فقال: وكان ابن رجب من اتبع الحنابلة منذ صغره لابن القيم وشيخه، ثم تيقن ضلالهما في كثير من المسائل، ورد قولهما في هذه المسألة في كتاب سماه "مشكل
الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة" - ومن جملة ما يقول ابن رجب في كتابه المذكور: "اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين، ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة، إذا سيق بلفظ واحد" وأما حديث ابن عباس، فقد قال ابن رجب: فهذا الحديث لأئمة الإسلام فيه طريقان، أحدهما مسلك الإمام أحمد ومن وافقه، وهو يرجع إلى الكلام في إسناد الحديث، لشذوذه وانفراد طاوس به، وأنه لم يتابع عليه، وانفراد الراوي بالحديث مخالفا للأكثرين هو علة في الحديث، يوجب التوقف فيه، وأنه يكون شاذا ومنكرا إذا لم يرو معناه من وجه يصح، وهذه طريقة المتقدمين كالإمام أحمد، ويحيى القطان ويحيى بن معين، ثم قال ابن رجب: ومتى أجمع علماء الأمة على اطراح العمل بحديث وجب اطراحه، وترك العمل به.
ثم قال ابن رجب: وقد صح عن ابن عباس وهو راوي الحديث أنه أفتى بخلاف هذا الحديث، ولزوم الثلاث المجموعة، وقد علل بهذا أحمد والشافعي كما ذكره الموفق ابن قدامة في المغني. وهذه أيضا علة في الحديث بانفرادها فكيف وقد انضم إليها علة الشذوذ، والانكار، وإجماع الأمة على خلافه.
وعن طريق الثاني يقول ابن رجب: وهو مسلك ابن راهويه ومن تابعه، وهو الكلام في معنى الحديث، وهو أن يحمل على غير المدخول بها. وقد ذكر الشيخ الكوثري أدلة ابن رجب على هذا، وهي أدلة قوية.
وقد ذكر ابن حجر عدول ابن رجب عن بعض مقالات ابن تيمية، فقال في الإنباء: ونقم عليه إفتاؤه بمقالات ابن تيمية ثم أظهر الرجوع عن ذلك فنافره