المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌افتراءات الملحد لأصول الإسلام تماديا في الإنكار على الشيخ والرد عليه - البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار

[فوزان السابق]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌إظهار ما في صدر خطبة الملحد العظمى من جهل وتناقض

- ‌تحريف الملحد لكلام الله وتصرفه فيه

- ‌أفاضل علماء مصر والهند والعراق الذين ردوا على دحلان والنبهاني

- ‌الرد على الملحد في زعمه أن الاجتهاد بدعة

- ‌قول الإمام ابن القيم في الحض على الاجتهاد

- ‌قول الإمام الشاطبي في مختصر تنقيح الفصول: إن الاجتهاد فرض كفاية

- ‌قول الجلال السيوطي في كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض

- ‌فصول من كتاب السيوطي في نصوص المحققين في الاجتهاد

- ‌نقض زعم الملحد أنه متفق مع أهل السنة على مذهب السلف

- ‌إننا والحمد لله على مذهب السلف لم نخرج عنه

- ‌أدلة من كلامه في رسالته: أنه عدو للحديث ولمذهب السلف

- ‌بيان مذهب السلف، ومن هم السلف

- ‌جمل من رسالة الملحد في محاربته لمذهب السلف

- ‌افتراؤه الكذب: أن التوسل بالموتى في القرآن والحديث

- ‌كذبه على الأئمة الأربعة بأنهم دعوا الناس إلى تقليدهم

- ‌نقل ابن القيم عن الأئمة النهي عن التقليد

- ‌تكفير الملحد لعلماء السلف

- ‌أقوال ثقات المؤرخين في صحة عقيدة الوهابيين

- ‌كلام العلامة المصري محمود فهمي

- ‌كلام العلامة محمد بن علي الشوكاني في مدح الإمام عبد العزيز بن سعود

- ‌قصيدة العلامة محمد بن الأمير الصنعاني في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌كلام الشيخ عبد الكريم الهندي في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌نقض ما زعمه الملحد من طغيان الوهابيين وبغيهم بالحجاز

- ‌كلام المؤرخ المصري في أن الوهابيين طهروا الحجاز من الشرك والفساد

- ‌كلام الشيخ عبد الرحمن الجبرتي في تطهير الوهابيين الحجاز من الشرك والفساد

- ‌حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى والي مكة الشريف أحمد بن سعيد

- ‌كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى علماء مكة

- ‌المناظرات التي كانت بين علماء نجد وعلماء مكة

- ‌سرور الملحد من ظهور أهل الباطل على أهل الحق والتوحيد

- ‌ثناء الملحد على دحلان لاتفاق روحيهما الخبيثتين

- ‌تزوير الملحد ل‌‌تاريخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌تاريخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌فصل - استطراد في سيرة الشيخ محمد عبد الوهاب وبعض أقواله

- ‌طعن الملحد في آل سعود لنصرتهم للشيخ والرد عليه

- ‌طعنه في آل الشيخ والرد عليه

- ‌موقف سليمان بن عبد الوهاب من أخيه الشيخ محمد وكذب الملحد في روايته عنه

- ‌افتراءات الملحد لأصول الإسلام تماديا في الإنكار على الشيخ والرد عليه

- ‌أصل مذهب الوهابيين من القرآن وسنة النبي عليه الصلاة والسلام

- ‌افتراء الملحد عليهم في الصفات والرد عليه

- ‌الوهابيون لم ينبشوا القبور بل سووها اتباعا لسنة الرسول عليه السلام

- ‌قول الملحد ببطلان مذهب الوهابية لأنه كمذهب الصحابة والتابعين

- ‌ادعاؤه أن الوهابيين ينكرون الإجماع ودحض مفترياته

- ‌قول الملحد بعدم جواز تقليد الصحابة والتابعين والرد عليه

- ‌أقوال العلماء في وجوب اتباع الصحابة

- ‌الوهابيون متبعون لا مبتدعون

- ‌أقوال الأئمة والعلماء في النهي عن التقليد والحض على الاجتهاد

- ‌هل على العامي أن يتمذهب بمذهب معين؟ رأي الإمام ابن القيم في ذلك

- ‌افتراء الملحد على الوهابيين في الإجماع على القراءات

- ‌ادعاء الملحد بأن الإجماع عرف بعد عصر الأئمة الأربعة

- ‌زعمه أن الأمة كلها على السنة وتفنيد مفترياته

- ‌الفرق بين التقليد والاتباع

- ‌مناقشة المقلدين

- ‌التقليد قبول قول بلا حجة

- ‌أدلة جديدة على إبطال التقليد

- ‌المذهب: معناه دين مبدل

- ‌الواجب على كل مسلم: الاجتهاد في معرفة معاني القرآن والسنة

- ‌لم يقل أحد من أهل السنة: إن إجماع الأربعة حجة معصومة

- ‌افتراءات أخرى للملحد على الوهابيين ودحضها

- ‌كذبه على الفخر الرازي

- ‌كذبه على الوهابيين بأنهم قالوا إن الدين كان واحدا وجعله الأئمة أربعا

- ‌بيان جهل الملحد

- ‌ليس الأئمة سبب الاختلاف بل هو من غلاة المقلدين

- ‌عداوة الملحد لكتب الحديث وأهل الحديث

- ‌ نبذة من سيرة أئمة المذاهب

- ‌قول الملحد برفع الحرج عن الأمة بتعدد بتعدد الأهواء

- ‌في هذا القول طعن فيما كان عليه رسول الله وأصحابه

- ‌كذبه على شيخ الإسلام ابن تيمية

- ‌إنكاره بقاء الاجتهاد في الأمة

- ‌جهله بالأصول والقواعد والمصطلحات

- ‌ذكر جملة من العلماء المجتهدين

- ‌افتراؤه بوجود أولياء كانوا يتلقون الشريعة من ذات صاحبها عليه السلام بدون واسطة

- ‌اعتباره التلفيق أصلا في الشريعة

- ‌ادعاؤه أن الاختلاف هو عين الرحمة والرد عليه من الكتاب والسنة وكلام العلماء

- ‌كذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌افتراء الملحد على أئمة أهل الحديث والرد عليه

- ‌مبدأ جمع الحديث وتأليفه وانتشاره

- ‌ طبقات كتب الحديث

- ‌بين أئمة المذاهب وأئمة الحديث

- ‌ادعاء الملحد أن الأمة لم تجمع على صحيح البخاري

- ‌جهله بالأصول وطعنه في أحاديث الرسول

- ‌الملحد ليس على مذهب من المذاهب الأربعة

- ‌عقيدة الملحد في التوسل والرد عليها

- ‌افتراؤه بأن القرآن جاء بالتوسل بالرسل والأولياء

- ‌ادعاؤه بأنه لا يجوز تطبيق صفات الكافرين والمشركين على المسلمين ولو عملوا مثل أعمالهم واعتقدوا مثل عقائده

- ‌قوله بحياة الرسول في قبره والرد عليه

- ‌تناقضه بادعائه الاجتهاد الذي نفاه نفاه قبلا وتفسيره القرآن بهواه

- ‌أقوال العلماء في الحياة البرزخية

- ‌افتراء الملحد على الوهابيين أنهم أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌زعمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب استقلالا

- ‌عقيدته في الزيارة ودحض مفترياته

- ‌إقامة المواليد بدعة وضلالة

- ‌تحريف الملحد لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية وصرفه عن معناه

- ‌نص كلام شيخ الإسلام ابن تيمية

- ‌حنقه على شيخ الإسلام لتحقيقه توحيد الله تعالى وإفراده بجميع أنواع العبادات

- ‌لم يحرم شيخ الإسلام ابن تيمية زيارة القبور على الوجه المشروع بل منع تعظيمها وشد الرحال إليها اتباعا للسنة

- ‌كل من تصدى للرد على شيخ الإسلام كانوا من حثالة المقلدين

- ‌زيارة القبور الشرعية ليست مباحة فقط، بل هي سنة مؤكدة

- ‌ليس قصد التبرك من زيارة القبور إلا على دين المشركين الأولين

- ‌خلط الملحد بين التوسل والاستشفاع والاستغفار

- ‌جعله التوسل إلى الله كالتوسل إلى السلاطين

- ‌كذبه على الله بأن الشرع أباح التوسل

- ‌فصل من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة

- ‌افتراء الملحد بأن الوهابيين يعتقدون تأثير الأعراض

- ‌جهله بأن الدعاء هو العبادة

- ‌لم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة إن التوسل هو دعاء الأموات

- ‌إن الله لم يتعبدنا باتباع عقولنا بل أرسل إلينا رسولا بالمؤمنين رؤوف رحيم

- ‌ما جاء عن المصطفى صلى الله عليه وسلم لحماية حمى التوحيد

- ‌هذا الملحد المخذول هو الذي عارض الرسول عليه السلام في أصل رسالته

- ‌شهادة للوهابيين بالإيمان بالقرآن وإنكاره عليهم محبة الرسول وهذا مما لا يتفق مع الشهادة

- ‌الوهابيون بحمد الله سميعون مطيعون منفذون لكلام الله ولسنة رسوله عليه الصلاة والسلام

- ‌حديث "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وتلاعب الملحد به

- ‌آية {من يشفع شفاعة حسنة} وإلحاده في معناها

- ‌حديث "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك" وبيان أنه واه

- ‌كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث

- ‌تضعيف حديث قصة فاطمة بنت أسد

- ‌نقض دعوى الملحد أن النبي يتوسل بنفسه وبالأنبياء

- ‌نقض دعوى الملحد في حديث الأعمى والكلام على ضعفه ومعناه

- ‌كذب الملحد في دعوى عمل الصحابة بحديث الأعمى

- ‌تحريف الملحد للمنام بجعله حديثا

- ‌قصة رؤيا بلال بن الحارث مكذوبة

- ‌تحريف الملحد في توسل عمر بالعباس

- ‌كذب حديث توسل آدم برسول الله

- ‌تحريف الملحد في استدلاله على دعاء الموتى بحديث الشفاعة

- ‌أقوال علماء السلف في حديث الشفاعة

- ‌تحريف الملحد في استدلاله بحديث "يا عباد الله احبسوا

- ‌كفر الحاج مختار بضربه الأمثال لله بخلقه

- ‌ضلال الملحد وسادته في معاني الاستشفاع والاستغفار والتوسل

- ‌نحريف الملحد لآيات القرآن في الاستشفاع والاستغفار والتوسل

- ‌كذب الملحد وشيعته على الوهابيين بدعوى تحريم الصلاة على رسول الله

- ‌أكاذيب دحلان وضلالاته في تسوية الأحياء بالأموات

- ‌معارضة الملحدين نصوص الكتاب والسنة بأهوائهم

الفصل: ‌افتراءات الملحد لأصول الإسلام تماديا في الإنكار على الشيخ والرد عليه

‌افتراءات الملحد لأصول الإسلام تماديا في الإنكار على الشيخ والرد عليه

قال الملحد: "وما ظفر اللعين وأولاده بأحد ممن رد عليهم إلا قتلوه وأفرطوا في قتل العلماء سيما في مدة استيلائهم على الحرمين. وكانوا إذا جاءهم من يريد اتباعهم أمروه بأن يشهد على نفسه وعلى أبويه: أنهم كانوا مشركين، وأن الناس كلهم منذ ستمائة سنة على شرك. ويأمرونه بلعن جماعة من العلماء والأشراف يسمونهم له. فإن فعل قبلوه ولقنوه مذهبهم، وأمروه بإعادة حجه إن كان حج قبلاً، لأنه حج على طريقة المشركين وإن امتنع عن هذه الأمور قتلوه فالقادم عليهم لا يتخلص من الموت إلا بالكفر، ونهبوا الحجرة الشريفة، وأخذوا كل ما فيها، فاستعاد إبراهيم باشا ما وجده عندهم، وأعاده للحجرة، وفقد ما كانوا أعطوه لأتباعهم، وكانوا يتأولون في تكفير المسلمين آيات نزلت في حق المشركين، ويفسرونها لأتباعهم بما ينطبق على مذهبهم. وكانوا يتسترون بالدعوة إلى التوحيد، وما هم منه على شيء، ويدعون الانتساب إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل وهو بريء منهم، ويصرحون بتكفير كل من يخالف مذهبهم، وأن المسلمين كلهم مشركون ويستحلون دم كل مسلم وماله وعرضه، ويصرحون بأن لا إيمان إلا باتباعهم، ولا يتحاشون من الطعن بالرسول عليه الصلاة والسلام بكل بذاءة. ومن قواعد مذهبهم وأصوله التي لا خلاف بين المسلمين بأنها من المكفرات:

أولاً: قولهم إن الله أرسل محمداً وأنزل عليه القرآن ليبلغه للناس، وما أذن له بأن يشرع للناس أشياء من عنده. فالدين كله في القرآن وكل ما جاء في الحديث ويسميه المسلمون سنة واجبة فهو باطل، ولا يجوز التعبد والعمل به.

ثانياً: قولهم حيث إن محمداً بلغ القرآن ومات. فعند نزول آخر آية من القرآن انتهت رسالة محمد، وسقطت عنه حقوق الرسالة. وهذا معنى تسميته "طارشاً" ومعناه عندهم مرسل جاء برسالة فبلغها وذهب، فلا علاقة للناس فيه والالتفات إليه شرك.

ثالثاً: قولهم إن الرسل والأنبياء كسائر الناس لافرق ولا تفاضل بينهم.

ص: 90

رابعاً: أقولهم البذيئة في حقه عليه الصلاة والسلام منها قولهم: إن العصا خير من محمد لأنها ينتفع بها ومحمد قد مات، فأي نفع منه؟ ويحظرون الصلاة والتسليم عليه ولو في التشهد ويقولون: إنه شرك بالله، ويقتلون من يتلفظ بها. ومنها قولهم: إن الربابة في بيت الزانية أقل إثماً من الصلاة والتسليم على محمد، وأحرقوا كل ما وقع بيدهم من نسخ دلائل الخيرات والصلوات والأدعية وكتب التفسير والفقه وكتب الأئمة الأربعة وغيرهم، وزعم هؤلاء الكفرة أنهم أخذوا الدين من القرآن العظيم، لكنهم في الحقيقة نبذوه كما نبذوا غيره لأنهم أباحوا لكل إنسان منهم تفسيره بما يريد وأن يعمل بما يفهم منه، وأطلقوا لأتباعهم الإرادة في الحكم بين الناس برأيهم، وحظروا الدعاء بعد الصلاة وقالوا إنه بدعة وقالوا عن الأئمة وأتباعهم إنهم ضلوا وأضلوا، حيث كانت الشريعة واحدة فجعلوها أربعة وفي كل جمعة يقول الخطيب: إن كل من يتوسل بالرسول محمد يكفر، ويتلو قول الله تعالى:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر، الآية: 3] وكانوا إذا ظفروا بالعائدين من زيارة الرسول عليه الصلاة والسلام يحلقون لحاهم ويركبونهم مقلوبين ويشهرونهم. والخبيث رئيسهم: كان يسند مذهبه وكل ما يدعيه إلى الوحي. ومن مذهبه: القول بالتجسيم للباري جل وعلا، وقرروه في درسهم ولهم مطاعن بالرسل والأنبياء والأولياء تنفر منها النفوس. وفي مدة استيلائهم على الحرمين نبشوا قبور آل البيت والصحابة ودثروها، وقالوا: لا فرق بين الرسل والأنبياء وسائر الناس، بل كل رسول ونبي كسائر الناس" انتهى كلامه.

أقول: أوردت كلام هذا الملحد جملة واحدة، لأنه كله زور وبهتان، بل ظلم وعدوان، يراد به الصمد عن سبيل الله والبغي على عباده المؤمنين الداعين إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فإن الملحد لم يسند شيئاً مما نسبه إلى الوهابيين وادعاه عليهم إلى الثقات، ولم ينقله عن كتب العلماء الذين يعتمد عليهم بل كله بهت لا يتصور، وكلام فحش لا يعقل، تشمئز منه نفوس العقلاء وتستنكره وتميل إليه نفوس أهل الباطل من الوثنيين أعداء أهل التوحيد وتنصره. وقد قال

ص: 91

تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [هود، الآيتان: 18- 19] فول كان عند دحلان إيمان بالله أو تقوى له أو خشية من عذابه أو شيء ولو قليلاً من أدب أهل العلم ما كان يقدم على ما اخترعه من هذا الزور والفجور، ولكنه زنديق يبيع الدين بالدنيا، ويرضى الظلمة من الحكام بغضب رب العالمين، يحلل لهم الحرام ويكفر المسلمين، ويكذب صريح الكتاب والسنة في تكفير أصحاب الجحيم، فهو شيطان رجيم قد اتخذ إلهه هواه، والله تعالى يقول:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية، الآية: 23] وقد ذكرت فيما مضى من ردنا هذا شيئاً عن تاريخ دحلان المظلم، فلا نعيده هنا فلا تأسف لفضيحة هؤلاء الملاحدة المارقين وكشف ما هم عليه من الضلال والمروق من الدين.

وأما الناقل لكلام دحلان هذا، والمقلد له في تكفير المسلمين، واستحلال الشرك في عبادة رب العالمين، صاحب هذه الرسالة "الحاج مختار" فإنه مقلد إمعة غارق في ظلمات الجهل والتقليد الأعمى، بل هو فرص من أفراخ زندقة دحلان نعوذ بالله من الخذلان.

واعلم أن جملة ما نقله هذا المعترض من كلام دحلان – على كثرته – فإنه خبيث كما وصفه العالم الجليل المحدث محمد بشير الهندي في كتابه "صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان" فإنه لما ساق كلام دحلان هذا بعينه، قال أقول: الجواب على هذه الأقوال كلها أنها – على طولها وكثرتها – كاذبة خبيثة، فلا تعجبك كثرة الخبيث.

فأما جوابنا نحن عن خرافاته هذه: فما كان منها له أصل قد شوهه المعترض بالتحريف والكذب، فسأكشف عن وجه الحقيقة ما غشاها من تلبيس المعترض الملحد وما تعمده من البهت وقلب الحقائق. وأما ما كان منها من هذر المجانين ووحي الشياطين فإنه لا يستحق رداً فجوابنا عنه "سبحانك هذا

ص: 92

بهتان عظيم" كما أجاب به من نسب إليه.

فاسمع إذاً ما يقوله شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وابنه الشيخ عبد الله، رحمهما الله في ردهم على هذه الخرافات.

قال الشيخ محمد رحمه الله في رسالة أرسلها إلى عالم بغداد الشيخ عبد الرحمن السويدي رحمه الله تعالى، ذكر له فيها عقيدته وما يدعو الناس إليه من إخلاص العبادة لله تعالى، ذكر له فيها عقيدته وما يدعو الناس إليه من إخلاص العبادة لله تعالى، وإنكار ما فشل في الناس من أمر الشرك من دعاء الأموات والالتجاء إليهم من دون الله تعالى، قال:

فقام بسبب هذه الدعوة من عارضنا في ذلك وافترى علينا الكذب – إلى أن قال رحمه الله تعالى – وأيضاً: فإني ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا وشرب المسكرات وأنواع المنكرات. فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه، لكونه مستحسناً عند العوام فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد، وأنهى عنه من الشرك ولبسوا على العوام: أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس، وكبرت الفتنة جداً، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، منها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه، فضلاً عن أن يفتريه ومنها ما ذكرتم: أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟ وكذلك قولهم: إنه يقول: لو أقدر أهدم قبة النبي صلى الله عليه وسلم لهدمتها. وأما دلائل الخيرات فله سبب وذلك أني أشرت على من قبل نصيحتي من إخواني أن لا يصير في قلبه أجل من كتاب الله تعالى ويظن أن القراءة فيها أجل من قراءة القرآن، ، وأما إحراقه والنهي عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأي لفظ كان فهذا من البهتان. والحاصل: أن ما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك فكله من البهتان وهذا لو خفي على غيركم فلا يخفى عليكم. ثم أطال الشيخ في تقرير الحقيقة.

وقال الشيخ رحمه الله تعالى في رسالة أرسلها جواباً لعبد الله بن سحيم:

ص: 93

ولا يخفاك أن المسائل التي ذكرت أنها بلغتكم في كتاب من العارض، جملتها أربع وعشرون مسألة بعضها حق، وبعضها بهتان وكذب – إلى أن قال – إذا تبين هذا، فالمسائل التي شنع بها: ففيها ما هو البهتان الظاهر، وهي قوله:"إني مبطل كتب المذاهب" وقوله: "إني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء". وقوله: "إني أدعي الاجتهاد" وقوله: "إني خارج عن التقليد" وقوله: "إني أقول إن اختلاف العلماء نقمة" وقوله: "إني أكفر من توسل بالصالحين" وقوله: "إني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق" وقوله: "إني أقول: لو أقدر على هدم حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها، وجعلت لها ميزاباً من خشب" وقوله: "إني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم " وقوله: "إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم، وإني أكفر من يحلف بغير الله" فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم. ولكن قبله من بهت محمداً صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين، وتشابهت قلوبهم، وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة وعيسى وعزيراً في النار. فأنزل الله في ذلك:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء، الآية: 101] ، انتهى.

وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله في رسالة له: وأما ما يكذب علينا ستراً للحق، وتلبيساً على الخلق، بأنا نقرأ القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا من دون مراجعة شروح، ولا نعول على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقولنا: "النبي رمة في قبره، وعصى أحدنا أنفع منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى أنزل عليه:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد، الآية: 19] مع كون الآية مدينة، وأنا لا نعتمد أقواله، ونتلف مؤلفات أهل المذاهب لكون فيها الحق والباطل، وأنا مجسمة، وأنا نكفر الناس على الإطلاق، ومن بعد الست المائة، إلا من هو على ما نحن عليه. ومن فروع: ذلك أنا لا نقبل بيعة أحد حتى نقرر عليه بأنه كان مشركاً، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله، وأنا ننهى عن زيارة النبي، ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقاً، وأن من دان بما نحن عليه سقط

ص: 94

عنه جميع التبعات حتى الديون، وأنا لا نرى حقاً لأهل البيت رضوان الله عليهم، وأنا نجبر على تزويج غير الكفء لهم، وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح على مرافعة لدينا ولا وجه لذلك – فجميع هذه الخرافات وأشباهها جوابنا عنها في كل مسألة منها: سبحانك هذا بهتان عظيم. فمن روى عنا شيئاً من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب علينا وافترى ومن شاهد حالنا ورأى مجلسنا وتحقق ما عندنا علم قطعاً أن جميع ذلك وضعه علينا جماهير أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان لإخلاص التوحيد لله بالعبادة. فإنا نعتقد أن من فعل أنواعاً من الكبائر، كالقتل للمسلم بغير حق، والزنا والربا وشرب الخمر، وتكرر ذلك منه: لا يخرج بفعل ذلك عن دائرة الإسلام ولا يخلد في دار الانتقام، إذا كان موحداً لله في جميع أنواع العبادة. والذي نعتقده في مرتبة نبينا صلى الله عليه وسلم أعلا مراتب المخلوقات على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة مستقرة أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام من يسلم عليه وتسن زيارته إلا أن هلا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس. ومن أنفق نفيس أوقاته في الاشتغال بالصلاة عليه الواردة عنه صلى الله عليه وسلم، فقد فاز بسعادة الدارين وكفي همه كما جاء في الحديث.

انتهى ما نقلته من كلام الشيخ محمد وابنه الشيخ عبد الله في تكذيبهم لهذه الخرافات التي أوردها هذا المعترض الملحد، مختصراً عن الإطالة.

ثم إني متكلم على باقي خرافاته التي له فيها بعض الشبهة، بسبب تحريفه لها، وتعمده الكذب.

فأما قول المعترض: "وما ظفر اللعين وأولاده بأحد ممن رد عليهم إلى قتلوه، وأفرطوا في قتل العلماء، سيما في مدة استيلائهم على الحرمين".

أقول: أما إطلاق هذا الزنديق اللعن على الشيخ وأولاده: فحسابه على الله. واللعن راجع لمستحقه والله تعالى ينتقم من أعدائه لأوليائه وقد تقدم الكلام

ص: 95

على جراءة هذا الزنديق في إطلاقه اللعن على علماء الدين المحققين له الداعين إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

وأما قول الملحد: "إنهم يقتلون من يرد عليهم – إلى أخره".

فإن هذا من أظهر الكذب والزور. فإنهم – بحمد الله – لم يسفكوا في الحرمين دماً إلا دم ما أحل الله من بهيمة الأنعام، ولم يقتلوا أحداً ممن رد عليهم ولم يدخلوا الحرمين في حالة حرب، إنما دخلوهما في حال صلح وأمان. وقد تقدم فيما نقلته من تاريخ الإمام الجبرتي ومن تاريخ محمود فهمي المصري ما يكذب دعوة هذا المفتري، فراجعه. فإن فيه البيان الكافي لدحض أكاذيب هذا الملحد.

وقد كتب الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى، رسالة بعد دخولهم مكة المشرفة، نوردها هنا.

قال رحمه الله تعالى: وبعد، فأنا معشر الموحدين لما من الله علينا – وله الحمد – بدخول مكة المشرفة نصف النهار ثامن شهر محرم الحرام سنة ألف ومائتين وثمانية عشر من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد أن طلب شريف مكة وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو سعود حماه الله الأمان وقد كانوا تواطأوا – أمراء الحجيج وأمير مكة – على قتاله والإقامة في الحرم ليصدوه عن البيت. فلما رجعت أجناد الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم فتفرقوا شذر مذر، كل واحد يعد الإياب غنيمة، وبذل الأمير حينئذ الأمان لمن بالحرم الشريف، فدخلناه وشعارنا التلبية، محلقين رؤوسنا ومقصرين غير خائفين من المخلوقين، بل من مالك يوم الدين. ومن حين دخل الجند الحرم وهم على كثرتهم مضبوطون متأدبون، لم يعضدوا بها شجرة، ولم ينفروا صيداً، ولم يريقوا دماً، إلا دم هدي أو ما أحله الله من بهيمة الأنعام على الوجه المشروع. ولما تمت عمرتنا جمعنا الناس ضحوة الأحد وعرض الأمير عافاه الله تعالى على العلماء ما يطلب من الناس ويقاتلهم عليه وهو إخلاص التوحيد لله وحده،

ص: 96

وعرفناهم: أنا لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع إلا في الدعاء، وتحقيق معنى الشرك الذي قاتل عليه الناس نبينا صلى الله عليه وسلم، واستمر دعاؤه برهة من الزمان بعد النبوة على ذلك التوحيد وترك الإشراك قبل أن يفرض عليه باقي أركان الإسلام.

والأمر الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي لم يبق منهما إلا اسمهما، وانمحى أثرهما ورسمهما.

فوافقونا على ما نحن عليه جملة وتفصيلاً، وبايعوا ذلك الأمير على الكتاب والسنة، وقبل منهم وعفا عنهم كافة، ولمن يحصل لهم أدنى مشقة، ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق، فيقررهم حال اجتماعهم، وحال انفرادهم، لدينا أدلة على ما نحن عليه، ويطلب منهم المناصحة والمذاكرة، وبينا لهم الحق وعرفناهم، بان صرح لهم الأمير حال اجتماعهم: بأنا قابلون ما وضح من كتاب وسنة أو أثر عن السلف الصالح، كالخلفاء الراشدين المأمورين باتباعهم، بقوله عليه الصلاة والسلام:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" أو عرف عن الأئمة الأربعة المجتهدين ومن تلقى العلم عنهم إلى آخر القرن الثالث لقوله عليه الصلاة والسلام: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" وعرفناهم أنا دائرون مع الحق أينما دار، وتابعون الدليل الجلي الواضح، ولا نبالي حينئذ بمخالفة من سبق عليه من قبلنا، فلم ينقموا علينا أمراً، فألححنا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات إن بقي لهم شبهة أو شبهتان، فرددناها بالدلائل القاطعة من الكتاب والسنة، حتى أذعنوا ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب: أن ما قاتلنا الناس عليه أنه هو الحق الجلي الذي لا غبار عليه وحلفوا لنا اليمين المعقدة من دون استحلاف لهم على انشراح صدورهم وجزم ضمائرهم وبأنه لم يبق لديهم شك فيمن قال: "يا رسول الله" أو "يا ابن عباس" أو "يا عبد القادر" أو غيرهم من المخلوقين، طالباً بذلك دفع شر أو جلب خير، من كل ما لا يقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى، من شفاء مريض، أو النصر على العدو، أو الحفظ من المكروه ونحو ذلك أنه شرك أكبر، مهدر دمه مبيح ماله، وإن كان الفاعل باعتقاده: أن المؤثر في تصريف الكون هو الله

ص: 97

تعالى، لكنه يعبد المخلوقين بالدعاء مستشفعاً بهم أو متقرباً بهم، لتقضى حاجته من الله بسرهم وشفاعتهم له في أيام البرزخ، وأن ما وضع على قبور الصالحين من البناء بأسماء صارت في هذه الأزمان أصناماً تعبد لطلب الدعاء، ويتضرع عندها ويهتف بأسماء أهلها في الشدائد، كما كانت تفعله الجاهلية الأولى وكان من جملتهم: عبد الملك القلقي مفتي الحنفية، وحسين المغربي مفتي المالكية، وعقيل بن عمر، ويحيى العلوي ومحمود السني وغيرهم من الأعيان. فعند ذلك أزلنا جميع ما يعبد بالتعظيم والاعتقاد ومن النفع والضر بسببه من جميع القبور، حتى لم يبق في تلك البقعة الطاهرة طاغوت والحمد لله على ذلك. ثم رفعت المكوس وكسرت آلات التنباك، ونودي بتحريمه وأحرقت أماكن الحشاشين والمشهورين بالفجور، ونودي بالمواظبة على الصلوات في الجماعات، وعدم التفرق في ذلك، بأن يجتمعوا في كل صلاة مع إمام واحد يكون ذلك الإمام من أحد المقلدين للأربعة رضوان الله عليهم، واجتمعت الألفة وسقطت الكلفة واستقل الأمر من دون سفك دم، ولا هتك عرض، ولا مشقة على أحد والحمد لله رب العالمين. انتهى.

وبهذا وبما أوردناه سابقاً عن الإمام الجبرتي، والمؤرخ العالم المنصف محمود فهمي رحمهما الله تعالى، وهما من علماء مصر ومن أعرف الناس بهذه الحوادث وأقربهم إليها، ولم يذكر ما زعمه الملحد من قتل الوهابيين للعلماء أو غيرهم بالحرم الشريف، فبهذا يعلم كذب هذا المفتري جازاه الله بعدله.

وأما قوله: "ونبهوا الحجرة الشريفة، وأخذوا كل ما فيها

إلى آخره".

فأقول: في كلام هذا الملحد إنه ضلال وتضليل، وتدليس على الجهال، وصد عن سواء السبيل، حيث أراد به المعترض التشنيع على الوهابيين، بأنهم نهبوا ما في حجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو ما على قبره الشريف من المجوهرات ومن آنية الذهب والفضة، لأنها وضعت في هذا المحل الشريف لأجل تكريم الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، وأن إخراج شيء من هذه السحوت أو كلها من حجرته صلى الله عليه وسلم، أو من

ص: 98

على قبره الشريف مخالف للشرع وغض من شرف المصطفى عليه الصلاة والسلام، فهذا زعم باطل مخالف لأمر الله ورسوله، وما شرعه لأمته صلى الله عليه وسلم.

والجواب عليه من وجوه:

الوجه الأول: أن الدين ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أمراً ونهياً، وما خالف أمر الله ورسوله أو زاد فيه أو نقص فهو مردود على صاحبه كما ورد ذلك في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن ما وضع على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم أو في حجرته الشريفة من هذه المجوهرات والآنية الذهبية وما معها من هذه السحوت الدنسة التي جمعت من حلال وحرام أو من حلال خالص مخالف لأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وليس هو مما يحبه الله ورسوله، بل هو من الغلو الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم وحذر أمته منه، ولعن من فعله من الأمم قبلنا تحذيراً لنا أن نسلك مسالكهم في الغلو في القبور وأهلها، فإن الصحابة رضوان الله عليهم لم يفعلوا شيئاً من ذلك ولا التابعين لهم بإحسان من القرون المفضلة ولو كان خيراً لسبقونا إليه، أفنقول عنهم: إنهم قصروا في تعظيم نبيهم صلى الله عليه وسلم فلم يزينوا قبره ويجعلوه وحجرته الشريفة غنيين بالكنوز من مجوهرات وغيرها؟ وقد فتح الله عليهم كنوز الدنيا شرقاً وغرباً ببركة هذا النبي الكريم والدين القويم؟ أم نقول: إنه غلبهم الشح والجهل على تقديرهم لنبيهم حتى تركوا قبره الشريف وحجرته المباركة مجردين من هذه الكنوز الثمينة؟ أم ترى أنهم قد امتثلوا أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم في النهي عن الغلو في القبور والبناء عليها وتجصيصها والكتابة عليها وإسراجها، وما إلى ذلك من أصناف الغلو فيها وبأصحابها؟ فنحن وكل مؤمن بالله واليوم الآخر لا نشك أن الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم من القرون المفضلة هم الذين عقلوا الدين عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأنهم القدوة دون أتباع الشياطين، أمثال دحلان ومن اقتدوا به من الضلال الوثنيين، عباد الأموات وسدنة قبورهم، قاتلهم الله أني يؤفكون. وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة رضي الله عهنا: "أن أم سلمة رضي الله عنها

ص: 99

ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وذكرت له ما رأت فيها من الصور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" وقد كان مبدأ هذا الغلو في الصالحين بعد موتهم في قوم نوح عليه السلام كما ذكره الله في كتابه العزيز قال الله تعالى: {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَاّ خَسَاراً وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} [نوح، الآيات: 21-23]" كانوا قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقطون المطر، فعبدوهم، ثم عبدتهم العرب". ذكره المفسرون عن ابن عباس وغيره من السلف، وروى ابن جرير بإسناده عن منصور عن مجاهد:"أفرأيتم اللات والعزى؟ قال: كان يلت لهم السويق"وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان يلت السويق للحاج" قال ابن القيم رحمه الله: فقد رأيت أن سبب عبادة يغوث ويعوق ونسراً واللات: إنما كانت من تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وقال شيخنا: وهذه هي العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور، انتهى.

فقد تبين مما سقناه في هذا الوجه: أن سبب عبادة الأولياء والصالحين هو الغلو في قبورهم، ولذلك نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ولعن فاعله.

الوجه الثاني: إن وضع هذا الحطام في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو على قبره الشريف، مخالف لما أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من الزهد في الدنيا والتجافي عنها تحقيراً لشأنها وترغيباً لنبيه صلى الله عليه وسلم فيما لديه من النعيم المقيم، ومخالف لسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام في ذم الدنيا والزهد فيها، والرغبة فيما عند الله تعالى امتثالاً لأمره وإيماناً بصدق وعده قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ

ص: 100

جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر، الآيات: 87-88] قال ابن جرير: يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تتمنين يا محمد ما جعلنا من زينة هذه الدنيا متاعاً للأغنياء من قومك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر يتمتعون فيها، فإن من ورائهم عذاباً غليظاً، ولا تحزن على ما متعوا به، فعجل لهم فإن لك في الآخرة ما هو خير منه مع الذي قد عجلنا لك في الدنيا من الكرامة بإعطائنا السبع المثاني والقرآن العظيم. وقال أيضاً عند قوله:{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [الأحقاف، الآية:20] الآية. قال: قال ابن زيد في قول الله عز وجل: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ} [الأحقاف، الآية:20] إلى آخر الآية ثم قرأ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} [هود، الآية:15] الآية، وقرأ:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} [الشورى، الآية:20]، وقرأ:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ} [الإسراء، الآية:18] الآية، وقال: هؤلاء الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، انتهى. وقال تعالى:{وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف، الآيات:33-35] وفي معنى هذه الآيات: مما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في ذم الدنيا والزهد فيها ما أخرجه الترمذي وصححه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء" وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "مالي وللدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح عنها وتركها" وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً ولا شاة ولا درهماً ولا بعيراً، ولقد مات وما في بيته شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رق" وقال صلى الله عليه وسلم: "إني قد عرض علي ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا ربي، أجوع يوماً وأشبع يوماً فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي اشبع فيها فأحمدك وأثني عليك" أخرجه أحمد والترمذي عن أبي أمامه وفي حديث آخر: "أن جبريل عليه السلام نزل عليه،

ص: 101

فقال: إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: أتحب أن أجعل لك هذه الجبال ذهباً، وتكون معك حيثما كنت؟ فأطرق ساعة، ثم قال: يا جبريل، إن الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" أخرجه البيهقي في الشعب عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً. وعن عائشة رضي الله عنا:"إن كنا آل محمد لنمكث شهراً ما نستوقد ناراً، إن هو إلا التمر والماء" وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعاً من خبز، حتى مضى لسبيله، ولو شاء لأعطاه الله ما لا يخطر ببال" فهذا قليل مما ورد عن الله تعالى وعن رسول صلى الله عليه وسلم في ذم الدنيا وتحقيرها، والحث على الزهد فيها. وقد عرض الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجعل له بطحاء مكة وجبالها ذهباً وأن يسيرها معه حيث شاء، فأباها، فما معنى وضع هذا الحطام في حجرته أو على قبره الشريف، وقد جفا الدنيا وحطامها في حال حياته؟ فكيف بعد مماته وقد أفضى إلى رحمة ورضوان بل إلى مقعد صدق في أعلى الجنان؟ وقد علمت وعيد من يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، أفلا يستحي واضعو هذه السحوت الدنيوية التي جمعت من حلال وحرام أن يدنسوا بها حجرة أشرف الأولين والآخرين، ويعلو بها قبر سيد المرسلين وقد كرهها وابتعد عنها في حال حياته وقد حرم على رجال أمته التحلي بها واستعمال آنية الذهب والفضة ولبس الحرير. فما يرجوه هؤلاء الجهلة الذين يهدون هذه الأعراض الدنيوية إلى حجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وإلى قبره الشريف وهو صلى الله عليه وسلم قد كرهها وأباها في حال حياته؟ لقد باء هؤلاء الجهلة بغضب الله تعالى وغضب رسوله صلى الله عليه وسلم في مخالفتهم لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

الوجه الثالث: أن ما وضع في حجرة المصطفى من هذه الإغراض الدنيوية إن كان على طريق احترام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه مما يحبه الله ورسوله فما قدمناه في الوجهين قبل هذا يبطل هذه الدعوى وإن كان وضعه على وجه الصدقة لجيران رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه مدخر لحاجتهم ومعد لفاقتهم، فقد وصلت إليه يد الخيانة وعبث فيه قبل أن تصل إليه يد الوهابي، كما ذكر ذلك العلامة محمود فهمي

ص: 102

المهندس في تاريخه قال: وفي أثناء حصار الوهابي المدينة سلب حاكمها القسم الأعظم من خزائن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، خصوصاً الأواني الذهبية وكان حاكمها في هذا الوقت شخص اسمه حسن الخلجي، زاعماً خلاصها من هذا الهول الأعظم، لكنه فرقها على أصدقائه ومحبيه. انتهى.

فأما الوهابي فإنه مع ما يعتقده من مخالفة وضع هذه الإغراض في هذا المحل الشريف لأمر الله ورسوله، فإنه لم يقدم على إخراج ما وجده منها إلى بفتاوى أهل العلم من سكان المدينة المنورة ووضع خطوطهم بذلك.

وحاصل ما كتب في هذه الفتاوى: أن هذه الأموال وضعت توسعة لأهل المدينة وصدقة على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أرصدت لحاجتهم وأعدت لفاقتهم، ولا حاجة برسول الله صلى الله عليه وسلم إليها وإلى اكتنازها وادخارها في حال حياته، فضلاً عن حال مماته. وقد تعطلت أسباب أهل المدينة ومرتباتهم بمنع الحاج في تلك السنة فأخرجت تلك الأموال لما وصف من الحال باطلاع وكيل الحرم وغيره من أعيان المدينة وعلمائها.

وإذا كان الأمر كذلك فما هذا التشنيع في حق الوهابيين، وإيهام من لا يعرف الحقيقة بأن الوهابيين أقدموا على ما فيها هتك لحرمة الرسول صلى الله عليه وسلم واستحلال ما حرمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ وحاشاهم من ذلك، بل الوهابيون هم الذين يحترمون الرسول عليه الصلاة والسلام باتباعه وامتثال أمره وإقامة شريعته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحقيق التوحيد وهدم أسباب الشرك. ولكن دحلان وأتباعه أعماهم الهوى عن الهدى، فلجوا في طغيانهم يعمهون فقلبوا الحقائق وغمطوا الحق، وأظهروا الباطل. ولكن الله حافظ دينه وناصر أولياءه فلا يعدم الحق ناصراً. فقد قال الإمام الجبرتي في تاريخه – لما ذكر أشياء من المنكرات عن عسكر طوسون – قال رحمه الله تعالى: ولما وصلوا بدراً، واستولوا عليها وعلى القرى والخيوف، وبها خيار الناس وبها أهل العلم والصلحاء نهبوهم وأخذوا نسائهم وبناتهم وأولادهم وكتبهم. فكانوا يفعلون

ص: 103

فيهم ويبيعونهم من بعضهم لبعض. وقولون: هؤلاء الكفار الخوارج، حتى اتفق أن بعض أهل بدر الصلحاء طلب من بعض العسكر زوجته فقال له: حتى تبيت معي هذه الليلة وأعطيها لك من الغد. انتهى.

وقال العلامة محمود فهمي في تاريخه – لما ذكر حصار المصريين للمدينة المنورة – قال: فسلط عليها المصريون نيران مدافعهم ونهبوا المدينة في الحال اهـ.

فأين دحلان من هذا؟ فلو كان من أهل العلم لخاطبناه بالخيانة لله تعالى فيما أخذه على أهل العلم من بيان الحق وعدم كتمانه، ولكنه زنديق قد اتخذ إلهه هواه {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام، الآية: 132] .

وأما قوله: "وكانوا يتأولون في تكفير المسلمين آيات نزلت في حق المشركين".

فأقول: وهذا أيضاً من تلبيس هذا الملحد على الجهال الذين لا يعرفون الحقائق. فالشيخ محمد رحمه الله تعالى وأتباعه لم يكفروا المسلمين ولم يتأولوا في تكفيرهم آيات نزلت في حق المشركين، إنما الخطأ والتأويل الباطل في تسمية المعترض عباد القبور مسلمين. فأما الشيخ وأتباعه فإنهم لم يكفروا إلى من كفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بنص التنزيل، كالمؤلهين لغير الله من المخلوقين بدعائهم ورجائهم والتوكل عليهم، وتفويض جميع أمورهم إليهم قولاً واعتقاداً، والراضين بذلك، المكفرين من يأمرهم بما أمر الله به من التوحيد، وينهاهم عما نهى الله عنه من الشرك، وكالجاحدين من الدين ما علم بالضرورة أنه منه، عملياً كان أو اعتقادياً. فالشيخ رحمه الله تعالى وأتباعه يجاهدون على ذلك كله وعلى تقويم أركان الإسلام كما جاهد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم بأمر الله تعالى له بذلك في كتابه العزيز، ويستدلون بالآيات التي نزلت في حق المشركين على من عمل مثل عملهم، وإن ادعى أنهم من المسلمين كما ادعاه هذا الملحد وسمى عباد القبور "مسلمين" مع ما هم عليه من الغلو في الأولياء والصالحين

ص: 104

وغيرهم من الأموات الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فضلاً عن غيرهم فإنهم يحبونهم مع الله محبة تأليه وخضوع ويدعونهم ويرجونهم مع الله في المهمات والملمات والحوادث التي لا يكشفها ولا يجيب الدعاء فيها إلا فاطر الأرض والسموات. فقول هذا الملحد:"إنهم يتأولون في تكفير المسلمين آيات نزلت في حق المشركين" محض جهل وضلال، وتغيير للحقائق بقلب مسمياتها، فالمشرك مشرك شاء أم أبى، وعليه ينطبق ما توعد الله به أمثاله من المشركين قبله. فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب المجمع عليه عند علماء الأصول مما لا مجال للخلاف فيه. فإن القرآن العظيم كما نزل لأهل زمانه فإنه نزل لكافة الناس إلى يوم القيامة، كما قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} [سبأ، الآية:28] وقال تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} [الجمعة، الآية:3] ونحو ذلك من الآيات. فإن كان الأمر على ما زعمه هذا الملحد وأمثاله فينبغي أن يقتصر في حكم القرآن على المهاجرين والأنصار من المؤمنين وأهل الكتاب واليهود والنصارى والمشركين من العرب. فإن من يقول: نزلت آية كذا في كذا يقول في لفظ "يا أيها الذين آمنوا" في القرآن لأهل المدينة. ولفظ "يا أيها الناس" لأهل مكة، وغير ذلك مما يعتبر به المورد. وهذا لا يقوله مسلم ولكن هذا الملحد وأشياعه من أئمة الضلال يزعمون أن آيات الكتاب العزيز نزلت في حق أناس كانوا فبانوا، وليس يقع بعدهم شرك في هذه الأمة. وقصدهم بذلك إبطال العمل بنصوص الكتاب والسنة، وقد قال تعالى:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} [الأحقاف، الآية:5] قال البيضاوي: أنكر أن يكون أحد أضل من المشركين، حيث تركوا عبادة السميع المجيب القادر إلى من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم، فضلاً أن يعلم سرائرهم، ويراعي مصالحهم إلى يوم القيامة ما دامت الدنيا وهم عن دعائهم غافلون، لأنهم إما جمادات وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم. انتهى. وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم

ص: 105

حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتأخذن أمتي مأخذ القرون، شبراً بشبر وذرعاً بذراع. قالوا: فارس والروم؟ قال: فمن الناس إلا إولئك؟ " وروى عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: "نهى عن التشبه بالأعاجم، وقال: من تشبه بقوم فهو منهم" ذكره القاضي أبو يعلى. وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمة علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين، كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي". وفي رواية أحمد وأبي داود عن معاوية: "ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة" وأخرج أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والحاكم – وصححه – عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثال وسبعين فرقة" وزاد في رواية: "كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة".

هذا، والأدلة الدالة من الكتاب والسنة على أن هذه الأمة تسلك مسالك الأمم قبلها أشهر من أن تذكر، ولا تخفى إلى على من أعمى الله قلبه عن الحق، فغلب عليه الهوى، كهذا المعترض الملحد الذي يريد تعطيل أحكام الشريعة المحمدية، حيث يقول: إن القرآن نزل في حق أناس كانوا فبانوا. فلا تطبق أحكامه على من جاؤوا من بعدهم ممن سلك سبيلهم على خير أو شر إلى يوم القيامة. لذلك يقول هذا الملحد: "إن الوهابيين يستدلون على تكفير المسلمين بآيات نزلت في حق المشركين" فلا يجوز عند المعترض الملحد الاستدلال بها على إخوانهم من المشركين عبد الأوثان في هذا الزمان. وقد فاق شركهم شرك

ص: 106

المشركين الذين قبلهم، ولكن هذا الملحد يسميهم "مسلمين" على مذهبه الباطل. نسأل الله الثبات على الإيمان.

وأما قول المعترض الملحد: "ومن قواعد مذهبهم وأصوله التي لا خلاف بين المسلمين بأنها من المكفرات، أولاً: قولهم إن الله أرسل محمداً وأنزل عليه القرآن ليبلغه للناس، وما أذن له بأن يشرع للناس شيئاً من عنده. فالدين كله في القرآن وكل ما جاء في الحديث ويسميه المسلمون سنة واجبة فهو باطل، ولا يجوز التعبد والعمل به".

فأقول: في كلام هذا الملحد ما ينادي على جهله وضلاله، ووخيم تناقضه الفاحش، وأنه أجنبي عن دين الإسلام، بل دخيل عليه. فالجواب على هذا المعترض الملحد في مقامين:

المقام الأول: هو أن المعترض قد أقر بأن من قواعد مذهب الوهابيين وأصوله الإيمان بأن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن ليبلغه للناس وما أذن له بأن يشرع للناس أشياء من عنده. فالدين كله في القرآن. وهذا هو الشطر الأول من كلام المعترض وقد أورده على وجه الإنكار على الوهابيين. فتبين أن المعترض ينكر أن الله تعالى أرسل محمداً، وأنزل عليه القرآن ليبلغه للناس، وما أذن له أن يشرع للناس أشياء من عنده، وأن الدين كله في القرآن. ويزعم المعترض: أنه لا خلاف بين المسلمين في كفر من اعتقد هذا، ونحن نعوذ بالله من هؤلاء المسلمين الذين يوافقون هذا الملحد على ما قاله عنهم، ولا نظن أن مسلماً يسلم لهذا الملحد ما ادعاه عليهم. والدليل على ضلال هذا الملحد من كتاب الله تعالى، قول الله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم:{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيرا} [الأحزاب، الآيتان:45-46] وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة، الآية: 67] وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل، الآية:44] وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً} [النحل: الآية:89] إلى غير

ص: 107

ذلك من الآيات الدالة على أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ وبيان ما أنزل إليه من ربه.

وأما الدليل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يشرع للناس أشياء من عنده، وأن الدين كله في القرآن فقول الله جل ثناؤه:{فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} [الزخرف، الآية: 43] وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف، الآية: 110] وقاله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة، الآيات: 44 – 46] وقوله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [هود، الآية: 49] الآية. وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى، الآية: 52] وقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} [النساء، الآية: 113] وقوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة، الآية: 151] وقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [آل عمران، الآية: 164] وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الجمعة، الآية: 2 -3] و"الحكمة" هي السنة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: " ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه" إلى آخر الحديث بطوله. رواه أبو داود.

وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه في الرسالة على قوله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب، الآية: 34] فذكر الله الكتاب، وهو القرآن، وذكر "الحكمة" فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرن يقول:"الحكمة" سنة رسول الله. وهذا يشبه ما قال والله أعلم. لأن "القرآن" ذكر وأتبعته "الحكمة" وذكر الله منة على خلقه بتعليمهم الكتاب.

ص: 108

والحكمة، فلم يجز والله أعلم أن يقال "الحكمة" هاهنا إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله وأن الله افترض طاعة رسوله وحتم على الناس اتباع أمره. انتهى.

وقال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَىإِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم، الآيتان: 3- 4] وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء، الآية: 65] .

فهذا الذي سقناه من الآيات يدل دلالة قاطعة على أمر الله تعالى لجميع الخلق باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم أمراً مطلقاً، وأن من رد شيئاً مما جاء به صلى الله عليه وسلم فهو ممن قال الله فيهم:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة، الآية: 85] الآية. فالدين كله في القرآن وهو الذي أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وهو الذي أخبرنا بأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فإن كان في نفس المعترض شك مما دلت عليه هذه الآيات، أو أن لها تأويلاً غير ما دل عليه ظاهرها فلا يبعد عليه، فإنه من المحرفين لكتاب الله تعالى، فقد تبين ضلاله. وأما أن كان يقر بما دلت عليه هذه الآيات، من أن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن ليبلغه ويبينه للناس، وما أمره أن يشرع للناس أشياء من عنده، وأنا الدين كله في القرآن، وأن هذا من أصول مذهب الوهابيين وأن اعتراضه على الوهابيين محصور في قوله "وكل ما جاء في الحديث" إلى آخر كلامه، فهذا هو المطلوب، وعليه ينبني الجواب عن قوله:"وكل ما جاء في الحديث، ويسميه المسلمون سنة واجبة، فهو باطل ولا يجوز التعبد والعمل به " وهو المقام الثاني من جوابنا على ما افتراه هذا الملحد.

فقد ظهر تناقضه، وبان كذبه. فكيف يتفق الإيمان بالله وبكتابه وبرسوله وأن الدين كله في كتابه المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم مع رد سنة رسوله التي هي "الحكمة" والبيان للقرآن بنص التنزيل، وأنها باطلة لا يجوز التعبد بها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

ص: 109