الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التي من ادعى الإحاطة بها، ومعرفة مذاهب أهلها، وأحوال علمائها ودرجاتهم في حمل علوم الكتاب والسنة، وبلوغهم درجة الاجتهاد فهو كاذب كما كذبه الأئمة المقتدى بهم، كالإمام أحمد وغيره من الأئمة. فليس المعول عليه في الشرع الإجماع نفسه فقط إنما المعول عليه هو المجتمعون أنفسهم، بل هو من الذين يصح الاقتداء بهم في مسائل الشرع علماً ودراية وتقوى لله تعالى؟ فتوليهم الأمة ثقتها فيما أجمعوا عليه من أحكام الدين. وتعلم أن لهم فيه مستنداً من الكتاب والسنة دل عليه إجماعهم. وهذا هو المطلوب، أما المقلدون ومن شاكلهم من العوام فليسوا من أهل العلم فضلاً عن أن ينعقد بهم إجماع وإن كثر عددهم فإنهم غثاء.
زعمه أن الأمة كلها على السنة وتفنيد مفترياته
…
وأما قول المعترض: "فنحن أهل السنة البالغ عددنا نحو مائتين وخمسين مليونا ً، منتشرين في كل جهة من كرة الأرض لم نزل متفقين على أخذ أصول ديننا وفروعه عن الأئمة الأربعة العظام. وبواسطتهم إلى نبينا عليه الصلاة والسلام الخ".
فنقول: هذه دعوى كاذبة منكرة، ولمدعيها حظ وافر من قال تعالى:{أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود، الآية: 18] وقد تقدم الكلام في تكذيب ما يدعيه هذا الملحد لنفسه ولإخوانه الملاحدة من أنهم من أهل السنة والجماعة. وقد دللنا على البطلان دعواه هذه بما أوردناه من كلام الأئمة المحققين في تعريفهم لأهل السنة والجماعة بأنهم المتبعون لطريق الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإن قلوا. وأن هذا المعترض وأشياعه من الملاحدة ضلال مبتدعون لا متبعون فليسوا من أهل السنة والجماعة لما اشتهروا به من مخالفتهم لطريق الرسول وأصحابه.
وأما زعم المعترض فيمن قدر عددهم بمائتين وخمسين مليوناً منتشرين في كل جهة من كرة الأرض: أنهم كلهم من أهل السنة، وأنهم قد اتفقوا على أخذ أصول دينهم عن الأئمة الأربعة، وبواسطتهم إلى نبينا عليه الصلاة
والسلام – فهذا الزعم من أكذب الكذب، وأبطل الباطل، فإن هذا العدد المذكور قد يستغرق أكثر ممن يدعون الإسلام فضلاً عن كونهم كلهم من أهل السنة مع ما هو معلوم مشهور لكل منصف، مطلع على أحوال من يدعون الإسلام أن الكثرة الكاثرة منهم ليس معهم غير الاسم، وأن ما عليه الأمة المحمدية اليوم – من كثرة الملل والنحل والتفرق في الدين – شاهد لصدق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من وقوع ذلك في أمته، كما رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمة علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلهم في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي".
وفي رواية أحمد وأبي داود عن معاوية: "ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة". وأخرج أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم – وصححه – عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" زاد في رواية: "كلها في النار، إلا واحدة، وهي الجماعة".
فانظر إلى جرأة هذا الملحد، الذي يزعم أن هذه الفرق – التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها من أمته وأنها كلها في النار إلا واحدة – قد أخذت أصول دينها وفروعها عن الأئمة الأربعة، وبواسطتهم إلى نبينا عليه الصلاة والسلام سبحانك هذا بهتان عظيم، بل هذه فرق شاقت الله ورسوله، واتبعت غير سبيل المؤمنين ولم تهتد بهدى سيد المرسلين، وعلى رأس هذه الفرق الخاسرة فرقة الحاج مختار وشيخه دحلان، دعاة الشرك في عبادة الله تعالى، والصد عن كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والكذب على عباده الموحدين، ويدعون أنهم من أتباع الأئمة الأربعة – مع أن الأئمة الأربعة بريئون منهم، ومما هم عليه من الإلحاد في دين
الله تعالى – ويغالطون باسم التقليد والإجماع والقياس لأن هذه أسماء يدخلها التمويه والمغالطة على الجهال ونحن قد رددنا على ما زعموه من وجوب التقليد وانقطاع الاجتهاد.
والآن نبين فساد ما ادعاه هذا الملحد من أن جميع أهل السنة المتفرقين في الكرة الأرضية قد اتفقوا على تقليد الأئمة الأربعة مبينين أن التقليد رخصة لمن احتاج إليه، وأن الفرض على المكلفين هو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم اتباع أصحابه الذين أمرنا صلى الله عليه وسلم باتباع سنتهم. وقد اشتهر عن الأئمة الأربعة رضي الله عنهم النهي عن تقليدهم وتقليد غيرهم، وما زال الأئمة من أصحابهم الملتزمين لمذاهبهم، يخالفونهم في بعض المسائل، إذا ترجح عندهم الدليل من الكتاب والسنة ويقولون: هذا هو حقيقة الاتباع للأئمة، وقبول نصحهم. روى ذلك عن المزني والبويطي من أصحاب الشافعي، وكذلك نبه على هذا الأئمة المتضلعون بعلوم الحديث، الباحثون عن فقهه ومعانيه، الذاكرون لأقوال العلماء ومذاهبهم من غير تقيد بواحد بعينه كأبي بكر بن المنذر وأبي سليمان الخطابي وأبي بكر البيهقي وأبي عمر بن عبد البر وغيرهم. ونبه عليه أيضاً البغوي في التهذيب وإمام الحرمين في النهاية ذكر هذا أبو شامة وروى أيضاً عن كثير من أصحاب الأئمة الأربعة رضي الله عنهم.
وقال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض" الباب الثالث في ذكر من حث على الاجتهاد وأمر به وذم التقليد ونهى عنه، اعلم: أنه ما زال السلف والخلف يأمرون بالاجتهاد، ويحضون عليه، وينهون عن التقليد، ويذمونه ويكرهونه. وقد صنف جماعة لا يحصون في ذم التقليد، فمن صنف في ذلك: المزني، صاحب الإمام الشافعي ألف كتاب "فساد التقليد" نقل عنه ابن عبد البر في كتاب "العلم" والزركشي في "البحر" ولم أقف عليه. وألف ابن حزم ثلاثة كتب في إبطال التقليد، وقفت عليها. وألف ابن عبد البر كتاب "العلم" في ذلك، وقفت عليه. وألف أبو شامة في ذلك كتابه المسمى "خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول" وقفت
عليه. وألف ابن دقيق العيد كتاب "التسديد في ذم التقليد" لم أقف عليه. وألف ابن قيم الجوزية كتاباً في ذم التقليد، وقفت على كراسين منه. وألف المجد الشيرازي صاحب القاموس كتاب "الإصعاد إلى رتبة الاجتهاد" لم أقف عليه.
وهذه نصوص العلماء في ذم التقليد، قد تقدم نقل المزني عن الشافعي رضي الله عنه أنه نهى عن تقليده وتقليد غيره.
وقال الشافعي رضي الله عنه في كتابه "الرسالة" فكل ما أنزل الله تعالى في كتابه رحمة وحجة، علمه من علمه، وجهله من جهله، لا يعلمه من جهله، ولا يجهله من علمه. وللناس في العلم طبقات موقعهم من العلم بقدر حاجتهم في العلم به. فحق على طلبة العلم بلوغ جهدهم في الاستكثار من علمه والصبر على عارض عرض دون مطلبه. وإخلاص النية لله عز وجل في استدراك علمه نصاً واستنباطاً والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه، فإنه لا يدرك خير بلا عونه. فإنه من أدرك علم أحكام الله تعالى في كتابه نصاً واستنباطاً وفقه الله للقول والعمل بما علم منه، وفاز بالفضل في دينه ودنياه، وانتفت عنه الريب، ونورت قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة. فنسأل الله المبتدى لنا بنعمه قبل استحقاقها، المديمها علينا مع تقصيرنا في الإتيان بما أوجبه من شكرها، إذ جعلنا من خير أمة أخرجت للناس أن يرزقنا فهماً في كتابه، ثم سنة نبيه، قولاً وعملاً، نؤدي به عنا حقه، ويوجب لنا نافلة مزيده".
وقال الشيخ تقي الدين السبكي – ومن خطه نقلت – فيما انتخبه من أصول الفقه للأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني ما نصه: استدل الأستاذ فيه على عدم التقليد بإجماعنا على أنه لو حفظ مذهب الأئمة من دفترهم، ثم أراد أن يحكم به ويفتي لم يكن له ذلك، لأنه جاهل بدليل هذا المذهب فكما حرم عليه تقليد الميت لجهله بدليل قوله حرم عليه تقليد الحي.
وقال أبو طالب المكي في كتاب "قوت القلوب": اعلم أن العبد إذا كاشفه الله بالمعرفة واليقين لم يسعه تقليد أحد من العلماء، وكذلك كان المتقدمون إذا