المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أقوال العلماء في الحياة البرزخية - البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار

[فوزان السابق]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌إظهار ما في صدر خطبة الملحد العظمى من جهل وتناقض

- ‌تحريف الملحد لكلام الله وتصرفه فيه

- ‌أفاضل علماء مصر والهند والعراق الذين ردوا على دحلان والنبهاني

- ‌الرد على الملحد في زعمه أن الاجتهاد بدعة

- ‌قول الإمام ابن القيم في الحض على الاجتهاد

- ‌قول الإمام الشاطبي في مختصر تنقيح الفصول: إن الاجتهاد فرض كفاية

- ‌قول الجلال السيوطي في كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض

- ‌فصول من كتاب السيوطي في نصوص المحققين في الاجتهاد

- ‌نقض زعم الملحد أنه متفق مع أهل السنة على مذهب السلف

- ‌إننا والحمد لله على مذهب السلف لم نخرج عنه

- ‌أدلة من كلامه في رسالته: أنه عدو للحديث ولمذهب السلف

- ‌بيان مذهب السلف، ومن هم السلف

- ‌جمل من رسالة الملحد في محاربته لمذهب السلف

- ‌افتراؤه الكذب: أن التوسل بالموتى في القرآن والحديث

- ‌كذبه على الأئمة الأربعة بأنهم دعوا الناس إلى تقليدهم

- ‌نقل ابن القيم عن الأئمة النهي عن التقليد

- ‌تكفير الملحد لعلماء السلف

- ‌أقوال ثقات المؤرخين في صحة عقيدة الوهابيين

- ‌كلام العلامة المصري محمود فهمي

- ‌كلام العلامة محمد بن علي الشوكاني في مدح الإمام عبد العزيز بن سعود

- ‌قصيدة العلامة محمد بن الأمير الصنعاني في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌كلام الشيخ عبد الكريم الهندي في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌نقض ما زعمه الملحد من طغيان الوهابيين وبغيهم بالحجاز

- ‌كلام المؤرخ المصري في أن الوهابيين طهروا الحجاز من الشرك والفساد

- ‌كلام الشيخ عبد الرحمن الجبرتي في تطهير الوهابيين الحجاز من الشرك والفساد

- ‌حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى والي مكة الشريف أحمد بن سعيد

- ‌كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى علماء مكة

- ‌المناظرات التي كانت بين علماء نجد وعلماء مكة

- ‌سرور الملحد من ظهور أهل الباطل على أهل الحق والتوحيد

- ‌ثناء الملحد على دحلان لاتفاق روحيهما الخبيثتين

- ‌تزوير الملحد ل‌‌تاريخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌تاريخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌فصل - استطراد في سيرة الشيخ محمد عبد الوهاب وبعض أقواله

- ‌طعن الملحد في آل سعود لنصرتهم للشيخ والرد عليه

- ‌طعنه في آل الشيخ والرد عليه

- ‌موقف سليمان بن عبد الوهاب من أخيه الشيخ محمد وكذب الملحد في روايته عنه

- ‌افتراءات الملحد لأصول الإسلام تماديا في الإنكار على الشيخ والرد عليه

- ‌أصل مذهب الوهابيين من القرآن وسنة النبي عليه الصلاة والسلام

- ‌افتراء الملحد عليهم في الصفات والرد عليه

- ‌الوهابيون لم ينبشوا القبور بل سووها اتباعا لسنة الرسول عليه السلام

- ‌قول الملحد ببطلان مذهب الوهابية لأنه كمذهب الصحابة والتابعين

- ‌ادعاؤه أن الوهابيين ينكرون الإجماع ودحض مفترياته

- ‌قول الملحد بعدم جواز تقليد الصحابة والتابعين والرد عليه

- ‌أقوال العلماء في وجوب اتباع الصحابة

- ‌الوهابيون متبعون لا مبتدعون

- ‌أقوال الأئمة والعلماء في النهي عن التقليد والحض على الاجتهاد

- ‌هل على العامي أن يتمذهب بمذهب معين؟ رأي الإمام ابن القيم في ذلك

- ‌افتراء الملحد على الوهابيين في الإجماع على القراءات

- ‌ادعاء الملحد بأن الإجماع عرف بعد عصر الأئمة الأربعة

- ‌زعمه أن الأمة كلها على السنة وتفنيد مفترياته

- ‌الفرق بين التقليد والاتباع

- ‌مناقشة المقلدين

- ‌التقليد قبول قول بلا حجة

- ‌أدلة جديدة على إبطال التقليد

- ‌المذهب: معناه دين مبدل

- ‌الواجب على كل مسلم: الاجتهاد في معرفة معاني القرآن والسنة

- ‌لم يقل أحد من أهل السنة: إن إجماع الأربعة حجة معصومة

- ‌افتراءات أخرى للملحد على الوهابيين ودحضها

- ‌كذبه على الفخر الرازي

- ‌كذبه على الوهابيين بأنهم قالوا إن الدين كان واحدا وجعله الأئمة أربعا

- ‌بيان جهل الملحد

- ‌ليس الأئمة سبب الاختلاف بل هو من غلاة المقلدين

- ‌عداوة الملحد لكتب الحديث وأهل الحديث

- ‌ نبذة من سيرة أئمة المذاهب

- ‌قول الملحد برفع الحرج عن الأمة بتعدد بتعدد الأهواء

- ‌في هذا القول طعن فيما كان عليه رسول الله وأصحابه

- ‌كذبه على شيخ الإسلام ابن تيمية

- ‌إنكاره بقاء الاجتهاد في الأمة

- ‌جهله بالأصول والقواعد والمصطلحات

- ‌ذكر جملة من العلماء المجتهدين

- ‌افتراؤه بوجود أولياء كانوا يتلقون الشريعة من ذات صاحبها عليه السلام بدون واسطة

- ‌اعتباره التلفيق أصلا في الشريعة

- ‌ادعاؤه أن الاختلاف هو عين الرحمة والرد عليه من الكتاب والسنة وكلام العلماء

- ‌كذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌افتراء الملحد على أئمة أهل الحديث والرد عليه

- ‌مبدأ جمع الحديث وتأليفه وانتشاره

- ‌ طبقات كتب الحديث

- ‌بين أئمة المذاهب وأئمة الحديث

- ‌ادعاء الملحد أن الأمة لم تجمع على صحيح البخاري

- ‌جهله بالأصول وطعنه في أحاديث الرسول

- ‌الملحد ليس على مذهب من المذاهب الأربعة

- ‌عقيدة الملحد في التوسل والرد عليها

- ‌افتراؤه بأن القرآن جاء بالتوسل بالرسل والأولياء

- ‌ادعاؤه بأنه لا يجوز تطبيق صفات الكافرين والمشركين على المسلمين ولو عملوا مثل أعمالهم واعتقدوا مثل عقائده

- ‌قوله بحياة الرسول في قبره والرد عليه

- ‌تناقضه بادعائه الاجتهاد الذي نفاه نفاه قبلا وتفسيره القرآن بهواه

- ‌أقوال العلماء في الحياة البرزخية

- ‌افتراء الملحد على الوهابيين أنهم أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌زعمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب استقلالا

- ‌عقيدته في الزيارة ودحض مفترياته

- ‌إقامة المواليد بدعة وضلالة

- ‌تحريف الملحد لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية وصرفه عن معناه

- ‌نص كلام شيخ الإسلام ابن تيمية

- ‌حنقه على شيخ الإسلام لتحقيقه توحيد الله تعالى وإفراده بجميع أنواع العبادات

- ‌لم يحرم شيخ الإسلام ابن تيمية زيارة القبور على الوجه المشروع بل منع تعظيمها وشد الرحال إليها اتباعا للسنة

- ‌كل من تصدى للرد على شيخ الإسلام كانوا من حثالة المقلدين

- ‌زيارة القبور الشرعية ليست مباحة فقط، بل هي سنة مؤكدة

- ‌ليس قصد التبرك من زيارة القبور إلا على دين المشركين الأولين

- ‌خلط الملحد بين التوسل والاستشفاع والاستغفار

- ‌جعله التوسل إلى الله كالتوسل إلى السلاطين

- ‌كذبه على الله بأن الشرع أباح التوسل

- ‌فصل من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة

- ‌افتراء الملحد بأن الوهابيين يعتقدون تأثير الأعراض

- ‌جهله بأن الدعاء هو العبادة

- ‌لم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة إن التوسل هو دعاء الأموات

- ‌إن الله لم يتعبدنا باتباع عقولنا بل أرسل إلينا رسولا بالمؤمنين رؤوف رحيم

- ‌ما جاء عن المصطفى صلى الله عليه وسلم لحماية حمى التوحيد

- ‌هذا الملحد المخذول هو الذي عارض الرسول عليه السلام في أصل رسالته

- ‌شهادة للوهابيين بالإيمان بالقرآن وإنكاره عليهم محبة الرسول وهذا مما لا يتفق مع الشهادة

- ‌الوهابيون بحمد الله سميعون مطيعون منفذون لكلام الله ولسنة رسوله عليه الصلاة والسلام

- ‌حديث "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وتلاعب الملحد به

- ‌آية {من يشفع شفاعة حسنة} وإلحاده في معناها

- ‌حديث "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك" وبيان أنه واه

- ‌كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث

- ‌تضعيف حديث قصة فاطمة بنت أسد

- ‌نقض دعوى الملحد أن النبي يتوسل بنفسه وبالأنبياء

- ‌نقض دعوى الملحد في حديث الأعمى والكلام على ضعفه ومعناه

- ‌كذب الملحد في دعوى عمل الصحابة بحديث الأعمى

- ‌تحريف الملحد للمنام بجعله حديثا

- ‌قصة رؤيا بلال بن الحارث مكذوبة

- ‌تحريف الملحد في توسل عمر بالعباس

- ‌كذب حديث توسل آدم برسول الله

- ‌تحريف الملحد في استدلاله على دعاء الموتى بحديث الشفاعة

- ‌أقوال علماء السلف في حديث الشفاعة

- ‌تحريف الملحد في استدلاله بحديث "يا عباد الله احبسوا

- ‌كفر الحاج مختار بضربه الأمثال لله بخلقه

- ‌ضلال الملحد وسادته في معاني الاستشفاع والاستغفار والتوسل

- ‌نحريف الملحد لآيات القرآن في الاستشفاع والاستغفار والتوسل

- ‌كذب الملحد وشيعته على الوهابيين بدعوى تحريم الصلاة على رسول الله

- ‌أكاذيب دحلان وضلالاته في تسوية الأحياء بالأموات

- ‌معارضة الملحدين نصوص الكتاب والسنة بأهوائهم

الفصل: ‌أقوال العلماء في الحياة البرزخية

الجسمية من نص القرآن بقاعدة القياس التي يقول إنها أحد أركان الشرع عندنا.

ويقول: "إن القياس المستعمل في الاستدلال ثلاثة: قياس اللغة، وقياس الدلالة، وقياس الشبه. وحيث إن بحثنا هذا ينطبق القياس فيه على قياس العلة والدلالة، كما سترى، فإن أنكر عليّ منكر فليأت بالبرهان الناقض".

ونحن نقول: لا برهان أصرح على فساد قياسك من انفرادك به، ومخالفتك للمعقول والمنقول، ولعلمائك الذين تدّعي تقليدهم، وإقراراك بذلك على نفسك حيث تقول:"فهذا ما ألقاه الله في روعي بدون أن أراه في موضع" فما هي قاعدة القياس التي تقيس بها الأموات على الأحياء، وتقيس بها الآخرة على الدنيا، فأقصر فلست عالماً ولا عاقلاً، وإنما أنت جاهل أحمق، وضعت نفسك في جملة الأئمة المجتهدين وأنت من جملة الأغبياء الضالين الممخرقين.

ص: 297

‌أقوال العلماء في الحياة البرزخية

ولما كان هذا الأحمق، قد أطال الكلام على آيتي سورة البقرة وآل عمران بمحض رايه تبعاً لهواه، وجخله المتناهي، الذي لا يستحق النظر فيه ولا الالتفات إليه. فإني ذاكر ما قاله بعض أئمة المفسرين على هاتين الآيتين، ليتبيّن جهله وضلاله، وأنه بوادٍ، وأئمة التفسير بواد آخر.

قال الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة، الآية:154] يقول تعالى ذكره، يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر على طاعتي في جهاد عدوكم، وترك معاصيي، وأداء سائر فرائضي عليكم. ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله: هو ميت. فإن الميت من خلقي من سلبته حياته وأعدمته حواسه. فلا يلتذ لذة ولا يدرك نعيماً. فإن من قتل منكم ومن سائر خلقي في سبيلي أحياء عندي في حياة ونعيم وعيش هنيء، ورزق سني، فرحين بما آتيتهم من فضلي، وحبوتهم به من كرامتي. كما حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران، الآية:169] من ثمرات الجنة، ويجدون

ص: 297

ريحها، وليسوا فيها، حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله. حدثنا بشر بن معاذ، قال حدثنا يزيد، قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله:{وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة، الآية:154] كما يحدث "أن أرواح الشهداء تتعارف في طير ببض، يأكلن من ثمار الجنة، وأن مساكنهم سدرة المنتهى" وأن للمجاهد في سبيل الله ثلاث خصال من الخير: من قتل في سبيل الله منهم صار حياً مرزوقاً. ومن غُلب آتاه الله أجراً عظيماً. ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً. حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة، الآية:154] قال: "أرواح الشهداء في صور طير أبيض" حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع في قوله: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة، الآية:154]"في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا منها، يأكلون من حيث شاءوا" حدثني المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثن عثمان بن غياث، قال: سمعت عكرمة يقول في قوله: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة، الآية:154] قال: "أرواح الشهداء في طير خضر في الجنة". فإن قال لنا قائل: وما في قوله: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة، الآية:154] من خصوصية الخبر عن المقتول في سبيل الله الذي لم يعم به غيره. وقد علمت تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وصف حال المؤمنين والكافرين بعد وفاتهم. فأخبر عن المؤمنين أنه يفتح لهم من قبورهم أبواب الجنة يشمون روحها، ويستعجلون لله قيام السّاعة، ليصيروا إلى مساكنهم منها. ويجمع بينهم وبين أهليهم وأولادهم فيها. وعن الكافرين: أنه يفتح لهم من قبورهم أبواب إلى النار، ينظرون إليها، ويصيبهم من نتنها ومكروهها، ويسلط عليهم فيها إلى قيام الساعة، من يقمعهم فيها. ويسألون الله فيها تأخير قيام الساعة، حذراً من المصير إلى ما أعده الله لهم فيها،

ص: 298

مع أشباه ذلك من الأخبار؟ وإذا كانت الأخبار بذلك متظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما الذين خص به القتيل في سبيل الله مما لم يعم به سائر البشر غيره من الحياة، وسائر الكافر والمؤمنين غيره أحياء في البرزخ. أما الكافر فمعذبون فيه بالمعيشة الضنك، وأما المؤمنون فمنعّمون بالروح والريحان ونسيم الجنان؟ قيل: إن الذي خص الله به الشهداء في ذلك وأفاد المؤمنين بخبره عنهم تعالى ذكره، إعلامه إياهم أنهم مرزوقون من مآكل الجنة ومطاعمها في برزخهم قبل بعثهم، ومنعمون بالذي ينعم به داخلوها بعد البعث من سائر البشر، من لذيذ مطاعمها الذي لم يطعمه الله أحداً غيرهم في برزخه قبل بعثه. فذلك هو الفضيلة التي لضلهم وخصهم بها عن غيرهم. والفائدة التي أفاد المؤمنين عنهم، فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران، الآيتان:169-170] وبمثل الذي قلنا جاء الخبر عن رسول الله صلى عليه وسلم: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان وعبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل عن محمود بن لبيد عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة بكرة وعشياً" حدثنا أبو كريب قال: حدثنا جابر بن نوح عن الأفريقي عن ابن باشر السلمي- أو أبي بشار، شك أو جعفر- قال:"أرواح الشهداء في قباب بيض من قباب الجنة، في كل قبة زوجتان، رزقهم في كل يوم طلعت فيه الشمس: ثور وحوت، فأما الثور ففيه طعم كل ثمرة في الجنة. وأما الحوت: ففيه طعم كل شراب في الجنة" فإن قال قائل: فإن الخبر عما ذكرت أن الله تعالى ذكره، أفاد المؤمنين بخبره عن الشهداء من النعمة التي خصهم بها في البرزخ غيره موجود في قوله:{وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} [البقرة، الآية:154] وإنما فيه الخبر عن حالهم أموات هم أم أحيا؟ قيل: إن المقصود بذكر الخبر عن حياتهم: إنما هو الخبر عما هم فيه من النعمة، ولكنه تعالى ذكره لما كان قد أنبأ عباده عما خص

ص: 299

به الشهداء في قوله: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران، الآية:169] وعلموا حالهم بخبره ذلك. ثم كان المراد من الله تعالى ذكره في قوله: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} [البقرة، الآية:154] نهى خلقه عن أن يقولوا للشهداء: إنهم موتى، ترك إعادة ذكر ما قد بيَّن لهم من خبرهم. وأما قوله:{وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة، الآية:154] فإنه يعني به: ولكنكم لا ترونهم فتعلمون أنهم أحياء، وإنما تعلمون ذلك بخبري إياكم به، وإنما رفع قوله:{أَمْوَاتٌ} [البقرة، الآية:154] بإضمار مكنى عن أسماء من يقتل في سبيل الله. ومعنى ذلك: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات، ولا يجوز النصب في "أموات" لأن القول لا يعمل فيهم. وكذلك قوله "بل أحياء" رفع بمعنى: أنهم أحياء. انتهى.

وقال على قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الحج، الآية:58] يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم، فتركوا ذلك في رضي الله تعالى وطاعته وجهاد أعدائه. ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك ليرزقنهم الله يوم القيامة في جناته رزقاً حسناً. يعني بالحسن: الكريم، وإنما يعني بالرزق الحسن: الثواب الجزيل: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الحج، الآية:58] يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم.

وقال على قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء، الآيتان:34-35] يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: وما خلدنا أحداً من بني آدم يا محمد قبلك في الدنيا فنخلدك فيها. ولا بد لك من أن تموت كما مات من قبلك من رسلنا {أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء، الآية:34] يقول: فهؤلاء المشركون بربهم هم الخالدون في الدنيا بعدك؟ لا، ما ذلك كذلك، بل ميتون بكل حال عشت أو مت. انتهى.

ص: 300

وقال الإمام عماد الدين ابن كثير على قوله تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} [البقرة، الآية:154] الآية، يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما في صحيح مسلم:"أن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت. ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فاطّلع عليهم ربك اطلاعه. فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا وأي شيء نبغي؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، ثم عاد عليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يُتركون من أن يسألوا قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نتقل فبك مرة أخرى، لما يرون من ثواب الشهادة. فيقول الرب جل دلاله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون" وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي عن الإمام مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم يبعثه" ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضاً، وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن، تشريفاً لهم وتكريماً وتعظيماً. قال الحسن: إن الشهداء أحياء عند الله تعالى، تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشياً، فيصل إليهم الوجع، انتهى.

وقال العلامة السيد محمود الألوسي في تفسيره "روح البيان" على قوله تعالى: {وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة، الآية:154] أي لا تحسون ولا تدركون ما حالهم بالمشاعر. لأنها من أحوال البرزخ التي لا يُطّلع عليها ولا طريق للعلم بها إلا بالوحي- ثم ذكر ما ورد في ذلك عن السلف إلى أن قال- وأما القول في حياة هذا الجسد الرميم، مع هَدْم بنيته، وتفرق أجزائه، وذهاب هيئته، وإن لم يكن ذلك بعيداً عن قدرة من بدأَ الخلق ثم يعيده، لكن ليس إليه كثير حاجة. ولا فيه مزيد فضل، ولا عظيم منة. بل ليس فيه سوى إيقاع ضعفة المؤمنين بالشكوك والأوهام، وتكليفهم من غير حاجة بالإيمان بما يعدون قائله من سفهاء الأحلام، وما يحكى من مشاهدة بعض الشهداء الذي قتلوا منذ مئات السنين

ص: 301

وأنهم إلى اليوم تشخب جروحهم دماً إذا رفعت العصابة عنها، فذلك مما رواه هَيَّان بن بَيَّان وما هو إلا حديث خرافة. وكلام يشهد على مصدقيه بتقديم السخافة. هذا ثم إن نهي المؤمنين عن أن يقولوا في شأن الشهداء "أموات" إما أن يكون دفعاً لإبهام مساواتهم لغيرهم في ذلك البزرخ، وتلك خصوصية لهم، وإن شاركهم في النعيم- بل وزاد عليهم- بعض عباد الله تعالى المقربين، ممن يقال في حقهم ذلك، وإما أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون في شأن أولئك الكرام، قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولم يروه أبداً. وليس في الآية نهي عن نسبة "الموت" إليهم بالكلية، بحيث إنهم ما ذاقوه أصلاً ولا طرفة عين، وإلا لقال تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله ماتوا. فحيث عدل عنه إلى ما ترى: علم أنهم امتازوا- بعد أن قتلوا- بحياة لائقة بهم، مانعة عن أن يقال في شأنهم "أموات" وعدل سبحانه عن "قتلوا" المعبر عنه في آل عمران إلى "يتقل" رَوْماً للمبالغة في النهي، وتأكيداً للفعل في تلك السورة، يقول مقام هذا العدول هنا كما قرره بعض أحبابنا من الفضلاء المعاصرين. انتهى.

ونحن نكتفي بهذا القدر من الرد على خرافات هذا الأحمق فيما ذكره في هذا البحث من التخليط، من دون أن نتتبع هفواته ومتناقضاته لأنها كلها جهل ومعارضة لنصوص الكتاب والسنّة كما بيّنا ذلك فيما أوردناه من الآيات والأحاديث وأقوال السلف الصالح وأئمة المفسرين. وكما أقر هو بذلك على نفسه في موضعين من بحثه هذا، وهو الذي يريد به إثبات الحياة الجسدية للشهداء والأنبياء، وهي الحياة التي يزعم أنها لا تختلف عن حياتهم في الدنيا يتصرفون فيها كيف شاءوا، ويسمعون ويجيبون، وينفعون ويضرون من دون الله. هذا هو غاية بحثه، ومنتهى قصده. أما الحياة التي شرف الله تعالى بها الشهداء ومن شاء من صالحي عباده، وزادهم فيها شرفاً بالعندية عنده تعالى: فليست في نظر هذا الأحمق شيئاً في جانب الحياة الدنيا، بل الحياة الدنيا عنده أفضل منها. لذلك تراه يحاول، ويعمن في تحريف الكلم عن مواضعه، لإثبات

ص: 302