الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. فهؤلاء معذورون في خطئهم، مأجورون عليه أجراً واحداً ومأجورون في إصابتهم الحق أجرين، ولكن هذا المعترض وإخوانه من المتدعين يريدون سلب هذا الوصف عن أهله وإلصاقه بمن هم أبعد الناس عنه من أهل البدع والضلال الذين يزعمون أنهم بمجرد انتسابهم إلى تقليد الأئمة الأربعة – مع مخالفتهم لهم في أصول الدين وفروعه – يحلون محل الأئمة الأربعة. فما يصدر عنهم من بدع وضلالات ينسبونها إلى مذاهب الأئمة الأربعة، فإذا عارضهم معارض وسفه أحلامهم عالم رشيد وبين خطأهم قالوا: هذا عيب في الأئمة الأربعة، واعتراض عليهم. وهذا ظلم وعدوان بل إساءة إلى الأئمة، وتنقيص لحقهم، وعلو مقامهم ونزول بهم إلى مواطن الجدل والتحقير، قد قال أبو حامد الغزالي في كتابه "فاتحة العلوم":
(فصل) : وبالحري أن نذكر في هذا المقام
نبذة من سيرة أئمة المذاهب
، ليعلم المقتدون بهم أن شرفهم وعلو درجتهم ومكانتهم عند الله تعالى لم يكن بمجرد العلم الظاهر، والتوسع في تفاريع المسائل الفقهية. بل لكونهم من علماء الآخرة جامعين لعلاماتها، متأسين فيها بالصحابة رضي الله عنهم والتابعين والسلف الصالحين. ونبين أن كل واحد منهم كان عابداً وزاهداً، وعالماً بعلوم الآخرة، وفقيهاً في مصالح الخلق، ومعاملات الدنيا ومريداً بفقهه وجه الله تعالى. فهذه خمس خصال اتبعهم فقهاء الفرق من جملتها على خصلة واحدة، وهي التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه. لأن الخصال الأربع لا تصلح إلا للآخرة وهذه الخصلة الواحدة تصلح للدنيا وللآخرة أيضاً، إن أريد بها الآخرة فلصالحها للدنيا شمروا لها، وادعوا بها مشابهة أولئك الأئمة، وزعموا أن من طعن فينا فقد طعن فيهم، وطعن في العلماء وفي العلم وهيهات. فلا تقاس الملائكة بالحدادين، بل هم في القيامة أول خصومهم وخصوم أتباعهم الذين انتسبوا إليهم، وانتحلوا مذاهبهم إن أنصفوا أنفسهم. انتهى.
فأين الغزالي رحمه الله تعالى ينظر إلى ما نحن فيه اليوم من الحاج مختار وأمثاله من السفلة الجهلة؟ لا بارك الله فيهم ووقى المسلمين شرورهم. ثم اعلم
أن المعترض – فيما نقله عن شيخ الإسلام من كتابه "رفع الملام" – وإن كان قليلاً – فقد حرف فيه وبدل، وزاد فيه ونقص في أكثر من ثلاث وعشرين موضعاً، تركت مناقشته عليها لأن هذا المعترض سلسلة أكاذيب وأغلاط لا آخر لها. ولم أكن ملتزماً لمناقشته في جميع أغلاطه، بل فيما لا يجوز السكوت عليه منها كدعائه إلى الشرك في عبادة الله تعالى واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وكالابتداع في الدين بما لم يأذن به الله تعالى ولا رسول الله أو ما يفتريه من الكذب على أئمة المسلمين. فهذه المسائل قد عاهدت الله على جهاد أعدائه فيها، كالحاج مختار وشيخه شيخ الضلال دحلان. والله حسبنا ونعم الوكيل.
وبعد أن انتهى المعترض من نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى صار يفرع على كلامه، ويقتبس ألفاظاً وجملاً من كلام الشيخ يبني عليها ما يمليه عليه عقله الفاسد، وفهمه العاطل من الهذر الذي لا يعقل، بل زاد عليه بأن كتب الحديث – وخص منها الصحاح الستة – فيها من الاختلاف ما ينوف عن الثلث منها، وأنه رأى في شرح الزرقاني على موطأ مالك: مئات المسائل المختلف فيها بين الصحابة، وكثير منها ما كان في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه لما صار الفتح تفرق الصحابة في أقطار الأرض، وصار كل منهم يفتي بما عنده من العلم، وأن الأئمة الأربعة كل واحد منهم قد تلقى علومه على أهل البلد التي حل فيها، مثل الحرمين والعراق وغيرهما. وأنه بسبب الرخص والعزائم والناسخ والمنسوخ وقعت الاختلافات في الدين بين الصحابة فمن بعدهم.
فيخيل لسامع كلام هذا الجاهل الأحمق: أن الدين كان على عهد الصحابة رضي الله عنهم – وكذا على عهد التابعين لهم – في حالة من الغموض وعدم البيان وكثرة الاختلافات، لعدم ضبطه ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، يتعذر معها معرفة الأحكام من كتاب الله تعالى وسنة ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل يشعر كلامه هذا: أنه لا وجود للكتاب والسنة وأن أحكام الدين هي ما يتلقى من بعض الصحابة الذين تفرقوا في أقطار الأرض بعد الفتح، على ما فيه من اختلاف بينهم، حتى جاء الأئمة الأربعة، فأصلحوا من أمر هذا الدين ما كان مضطرباً،