الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: "اختصرت هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله: لأقربه على من أراده، مع إعلاميه نهيه عن وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه" هذه عبارة المزني. فنقل عن الشافعي رضي الله عنه: "أنه نهى عن تقليده وتقليد غيره" ولا شك أنه لا يمكن نهي الخلق بأسرهم عن التقليد لأن العوام يجوز لهم التقليد بالإجماع وإنما نهى الشافعي رضي الله عنه: أن يطبق أهل العصر كلهم على التقليد لأن فيه تعطيل فرض من فروض الكفايات وهو الاجتهاد، فحث على الاجتهاد ليكون في كل عصر من يقوم بهذا الفرض، هكذا قرر معنى النص الأصحاب رضي الله عنهم وسيأتي من عباراتهم ما يبين ذلك.
فصول من كتاب السيوطي في نصوص المحققين في الاجتهاد
…
فصل
وممن نص على ذلك: الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي في أول كتابه "الحاوي الكبير" فقال عند سياق قول المزني السابق ما نصه:
فإن قيل: فلم نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره، وتقليده جائز لمن استفتاه من العامة؟
قيل: التقليد مختلف باختلاف أحوال الناس بما فيهم من آلة الاجتهاد المؤدي إليه وعدمه. لأن طلب العلم من فروض الكفاية ولو منع جميع الناس من التقليد وكلفوا الاجتهاد لتعين فرض العلم على الكافة وفي هذا اختلال نظام وفساد. ولو كان يجمعهم التقليد لبطل الاجتهاد وسقط فرض العلم وفي هذا تعطيل الشريعة وذهاب العلم فلذلك وجب الاجتهاد على من تقع بع الكفاية ليكون الباقون تبعاً ومقلدين. قال الله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة، الآية: 122] فلم يسقط الاجتهاد عن جميعهم ولا أمر به كافتهم. هذا كلام الماوردي بحروفه.
فصل
ذكر الروياني في البحر نحو ذلك، ثم قال:
فإن قيل: لم قال: لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه. والأولى الاحتياط: في التقليد ليسلم المقلد من مخاطرة الخطأ والصواب فيه؟
قلنا: الأولى الاحتياط: في الاجتهاد، لأن المجتهد يقدم على الأمر على علم، والمقلد يقدم فيه على جهل. قال وقيل: هذا بيان العلة في النهي عن التقليد، يعني إنما نهى عن التقليد: ليستقصي طالب العلم في تعرف وجوه الأحكام ودلائلها، ثم ينظر فيها لدينه ويحتاط لنفسه.
فصل
وممن نص على ذلك: القاضي حسين – وهو شيخ البغوي – رحمهم الله تعالى قال في تعليقه (1) : فصل وممن نص على ذلك: الزبيدي في "المسكت" فقال: لن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة في كل وقت وعهد وزمان. وذلك قليل من كثير. فأما أن يكون غير موجود كما قال الخصم: فليس بصواب، لأن لو عدم المجتهدون لم تقم الفرائض كلها، ولو بطلت الفرائض لحلت النقمة بذلك في الخلق، كما جاء الخبر:"لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" ونحن نعوذ بالله أن نؤخذ مع الأشرار. هذه عبارة الزبيدي؛ ونقلها الزركشي في كتابه "البحر" في الأصول وقال: إن وجه ذلك: أن الخلو من مجتهد يلزم منه اجتماع الأمة على الخطأ، وهو ترك الاجتهاد الذي هو فرض كفاية، انتهى.
(1) حصل هذا السقط حيث لم يورد قول القاضي حسين المروزي فقد عقد القاضي حسين في تعليقته باباً في التقليد وأحكامه ومما قاله فيه: فأما العالم فرضه أن يعمل بعلم نفسه ولا يجوز له أن يعمل بقول الغير ويظهره لأن العالم له آله الدرك والاجتهاد. أ. هـ. [من تعليقة القاضي حسين المروزي نسخة أحمد الثالث بتركيا] .
فصل
وممن نص على ذلك الإمام محيي السنة أبو محمد البغوي في كتابه "التهذيب" وهو من أجل الكتب المصنفة في الفقه. قال في أوله ما نصه: العلم ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية – وذكر فرض العين – ثم قال: وفرض الكفاية: هو أن يتعلم ما يبلغ به رتبة الاجتهاد، ومحل الفتوى والقضاء، ويخرج من عداد المقلدين. فعلى كافة الناس القيام بتعلمه، غير أنه إذا قام من كل ناحية واحد أو اثنان سقط الفرض عن الباقين. فإذا قعد الكل عن تعلمه عصوا جميعاً لما فيه من تعطيل أحكام الشرع. قال الله تعالى:{فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة، الآية: 122] هذا لفظه بحروفه.
فصل
وقال ابن سراقة أحد أصحابنا في أول كتابه "إعجاز القرآن" في حكمة تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه. لو كان جميعه جلياً محكماً لعدم الثواب على الاستنباط وسقط حكم الاجتهاد المؤدي إلى شرف المنزلة وعظم المروءة. ولهذا المعنى لم ينص الله تعالى على حكم جميع الحوادث مفصلاً. بل أبان بعضها وذكر أشياء في الجملة وكل بيانها إلى رسول صلى الله عليه وسلم ليرفع بذلك درجته وتفتقر أمته في علم شريعته إليه. فأبان النبي صلى الله عليه وسلم منها ما أبان ووكل ما يطرأ منها إلى العلماء بعده وجعلهم في علم التنزيل ورثته، والقائمين مقامه في إرشاد أمته إلى حكم التأويل ليعلو الطالب بتلك المنازل، ويفتقر الجاهل إلى العالم إذ كانت الدنيا دار تكليف وبلوى لا دار راحة. ولو كان العلم جلياً لا يحتاج إلى بحث واجتهاد، ولا إلى نظر واستنباط لكان علم التوحيد كذلك. فكان العلم بالله سبحانه ضرورة وكان في ذلك سقوط المثوبة وإبطال الشريعة، واستغنى عن العمل لطلب الثواب وخوف العقاب وهذه صفة الآخرة وحكم بقاء الخلق في الجنة. هذا كلام ابن سراقة.
فانظر كيف جعل ترك الاجتهاد مؤدياً إلى إبطال الشريعة، وهو نظير ما نص عليه غيره، انتهى.
ثم سرد المصنف (1) رحمه الله نصوص الأئمة عاقداً لكل قول إمام فصلاً، كما نقلناه في الفصول المتقدمة. ولعدم التطويل نسرد أسماء من ذكرهم. قال: وممن نص على ذلك: إمام الحرمين في النهاية، وممن نص على ذلك مجلى في الذخائر وممن نص على ذلك: أبو حامد الغزالي في كتاب البسيط. وممن نص على ذلك: الإمام الرافعي. وممن نص على ذلك: الإمام تقي الدين أبو عمرو ابن الصلاح في كتابه أدب الفتيا. وممن نص على ذلك: الإمام عز الدين بن عبد السلام في كتابه الغاية. وممن نص على ذلك: الإمام محيي الدين النووي في شرح المهذب، وممن نص على ذلك: الفقيه نجم الدين ابن الرفعة في الكفاية. وممن نص على ذلك: الإمام بدر الدين الزركشي في كتاب القواعد. وممن نص على ذلك من أئمة المالكية: القاضي أبو الحسن علي بن عمر البغدادي المعروف بابن القصار، والإمام القرافي، والقاضي عبد الوهاب، ومن أئمة الحنفية والحنابلة نقل أبن الحاجب في (مختصره في الأصول) وابن الساعاتي من الحنفية في كتابه (البديع في الأصول) عن الحنابلة، أنهم قالوا: لا يجوز عقلاً خلو العصر من مجتهد، وعلله بأن الاجتهاد فرض كفاية، والخلو عنه يستلزم اتفاق الأمة على الباطل، انتهى.
قال: فقد صرحوا في استدلالهم بأن الاجتهاد فرض كفاية، ثم قال: فصل فيما شرط فيه الفقهاء الاجتهاد من الأمور التي هي فرض كفاية، وذلك يؤول إلى أن الاجتهاد نفسه فرض كفاية. من ذلك: الإمامة العظمى، أطبق العلماء من الشافعية والمالكية والحنابلة على أن يشترط فيمن ينصب إماماً للأمة أن يكون مجتهداً – إلى أن قال -: ومن ذلك القضاء. نص الشافعي رحمه الله تعالى والأصحاب بأسرهم على أنه يشترط في القاضي أن يكون مجتهداً، وكذلك
(1) يعني بالمصنف السيوطي في كتابه: "الرد على من أخلد إلى الأرض" كما في ص22.