المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مبدأ جمع الحديث وتأليفه وانتشاره - البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار

[فوزان السابق]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌إظهار ما في صدر خطبة الملحد العظمى من جهل وتناقض

- ‌تحريف الملحد لكلام الله وتصرفه فيه

- ‌أفاضل علماء مصر والهند والعراق الذين ردوا على دحلان والنبهاني

- ‌الرد على الملحد في زعمه أن الاجتهاد بدعة

- ‌قول الإمام ابن القيم في الحض على الاجتهاد

- ‌قول الإمام الشاطبي في مختصر تنقيح الفصول: إن الاجتهاد فرض كفاية

- ‌قول الجلال السيوطي في كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض

- ‌فصول من كتاب السيوطي في نصوص المحققين في الاجتهاد

- ‌نقض زعم الملحد أنه متفق مع أهل السنة على مذهب السلف

- ‌إننا والحمد لله على مذهب السلف لم نخرج عنه

- ‌أدلة من كلامه في رسالته: أنه عدو للحديث ولمذهب السلف

- ‌بيان مذهب السلف، ومن هم السلف

- ‌جمل من رسالة الملحد في محاربته لمذهب السلف

- ‌افتراؤه الكذب: أن التوسل بالموتى في القرآن والحديث

- ‌كذبه على الأئمة الأربعة بأنهم دعوا الناس إلى تقليدهم

- ‌نقل ابن القيم عن الأئمة النهي عن التقليد

- ‌تكفير الملحد لعلماء السلف

- ‌أقوال ثقات المؤرخين في صحة عقيدة الوهابيين

- ‌كلام العلامة المصري محمود فهمي

- ‌كلام العلامة محمد بن علي الشوكاني في مدح الإمام عبد العزيز بن سعود

- ‌قصيدة العلامة محمد بن الأمير الصنعاني في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌كلام الشيخ عبد الكريم الهندي في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌نقض ما زعمه الملحد من طغيان الوهابيين وبغيهم بالحجاز

- ‌كلام المؤرخ المصري في أن الوهابيين طهروا الحجاز من الشرك والفساد

- ‌كلام الشيخ عبد الرحمن الجبرتي في تطهير الوهابيين الحجاز من الشرك والفساد

- ‌حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى والي مكة الشريف أحمد بن سعيد

- ‌كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى علماء مكة

- ‌المناظرات التي كانت بين علماء نجد وعلماء مكة

- ‌سرور الملحد من ظهور أهل الباطل على أهل الحق والتوحيد

- ‌ثناء الملحد على دحلان لاتفاق روحيهما الخبيثتين

- ‌تزوير الملحد ل‌‌تاريخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌تاريخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌فصل - استطراد في سيرة الشيخ محمد عبد الوهاب وبعض أقواله

- ‌طعن الملحد في آل سعود لنصرتهم للشيخ والرد عليه

- ‌طعنه في آل الشيخ والرد عليه

- ‌موقف سليمان بن عبد الوهاب من أخيه الشيخ محمد وكذب الملحد في روايته عنه

- ‌افتراءات الملحد لأصول الإسلام تماديا في الإنكار على الشيخ والرد عليه

- ‌أصل مذهب الوهابيين من القرآن وسنة النبي عليه الصلاة والسلام

- ‌افتراء الملحد عليهم في الصفات والرد عليه

- ‌الوهابيون لم ينبشوا القبور بل سووها اتباعا لسنة الرسول عليه السلام

- ‌قول الملحد ببطلان مذهب الوهابية لأنه كمذهب الصحابة والتابعين

- ‌ادعاؤه أن الوهابيين ينكرون الإجماع ودحض مفترياته

- ‌قول الملحد بعدم جواز تقليد الصحابة والتابعين والرد عليه

- ‌أقوال العلماء في وجوب اتباع الصحابة

- ‌الوهابيون متبعون لا مبتدعون

- ‌أقوال الأئمة والعلماء في النهي عن التقليد والحض على الاجتهاد

- ‌هل على العامي أن يتمذهب بمذهب معين؟ رأي الإمام ابن القيم في ذلك

- ‌افتراء الملحد على الوهابيين في الإجماع على القراءات

- ‌ادعاء الملحد بأن الإجماع عرف بعد عصر الأئمة الأربعة

- ‌زعمه أن الأمة كلها على السنة وتفنيد مفترياته

- ‌الفرق بين التقليد والاتباع

- ‌مناقشة المقلدين

- ‌التقليد قبول قول بلا حجة

- ‌أدلة جديدة على إبطال التقليد

- ‌المذهب: معناه دين مبدل

- ‌الواجب على كل مسلم: الاجتهاد في معرفة معاني القرآن والسنة

- ‌لم يقل أحد من أهل السنة: إن إجماع الأربعة حجة معصومة

- ‌افتراءات أخرى للملحد على الوهابيين ودحضها

- ‌كذبه على الفخر الرازي

- ‌كذبه على الوهابيين بأنهم قالوا إن الدين كان واحدا وجعله الأئمة أربعا

- ‌بيان جهل الملحد

- ‌ليس الأئمة سبب الاختلاف بل هو من غلاة المقلدين

- ‌عداوة الملحد لكتب الحديث وأهل الحديث

- ‌ نبذة من سيرة أئمة المذاهب

- ‌قول الملحد برفع الحرج عن الأمة بتعدد بتعدد الأهواء

- ‌في هذا القول طعن فيما كان عليه رسول الله وأصحابه

- ‌كذبه على شيخ الإسلام ابن تيمية

- ‌إنكاره بقاء الاجتهاد في الأمة

- ‌جهله بالأصول والقواعد والمصطلحات

- ‌ذكر جملة من العلماء المجتهدين

- ‌افتراؤه بوجود أولياء كانوا يتلقون الشريعة من ذات صاحبها عليه السلام بدون واسطة

- ‌اعتباره التلفيق أصلا في الشريعة

- ‌ادعاؤه أن الاختلاف هو عين الرحمة والرد عليه من الكتاب والسنة وكلام العلماء

- ‌كذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌افتراء الملحد على أئمة أهل الحديث والرد عليه

- ‌مبدأ جمع الحديث وتأليفه وانتشاره

- ‌ طبقات كتب الحديث

- ‌بين أئمة المذاهب وأئمة الحديث

- ‌ادعاء الملحد أن الأمة لم تجمع على صحيح البخاري

- ‌جهله بالأصول وطعنه في أحاديث الرسول

- ‌الملحد ليس على مذهب من المذاهب الأربعة

- ‌عقيدة الملحد في التوسل والرد عليها

- ‌افتراؤه بأن القرآن جاء بالتوسل بالرسل والأولياء

- ‌ادعاؤه بأنه لا يجوز تطبيق صفات الكافرين والمشركين على المسلمين ولو عملوا مثل أعمالهم واعتقدوا مثل عقائده

- ‌قوله بحياة الرسول في قبره والرد عليه

- ‌تناقضه بادعائه الاجتهاد الذي نفاه نفاه قبلا وتفسيره القرآن بهواه

- ‌أقوال العلماء في الحياة البرزخية

- ‌افتراء الملحد على الوهابيين أنهم أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌زعمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب استقلالا

- ‌عقيدته في الزيارة ودحض مفترياته

- ‌إقامة المواليد بدعة وضلالة

- ‌تحريف الملحد لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية وصرفه عن معناه

- ‌نص كلام شيخ الإسلام ابن تيمية

- ‌حنقه على شيخ الإسلام لتحقيقه توحيد الله تعالى وإفراده بجميع أنواع العبادات

- ‌لم يحرم شيخ الإسلام ابن تيمية زيارة القبور على الوجه المشروع بل منع تعظيمها وشد الرحال إليها اتباعا للسنة

- ‌كل من تصدى للرد على شيخ الإسلام كانوا من حثالة المقلدين

- ‌زيارة القبور الشرعية ليست مباحة فقط، بل هي سنة مؤكدة

- ‌ليس قصد التبرك من زيارة القبور إلا على دين المشركين الأولين

- ‌خلط الملحد بين التوسل والاستشفاع والاستغفار

- ‌جعله التوسل إلى الله كالتوسل إلى السلاطين

- ‌كذبه على الله بأن الشرع أباح التوسل

- ‌فصل من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة

- ‌افتراء الملحد بأن الوهابيين يعتقدون تأثير الأعراض

- ‌جهله بأن الدعاء هو العبادة

- ‌لم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة إن التوسل هو دعاء الأموات

- ‌إن الله لم يتعبدنا باتباع عقولنا بل أرسل إلينا رسولا بالمؤمنين رؤوف رحيم

- ‌ما جاء عن المصطفى صلى الله عليه وسلم لحماية حمى التوحيد

- ‌هذا الملحد المخذول هو الذي عارض الرسول عليه السلام في أصل رسالته

- ‌شهادة للوهابيين بالإيمان بالقرآن وإنكاره عليهم محبة الرسول وهذا مما لا يتفق مع الشهادة

- ‌الوهابيون بحمد الله سميعون مطيعون منفذون لكلام الله ولسنة رسوله عليه الصلاة والسلام

- ‌حديث "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وتلاعب الملحد به

- ‌آية {من يشفع شفاعة حسنة} وإلحاده في معناها

- ‌حديث "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك" وبيان أنه واه

- ‌كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث

- ‌تضعيف حديث قصة فاطمة بنت أسد

- ‌نقض دعوى الملحد أن النبي يتوسل بنفسه وبالأنبياء

- ‌نقض دعوى الملحد في حديث الأعمى والكلام على ضعفه ومعناه

- ‌كذب الملحد في دعوى عمل الصحابة بحديث الأعمى

- ‌تحريف الملحد للمنام بجعله حديثا

- ‌قصة رؤيا بلال بن الحارث مكذوبة

- ‌تحريف الملحد في توسل عمر بالعباس

- ‌كذب حديث توسل آدم برسول الله

- ‌تحريف الملحد في استدلاله على دعاء الموتى بحديث الشفاعة

- ‌أقوال علماء السلف في حديث الشفاعة

- ‌تحريف الملحد في استدلاله بحديث "يا عباد الله احبسوا

- ‌كفر الحاج مختار بضربه الأمثال لله بخلقه

- ‌ضلال الملحد وسادته في معاني الاستشفاع والاستغفار والتوسل

- ‌نحريف الملحد لآيات القرآن في الاستشفاع والاستغفار والتوسل

- ‌كذب الملحد وشيعته على الوهابيين بدعوى تحريم الصلاة على رسول الله

- ‌أكاذيب دحلان وضلالاته في تسوية الأحياء بالأموات

- ‌معارضة الملحدين نصوص الكتاب والسنة بأهوائهم

الفصل: ‌مبدأ جمع الحديث وتأليفه وانتشاره

منه –كما قال الحافظ ابن حجر- ابتداء تدوين الحديث النبوي. وقال الهروي رحمه الله في ذم الكلام: ولم تكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث إنما كانوا يؤدونها حفظاً، ويأخذونها لفظاً، إلا كتب الصدقات، والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء، حتى خيف عليه الدروس، وأسرع في العلماء الموت: أمر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أبا بكر بن محمد فيما كتب إليه"أن انظر ما كان من سنة أو حديث فاكتبه" وفي "هدى الساري مقدمة فتح الباري" أول من جمع ذلك الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما. وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن انتهى إلى كبار الطبقة الثالثة، وزمن جماعة من الأئمة، مثل عبد الملك بن جريج، ومالك بن أنس وغيرهما. فدونوا الحديث حتى قيل: إن أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج. وقيل: موطأ مالك. وقيل: أول من صنف وبوب:

الربيع بن صبيح بالبصرة، وقال القسطلاني: صنف مالك الموطأ بالمدينة، وعبد الملك بن جريج بمكة، وعبد الرحمن الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثير من الأئمة في التصنيف، كل على حسب ما سنح له وانتهى إليه علمه. انتهى.

ص: 261

‌مبدأ جمع الحديث وتأليفه وانتشاره

وانتشر جمع الحديث وتدوينه وتسطيره في الأجزاء والكتب، وكثر ذلك وعظم نفعه إلى زمن الإمامين العظيمين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري. فدونا كتابيهما، وأثبتا فيهما من الأحاديث ما قطعا بصحته، وثبت عندهما نقله. وسميا "الصحيحين" من الحديث. وقد صدقا فيما قالا، والله مجازيهما عليه. ولذلك رزقهم الله القبول شرقاً وغرباً ثم ازداد انتشار هذا النوع من التصنيف وكثر في الأيدي وتفرقت أغراض الناس، وتنوعت مقاصدهم إلى أن انقرض ذلك العصر الذي اجتمعوا واتفقوا فيه، مثل أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، ومثل أبي داود سليمان بن الأشعت السجستاني، وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وغيرهم. فكان ذلك العصر خلاصة العصور في تحصيل هذا

ص: 261

العلم وإليه المنتهى كذا في كشف الظنون.

وقال ابن خلدون: وكان علم الشريعة في مبدأ هذا الأمر نقلا صرفاً، وشمر لها السلف وتحروا الصحيح حتى أكملوها. وكتب مالك كتاب "الموطأ" أودعه أصول الأحكام من الصحيح المتفق عليه. ورتبه على أبواب الفقه ثم عني الحافظ بمعرفة طرق الأحاديث وأسانيدها المختلفة. وربما يقع إسناد الحديث من طرق متعددة عن رواة مختلفين. وقد يقع الحديث أيضاً في أبواب متعددة باختلاف المعاني التي اشتمل عليها. وجاء محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدثين في عصره فخرج أحاديث السنة على أبوابها في مسنده الصحيح بجميع الطرق التي للحجازيين والعراقيين والشاميين، واعتمد منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه وكرر الأحاديث يسوقها في كل باب بمعنى ذلك الباب الذي تضمنه الحديث فتكررت لذلك أحاديثه، حتى يقال: إنه اشتمل على تسعة آلاف حديث ومائتين منها ثلاثة آلاف متكررة، وفرق الطرق والأسانيد عليها مختلفة في كل باب. ثم جاء الإمام مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله تعالى فألف مسنده الصحيح، حذا فيه حذو البخاري في نقل المجمع عليه وحذف المتكرر منها وجمع الطرق والأسانيد، وبوبه على أبواب الفقه وتراجمه. ومع ذلك فلم يستوعبا الصحيح كله. وقد استدرك الناس عليهما في ذلك ثم كتب أبو داود السجستاني وأبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي في سنن بأوسع من الصحيح وقصدوا ما توفرت فيه شروط العمل، إما من الرتبة العالية في الأسانيد وهو الصحيح، كما هو معروف، وإما من الذي دونه من الحسن وغيره ليكون ذلك إماماً للسنة والعمل. وهذه هي المسانيد المشهورة في الملة وهي أمهات كتب الحديث في السنة. فإنها- وإن تعددت- ترجع إلى هذه في الأغلب، ومعرفة هذه الشروط والاصطلاحات كلها: هي علم الحديث. وربما يفرد عنها الناسخ والمنسوخ فيجعل فنا برأسه. وكذا الغريب. وللناس فيه تآليف مشهورة انتهى.

ثم نقص بعد ذلك الطلب وقل الحرص، وفترت الهمم. وكذلك كل نوع

ص: 262

من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها. فإنه يبتدئ قليلاً قليلاً ولا يزال ينمو ويزيد إلى أن يصل إلى غاية هي منتهاه، ثم لا يعود. وكأن غاية هذا العلم: انتهت إلى البخاري ومسلم ومن كان في عصرهما. ثم نزل وتقاصر إلى ما شاء الله تعالى حتى لا يوجد اليوم ممن يعلم الحديث، واحد في الجمع الجم من الناس. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الناس كالإبل المائة، لا تكاد توجد فيها راحلة، وإنما هم كحفالة الشعير"(1) فإنا لله وإنا إليه راجعون.

الفصل الثالث: في اختلاف الأغراض من تصانيف علم الحديث. اعلم أن هذا العلم، على شرفه وعلو منزلته: كان علماً غزيراً، مشكل اللفظ والمعنى. ولذلك كان الناس في تصانيفهم مختلفي الأغراض، فمنهم من قصر همته على تدوين الحديث مطلقاً ليحفظ لفظه، ويستنبط منه الحكم. كما فعله عبد الله بن موسى الضبي، وأبوا داود الطيالسي وغيرهما أولاً. وثانياً أحمد بن حنبل ومن بعده. فإنهم أثبتوا الأحاديث من مسانيد ذواتها. فيذكرون مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه ويثبتون فيه كل ما رووه عنه. ثم يذكرون بعده الصحابة واحداً بعد واحد على هذا المنسق، قال القسطلاني: فمنهم من رتب عل المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وأبي خيثمة، والحسن بن سفيان، وأبي بكر البزار، وغيرهم. انتهى.

ومنهم من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث باباً يختص به فإن كان في معنى الصلاة: ذكروه في باب الصلاة وإن كان في معنى الزكاة ذكروه فيها. كما فعل مالك في الموطأ، إلا أنه لقلة ما فيه من الأحاديث: قلت أبوابه، ثم اقتدى به من بعده. فلما انتهى الأمر إلى زمن البخاري ومسلم كثرت الأحاديث المودعة في كتابيهما، واقتدى بهما من جاء بعدهما. وهذا النوع أسهل من الأول، لأن الإنسان قد يعرف المعنى وإن لم يعرف راويه، بل ربما لا يحتاج إلى معرفة راويه. فإذا أراد حديثاً يتعلق بالصلاة

(1) حقالة الشعير: حثالته.

ص: 263

طلبه من كتاب الصلاة. لأن الحديث إذا أورد في كتاب الصلاة علم الناظر أن ذلك الحديث هو دليل ذلك الحكم، فلا يحتاج إلى أن يفكر فيه، بخلاف الأول.

ومنهم من استخرج أحاديث تتضمن ألفاظاً لغوية، ومعاني مشكلة فوضع لها كتاباً، قصره على ذكر متن الحديث، وشرح غريبه وإعرابه ومعناه، ولم يتعرض لذكر الأحكام كما فعل أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، وغيرهما.

ومنهم من رتب على العلل بان يجمع في كل متن طرقه، واختلاف الرواة فيه، بحيث يتضح إرسال ما يكون متصلاً، أو وقف ما يكون مرفوعاً، أو غير ذلك.

ومنهم من قصد إلى استخراج أحاديث تتضمن ترغياً وترهيباً، وأحاديث تتضمن أحكاماً شرعية غير جامعة، فدونها وأخرجها متونها وحدها، كما فعل أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في المصالح واللؤلؤء في المشكاة، وغير هؤلاء فإنهما حذفا الإسناد واقتصرا على المتن فقط.

ومنهم من اضاف إلى هذا الاختيار ذكر الأحكام وآراء الفقهاء، مثل أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، في معالم السنن وأعلام السنن (1) .

ومنهم من قصد ذكر الغريب، دون المتن من الحديث، واستخرج الكلمات الغريبة، ودونها ورتبها وشرحها، كما فعل أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي وغيره من العلماء.

وبالجملة فقد كثرت في هذا الشأن التصانيف، وانتشرت في أنواعه وفنونه التآليف، واتسعت دائرة المشارق والمغارب، واستنارت مناهج السنة لكل طالب. ولكن لما كان أولئك الأعلام السابقون فيه، لم يأت صنيعهم على أكمل الأوضاع، فإن غرضهم كان أولاً حفظ الحديث مطلقاً وإثباته، ودفع الكذب عنه والنظر في طرقه وحفظ رجاله وتزكيتهم، واعتبار أحوالهم، والتفتيش عن أمورهم، حتى قدحوا وجرحوا، وعدلوا وأخذوا وتركوا. هذا بعد الأحتياط

(1) اختلف في اسمه قيل أحمد وقيل حمد توفي عام 388هـ[الأعلام للزركلي2: 304] .

ص: 264

والضبط والتدبير. فكان هذا مقصدهم الأكبر، وغرضهم الأول، ولم يتسع الزمان لهم والعمر لأكثر من هذا الغرض الأعم، والمهم الأعظم. ولا رأوا في أيامهم أن يشتغلوا بغيره من لوازم هذا الفن التي هي كالتوابع، بل ولا يجوز لهم ذلك. فإن الواجب أولاً إثبات الذات، ثم ترتيب الصفات والأصل إنما هو عين الحديث ثم ترتيبه، وتحسين وضعه. ففعلوا ما هو الغرض المتعين، واخترمتهم المنايا قبل الفراغ، والتخلي لما فعله التابعون لهم والمقتدون بهم. فتعبوا لراحة من بعدهم ثم جاء الخلف الصالح فأحبوا أن يظهروا تلك الفضيلة، ويشيعوا تلك العلوم التي أفنوا أعمارهم في جمعها، بإبداع ترتيب، او بزيادة تهذيب، أو اختصار أو تقريب، أو استنباط حكم، أو شرح غريب. فمن هؤلاء المتأخرين من جمع بين كتب الأولين بنوع من التصرف والاختصار، كمن جمع بين كتابي البخاري ومسلم، مثل أبي بكر أحمد بن محمد الرماني، وأبي مسعود إبراهيم بن عبيد الدمشقي، وأبي عبد الله محمد الحميدي، فإنهم رتبوا على المسانيد دون الأبواب كما سبق. وتلاهم أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري فجمع بين كتب البخاري ومسلم والموطأ لمالك، وجامع الترمذي وسنن أبي داود والنسائي، ورتب على الأبواب إلا أن هؤلاء أودعوا متون الحديث عارية من الشرح وكان كتاب رزين أكبرها وأعمها، حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أم كتب الحديث وأشهرها، وبأحاديثها أخذ العلماء واستدل الفقهاء وأثبتوا الأحكام ومصنفوها أشهر علماء الحديث، وأكثرهم حفظاً، وإليهم المنتهى. وتلاه الإمام أبو السعادات مبارك بن محمد بن الأثير الجزري. فجمع بين كتاب رزين وبين الأصول الستة بتهذيبه وترتيب أبوابه، وتسهيل مطلبه، وشرح غريبه في "جامع الأصول" فكان أجمع ما جمع فيه. ثم جاء الحافظ جلال الدين السيوطي، فجمع بين الكتب الستة والمسانيد العشرة وغيرها في "جمع الجوامع" فكان أعظم بكثير من جامع الأصول، من جهة المتون إلا أنه لم يبال بما صنع فيه من جمع الأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة.

وكان أول ما بدأ به هؤلاء المتأخرون أنهم خذفوا الأسانيد اكتفاء بذكر من

ص: 265