الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منه –كما قال الحافظ ابن حجر- ابتداء تدوين الحديث النبوي. وقال الهروي رحمه الله في ذم الكلام: ولم تكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث إنما كانوا يؤدونها حفظاً، ويأخذونها لفظاً، إلا كتب الصدقات، والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء، حتى خيف عليه الدروس، وأسرع في العلماء الموت: أمر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أبا بكر بن محمد فيما كتب إليه"أن انظر ما كان من سنة أو حديث فاكتبه" وفي "هدى الساري مقدمة فتح الباري" أول من جمع ذلك الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما. وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن انتهى إلى كبار الطبقة الثالثة، وزمن جماعة من الأئمة، مثل عبد الملك بن جريج، ومالك بن أنس وغيرهما. فدونوا الحديث حتى قيل: إن أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج. وقيل: موطأ مالك. وقيل: أول من صنف وبوب:
الربيع بن صبيح بالبصرة، وقال القسطلاني: صنف مالك الموطأ بالمدينة، وعبد الملك بن جريج بمكة، وعبد الرحمن الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثير من الأئمة في التصنيف، كل على حسب ما سنح له وانتهى إليه علمه. انتهى.
مبدأ جمع الحديث وتأليفه وانتشاره
…
وانتشر جمع الحديث وتدوينه وتسطيره في الأجزاء والكتب، وكثر ذلك وعظم نفعه إلى زمن الإمامين العظيمين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري. فدونا كتابيهما، وأثبتا فيهما من الأحاديث ما قطعا بصحته، وثبت عندهما نقله. وسميا "الصحيحين" من الحديث. وقد صدقا فيما قالا، والله مجازيهما عليه. ولذلك رزقهم الله القبول شرقاً وغرباً ثم ازداد انتشار هذا النوع من التصنيف وكثر في الأيدي وتفرقت أغراض الناس، وتنوعت مقاصدهم إلى أن انقرض ذلك العصر الذي اجتمعوا واتفقوا فيه، مثل أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، ومثل أبي داود سليمان بن الأشعت السجستاني، وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وغيرهم. فكان ذلك العصر خلاصة العصور في تحصيل هذا
العلم وإليه المنتهى كذا في كشف الظنون.
وقال ابن خلدون: وكان علم الشريعة في مبدأ هذا الأمر نقلا صرفاً، وشمر لها السلف وتحروا الصحيح حتى أكملوها. وكتب مالك كتاب "الموطأ" أودعه أصول الأحكام من الصحيح المتفق عليه. ورتبه على أبواب الفقه ثم عني الحافظ بمعرفة طرق الأحاديث وأسانيدها المختلفة. وربما يقع إسناد الحديث من طرق متعددة عن رواة مختلفين. وقد يقع الحديث أيضاً في أبواب متعددة باختلاف المعاني التي اشتمل عليها. وجاء محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدثين في عصره فخرج أحاديث السنة على أبوابها في مسنده الصحيح بجميع الطرق التي للحجازيين والعراقيين والشاميين، واعتمد منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه وكرر الأحاديث يسوقها في كل باب بمعنى ذلك الباب الذي تضمنه الحديث فتكررت لذلك أحاديثه، حتى يقال: إنه اشتمل على تسعة آلاف حديث ومائتين منها ثلاثة آلاف متكررة، وفرق الطرق والأسانيد عليها مختلفة في كل باب. ثم جاء الإمام مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله تعالى فألف مسنده الصحيح، حذا فيه حذو البخاري في نقل المجمع عليه وحذف المتكرر منها وجمع الطرق والأسانيد، وبوبه على أبواب الفقه وتراجمه. ومع ذلك فلم يستوعبا الصحيح كله. وقد استدرك الناس عليهما في ذلك ثم كتب أبو داود السجستاني وأبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي في سنن بأوسع من الصحيح وقصدوا ما توفرت فيه شروط العمل، إما من الرتبة العالية في الأسانيد وهو الصحيح، كما هو معروف، وإما من الذي دونه من الحسن وغيره ليكون ذلك إماماً للسنة والعمل. وهذه هي المسانيد المشهورة في الملة وهي أمهات كتب الحديث في السنة. فإنها- وإن تعددت- ترجع إلى هذه في الأغلب، ومعرفة هذه الشروط والاصطلاحات كلها: هي علم الحديث. وربما يفرد عنها الناسخ والمنسوخ فيجعل فنا برأسه. وكذا الغريب. وللناس فيه تآليف مشهورة انتهى.
ثم نقص بعد ذلك الطلب وقل الحرص، وفترت الهمم. وكذلك كل نوع
من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها. فإنه يبتدئ قليلاً قليلاً ولا يزال ينمو ويزيد إلى أن يصل إلى غاية هي منتهاه، ثم لا يعود. وكأن غاية هذا العلم: انتهت إلى البخاري ومسلم ومن كان في عصرهما. ثم نزل وتقاصر إلى ما شاء الله تعالى حتى لا يوجد اليوم ممن يعلم الحديث، واحد في الجمع الجم من الناس. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الناس كالإبل المائة، لا تكاد توجد فيها راحلة، وإنما هم كحفالة الشعير"(1) فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الفصل الثالث: في اختلاف الأغراض من تصانيف علم الحديث. اعلم أن هذا العلم، على شرفه وعلو منزلته: كان علماً غزيراً، مشكل اللفظ والمعنى. ولذلك كان الناس في تصانيفهم مختلفي الأغراض، فمنهم من قصر همته على تدوين الحديث مطلقاً ليحفظ لفظه، ويستنبط منه الحكم. كما فعله عبد الله بن موسى الضبي، وأبوا داود الطيالسي وغيرهما أولاً. وثانياً أحمد بن حنبل ومن بعده. فإنهم أثبتوا الأحاديث من مسانيد ذواتها. فيذكرون مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه ويثبتون فيه كل ما رووه عنه. ثم يذكرون بعده الصحابة واحداً بعد واحد على هذا المنسق، قال القسطلاني: فمنهم من رتب عل المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وأبي خيثمة، والحسن بن سفيان، وأبي بكر البزار، وغيرهم. انتهى.
ومنهم من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث باباً يختص به فإن كان في معنى الصلاة: ذكروه في باب الصلاة وإن كان في معنى الزكاة ذكروه فيها. كما فعل مالك في الموطأ، إلا أنه لقلة ما فيه من الأحاديث: قلت أبوابه، ثم اقتدى به من بعده. فلما انتهى الأمر إلى زمن البخاري ومسلم كثرت الأحاديث المودعة في كتابيهما، واقتدى بهما من جاء بعدهما. وهذا النوع أسهل من الأول، لأن الإنسان قد يعرف المعنى وإن لم يعرف راويه، بل ربما لا يحتاج إلى معرفة راويه. فإذا أراد حديثاً يتعلق بالصلاة
(1) حقالة الشعير: حثالته.
طلبه من كتاب الصلاة. لأن الحديث إذا أورد في كتاب الصلاة علم الناظر أن ذلك الحديث هو دليل ذلك الحكم، فلا يحتاج إلى أن يفكر فيه، بخلاف الأول.
ومنهم من استخرج أحاديث تتضمن ألفاظاً لغوية، ومعاني مشكلة فوضع لها كتاباً، قصره على ذكر متن الحديث، وشرح غريبه وإعرابه ومعناه، ولم يتعرض لذكر الأحكام كما فعل أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، وغيرهما.
ومنهم من رتب على العلل بان يجمع في كل متن طرقه، واختلاف الرواة فيه، بحيث يتضح إرسال ما يكون متصلاً، أو وقف ما يكون مرفوعاً، أو غير ذلك.
ومنهم من قصد إلى استخراج أحاديث تتضمن ترغياً وترهيباً، وأحاديث تتضمن أحكاماً شرعية غير جامعة، فدونها وأخرجها متونها وحدها، كما فعل أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في المصالح واللؤلؤء في المشكاة، وغير هؤلاء فإنهما حذفا الإسناد واقتصرا على المتن فقط.
ومنهم من اضاف إلى هذا الاختيار ذكر الأحكام وآراء الفقهاء، مثل أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، في معالم السنن وأعلام السنن (1) .
ومنهم من قصد ذكر الغريب، دون المتن من الحديث، واستخرج الكلمات الغريبة، ودونها ورتبها وشرحها، كما فعل أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي وغيره من العلماء.
وبالجملة فقد كثرت في هذا الشأن التصانيف، وانتشرت في أنواعه وفنونه التآليف، واتسعت دائرة المشارق والمغارب، واستنارت مناهج السنة لكل طالب. ولكن لما كان أولئك الأعلام السابقون فيه، لم يأت صنيعهم على أكمل الأوضاع، فإن غرضهم كان أولاً حفظ الحديث مطلقاً وإثباته، ودفع الكذب عنه والنظر في طرقه وحفظ رجاله وتزكيتهم، واعتبار أحوالهم، والتفتيش عن أمورهم، حتى قدحوا وجرحوا، وعدلوا وأخذوا وتركوا. هذا بعد الأحتياط
(1) اختلف في اسمه قيل أحمد وقيل حمد توفي عام 388هـ[الأعلام للزركلي2: 304] .
والضبط والتدبير. فكان هذا مقصدهم الأكبر، وغرضهم الأول، ولم يتسع الزمان لهم والعمر لأكثر من هذا الغرض الأعم، والمهم الأعظم. ولا رأوا في أيامهم أن يشتغلوا بغيره من لوازم هذا الفن التي هي كالتوابع، بل ولا يجوز لهم ذلك. فإن الواجب أولاً إثبات الذات، ثم ترتيب الصفات والأصل إنما هو عين الحديث ثم ترتيبه، وتحسين وضعه. ففعلوا ما هو الغرض المتعين، واخترمتهم المنايا قبل الفراغ، والتخلي لما فعله التابعون لهم والمقتدون بهم. فتعبوا لراحة من بعدهم ثم جاء الخلف الصالح فأحبوا أن يظهروا تلك الفضيلة، ويشيعوا تلك العلوم التي أفنوا أعمارهم في جمعها، بإبداع ترتيب، او بزيادة تهذيب، أو اختصار أو تقريب، أو استنباط حكم، أو شرح غريب. فمن هؤلاء المتأخرين من جمع بين كتب الأولين بنوع من التصرف والاختصار، كمن جمع بين كتابي البخاري ومسلم، مثل أبي بكر أحمد بن محمد الرماني، وأبي مسعود إبراهيم بن عبيد الدمشقي، وأبي عبد الله محمد الحميدي، فإنهم رتبوا على المسانيد دون الأبواب كما سبق. وتلاهم أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري فجمع بين كتب البخاري ومسلم والموطأ لمالك، وجامع الترمذي وسنن أبي داود والنسائي، ورتب على الأبواب إلا أن هؤلاء أودعوا متون الحديث عارية من الشرح وكان كتاب رزين أكبرها وأعمها، حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أم كتب الحديث وأشهرها، وبأحاديثها أخذ العلماء واستدل الفقهاء وأثبتوا الأحكام ومصنفوها أشهر علماء الحديث، وأكثرهم حفظاً، وإليهم المنتهى. وتلاه الإمام أبو السعادات مبارك بن محمد بن الأثير الجزري. فجمع بين كتاب رزين وبين الأصول الستة بتهذيبه وترتيب أبوابه، وتسهيل مطلبه، وشرح غريبه في "جامع الأصول" فكان أجمع ما جمع فيه. ثم جاء الحافظ جلال الدين السيوطي، فجمع بين الكتب الستة والمسانيد العشرة وغيرها في "جمع الجوامع" فكان أعظم بكثير من جامع الأصول، من جهة المتون إلا أنه لم يبال بما صنع فيه من جمع الأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة.
وكان أول ما بدأ به هؤلاء المتأخرون أنهم خذفوا الأسانيد اكتفاء بذكر من