الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تحقيق التعاون على وجه ناجح (1). وهذا من حسن حظ المسلمين وحظ سائر البشر.
المُبَشِّرُونَ يَحْتَالُونَ عَلَى النِّظَامِ الجُمْرُكِيِّ:
ولم يكتف المبشرون منذ أول أمرهم بأن يقيموا حيث شاءوا في الإمبراطورية العثمانية، بل اتخذوا من ضعف الدولة العثمانية سببًا إلى التخلص من دفع الضرائب لأنهم أجانب!
ويبدو لنا بكل وضوح أن الامتيازات التي أصبح الأجانب يتمتعون بها في الإمبراطورية العثمانية كانت تزيد كلما زاد ضعف تلك الإمبراطورية. فالأمريكيون مثلاً لم يكونوا قبل عام 1865 مُعْفَيْنَ مِنَ الضَّرَائِبِ (2). ويبدو أن الرهبان اليسوعيين خاصة كانوا يتمتعون بالإعفاء من الضرائب قبل المبشرين الأمريكيين (3). وأخيرًا أصبحت الإمبراطورية العثمانية من الضعف بحيث سمحت لجميع الأجانب بأن يتمتعوا في إمبراطوريتها بامتيازات واسعة فلا يدفعون ضرائب على ما يستوردون من الخارج إذا كان لحاجاتهم الخاصة. ولكن تركيا عاودتها في آخر الأمر جرأتها وألغت الإعفاء الجمركي لأنها عرفت أن رجال الدين الأجانب الذين جاءوا لأعمال البر والإحسان بين ظهرانينا قد جعلوا يستوردون البضائع المختلفة ثم يبيعونها للتجار الوطنيين، أو يبيعونها لحسابه الخاص ولكن بواسطة التجار الوطنيين (4).
ولقد كانت الدول الأجنبية تبسط الحماية على مبشريها في بلاد المشرق لأنها تعدهم حملة لتجارتها وآرائها ولثقافتها إلى تلك البلاد، بل لقد كان ثمت ما هو أعظم من هذا عندها: لقد كان المبشرون يعملون - بطرق مختلفة كالتعليم مثلاً - على تهيئة شخصيات شرقية لا تقاوم التبسط الأجنبي (5).
في الرابع من نيسان عام 1924 عقد اتفاق بين الولايات المتحدة وفرنسا في باريس، ولكن لم يعلن إلا في الثالث عشر من آب، جاء في المادة العاشرة منه:
«إِنَّ أَشْرَافَ الدَّوْلَةِ المُنْتَدَبَةِ عَلَى الإِرْسَالِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ فِي سُورِيَّةَ وَلُبْنَانَ يَجِبُ أَنْ
(1) Cooperation and the World Mission 45
(2)
Jessup 293، 572، 470.
(3)
Jessup 534 etc.
(4)
Jessup 293.
(5)
Re -Thinking Missions p. 11، 14، 15
يَقْتَصِرَ عَلَى حِفْظِ الأَمْنِ وَتَسْيِيرِ الحُكْمِ (1). ثُمَّ إِنَّ نَشَاطَ هَذِهِ الإِرْسَالِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ يَجِبُ أَلَاّ يَعْتَرِضَ سَبِيلَهُ، كَمَا أَنَّ رِجَالَ هَذِهِ الإِرْسَالِيَّاتِ يَجِبُ أَلَاّ يَخْضَعُوا لِتَدْبِيرٍ يُقَيِّدُهُمْ بِسَبَبِ جِنْسِيَّتِهِمْ (2)، مَا دَامَ نَشَاطُهُمْ قَاصِرًا عَلَى الحَقْلِ الدِّينِيِّ
…
».
هذه المادة تدل ضمنًا على القيام بالتبشير، لأن التبشير هو المقصود بالتركيب «نَشَاطُ هَذِهِ الإِرْسَالِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ» ، مما يلاحظ من أماكن مختلفة، ستراها في الفصول التالية. وليس المقصود منها «مُمَارَسَةَ العِبَادَاتِ»: إن رعايا الدول الأجنبية كلها تمارس عبادتها في لبنان وفي غير لبنان من غير أن تكون قد عقدت معاهدة مع الدولة الفرنسية المنتدبة.
على أن فرنسا المنتدبة على سورية ولبنان قد استغلت كل فرصة لتنقل امتيازات الإرساليات المختلفة إلى الإرساليات الفرنسية وحدها. ففي تشرين الثاني من عام 1925 نقلت الحكومة الفرنسية حق الإشراف على المؤسسات التبشيرية، التي كانت للألمان قبل الحرب العالمية الأولى في بيروت خاصة، إلى المؤسسات التبشيرية والتعليمية الفرنسية ثم جعلتها تتمتع بإشراف الحكومة الفرنسية نفسها وإشراف المفوض السامي في سورية (3).
هذه لمحة عامة في بواعث التبشير وملابساته وغاياته الظاهرة والباطنة نمر بها مسرعين. وسيرى القارئ الكريم أوجه التبشير مفصلة في الأبواب التالية.
ونحن نحب من القارئ أن يتبين أن حب الخير والتعليم والتطبيب وما إليها هي وسائل للتبشير. ثم إن التبشير الديني نفسه ستار للتبشير التجاري والسياسي وأساسًا متينًا للاستعمار. ولنذكر دائمًا أن أكثر الفتن الداخلية في الشرق، من دينية وسياسية واجتماعية، إنما قام بها المبشرون والذين استأجرهم المبشرون، على ما نراه في الصفحات التالية كلها.
(1) في الأصل Good Government
(2)
المقصود: يجب ألا يحرم الأمريكيون عن امتيازات تتمتع بها الإرساليات الدينية الفرنسية.
(3)
Bianquis 3 - 5