الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البَنَاتِ فِي بَيْرُوتَ هِي بُؤْبُؤُ عَيْنِي. لَقَدْ شَعُرْتُ دَائِمًا أَنَّ مُسْتَقْبِلَ سُورِيَّةَ إِنَّمَا هُوَ بِتَعْلِيمِ بَنَاتِهَا وَنِسَائِهَا. لَقَدْ بَدَأَتْ مَدْرَسَتُنَا (لِلْبِنَاتِ)، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهَا بَعْدُ بِنَاءٌ خَاصٌّ بِهَا. وَهَا هِيَ قَدْ أَثَارَتْ اِهْتِمَامًا شَدِيدًا فِي أَوْسَاطِ الجَمْعِيَّاتِ التَّبْشِيرِيَّةِ» (1).
إن المبشرين لم يتأخروا في فتح مدارس البنات. إن أول مدرسة للبنات في الإمبراطورية العثمانية فتحها المبشرون في بيروت عام 1830 (2). ولقد فتح المبشرون مدارس كثيرة للبنات في مصر والسودان وسورية كلها وفي الهند والأفغان (3).
وكان اهتمام المبشرين بالمدارس الداخلية للبنات أشد. قالوا: إن التبشير يكون أتم حبكًا في مدارس البنات الداخلية لما يكون فيها من الأحوال المواتية والفرص السانحة.
إن المدرسة الداخلية تفضل المدرسة الخارجية لأنها تجعل الصلة الشخصية بالطالبات أوثق، ولأنها تنتزعهن من نفوذ حياة بيتية غير مسيحية (4). ويفرح المبشرون إذا اجتمع في مدارسهم الداخلية بنات من أسر معروفة، لأن نفوذ هؤلاء يكون حينئذٍ في بيتهن أعظم.
وتتكلم المبشرة (أَنَّا مِيلِيغَانْ) فتقول: «فِي صُفُوفِ كُلِّيَّةِ البَنَاتِ فِي القَاهِرَةِ بَنَاتٌ آبَاؤُهُنَّ بَاشَوَاتْ وَبَكَوَاتْ. وَلَيْسَ ثَمَّةَ مَكَانٌ آخَرَ يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ مِثْلُ هَذَا العَدَدِ مِنَ البَنَاتِ المُسْلِمَاتِ تَحْتَ النُّفُوذِ المَسِيحِيِّ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ طَرِيقٌ إِلَى حِصْنِ الإِسْلَامِ أَقْصَرَ مَسَافَةً مِنْ هَذِهِ الدِّرَاسَةِ» (5).
من أجل ذلك طلب المبشرون الأمريكيون منذ عام 1870 مبلغ ثلاثين ألف دولار لمدرسة دينية للبنات في بيروت وعللوا طلبهم هذا بقيمة المرأة في الحياة البيتية وأن تلك المدرسة ستساعد على تنصير سورية في المستقبل (6).
التَّبْشِيرُ بَيْنَ الدَّارِسِينَ فِي الخَارِجِ:
على الرغم من كل ما ادعى المبشرون من أنهم جعلوا طلابًا مسلمين يصبأون إلى النصرانية، فإنهم يبالغون كثيرًا في نجاحهم. نحن لا نشك في أن أفرادًا مسلمين قد انقلبوا بعد إيمانهم. ولكن هؤلاء أفراد قليلون جِدًّ، ثم إنهم يعيشون في عزلة أو شبه
(1) Jessup 280
(2)
Bliss R 327
(3)
Milligan 121 ff، Richter 249; Gairdner 203 - 5
(4)
Milligan 102
(5)
Milligan 121
(6)
Jessup 223
عزلة لا يستطيعون أن يتحدوا [مع] المجتمع الذي يعيشون فيه.
ولقد أدرك المبشرون ذلك كله. وبما أن غاية المبشرين ليست دينية في الدرجة الأولى بل هي «إفسادية» : يحاولون بها أن يفككوا وحدة الأمة الإسلامية ليحكموا شعوبها، فإنهم قنعوا أن يفسدوا هذه الشعوب، لأن إفساد الشعوب يصل بالمبشرين إلى غايتهم القصوى وهي تمكين الدول الغربية من حكم البلاد الإسلامية. أما النصرانية فإن الذين يمولون المبشرين لا يهتمون بها البتة. إن هؤلاء المبشرين الذِينَ يُرْسَلُونَ إلى الشرق لاكتساب نفوس جديدة إلى صفوف النصرانية - في الظاهر - يصرخون في كل مكان:«أَعِيدُوا أَوَّلاً إِلَى الكَنِيسَةِ طُلَاّبَنَا نَحْنُ، وَفِي أَمِرِيكَا نَفْسَهَا» (1).
إذن يجب على المبشرين أن يفسدوا الطلاب المسلمين، يقول المبشر (تكلي) (2):«يَجِبُ أَنْ نُشَجِّعَ إِنْشَاءَ المَدَارِسِ، وَأَنْ نُشَجِّعَ عَلَى الأَخَصِّ التَّعْلِيمَ الغَرْبِيَّ. إِنَّ كَثِيرِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ قَدْ زُعْزِعَ اِعْتِقَادُهُمْ حِينَمَا تَعَلَّمُوا اللُّغَةَ الإِنْجْلِيزِيَّةَ. إِنَّ الكُتُبَ الغَرْبِيَّةَ تَجْعَلُ الاِعْتِقَادَ بِكِتَابٍ شَرْقِيٍّ مُقَدَّسٍ أَمْرًا صَعْبًا جِدًّا» .
ويبدو بوضوح أن المبشرين لم يستطيعوا إفساد المسلمين بالقدر الذي تمنوه فقنعوا بأن «يُلَوِّنُوا» الطلاب المسلمين بالنصرانية تلوينًا يبعدهم بعض البعد عن عقيدتهم الأولى ثم يدنيهم بعض الدنو من النصرانية.
• • •
مما لا ريب فيه أن ذهاب الطلاب الشرقيين إلى أوروبا وأمريكا يكسبهم شيئًا من أساليب الحياة الغربية ومن الاتجاه الغربي في التفكير والعلم والسلوك وما إلى ذلك. ولا ريب أيضًا في أن لذلك حسناته وسيئاته. ولكن المبشرين يريدون أن يفيدوا من دراسة الطلاب الشرقيين في الخارج أمرًا آخر. إنهم يريدون أن يجعلوا من هؤلاء الطلاب «نَصَارَى» بالفعل أو مماثلين للنصرانية (3).
ويدخل في هذا الباب زواج المسلمين بالغربيات، الأوروبيات والأمريكيات، وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا في مكانه.
وتطيب هذه الفكرة للمستشرق المبشر وللمستشار الشرقي في وزارة المستعمرات
(1) Missionary Outlook 275
(2)
Takle، cf. 217 : cf. Islam and Missions :cf. alsoMissionary outlook 275 - 6
(3)
Missionary Outlook 276 ff
الفرنسية، (لويس ماسينيون)، فيدبج المقالات الطوال ويقول لقومه:«إِنَّ الطُّلَاّبَ الشَّرْقِيِّينَ الذِينَ يَأْتُونَ إِلَى فِرَنْسَا يَجِبُ أَنْ يُلَوَّنُوا بِالمَدَنِيَّةِ المَسِيحِيَّةِ» (1).
• • •
وهكذا يجب أن نخرج من هذا الفصل بهذه الفكرة: أن المبشرين والذين هم وراء المبشرين، يبذلون كل جهد لاستخدم العلم والتعليم في سبيل التبشير. غير أن لتبشيرهم ظاهرًا وباطنًا. أما ظاهره فدعوة إلى سلوك هم لا يسلكونه. وتلك دعوة على كل حال لم تم: إن الذين يريدون أن يبشروا بالنصرانية بين غير النصارى، هم أنفسهم قليلو الاحتفال بالدين لكه. وإن من عاش مدة يسيرة في أوروبا والولايات المتحدة يدرك ذلك تمام الإدراك. وأما باطن التبشير فهو تفكيك أواصر القربى الروحية في الأمة الإسلامية خاصة ختى يستطيع الغرب أن يحكم الشعوب الإسلامية ويستغل بلادها اقتصاديًا وحربيًا.
(1) Revue Dieu Vivant. No. 4، pp. 7 ss