الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفَصْلُ الرَّابِعُ: التَّعْلِيمُ مَيْدَانٌ فَسِيحٌ لِلْتَّبْشِيرِ:
[2]
المؤسسات التبشيرية: الكليات والجامعات خاصة.
نشأ في الجمهورية اللبنانية أحزاب ومنظمات كثيرة لا يحصيها العد من هذه الأحزاب والمنظمات حزب (محلول اليوم) اسمه الحزب القومي السوري أنشأه عام 1932 شاب اسمه أنطوان سعادة وبنى عقيدته على أن سورية بحدودها الطبيعية وحده جغرافية. هذه الوحدة الجغرافية يجب أن تؤلف يومًا ما دولة قومية. لأن السوريين أمة. «وَعَلَى هَذَا تُؤَلِّفُ المَسْأَلَةُ اللُّبْنَانِيَّةُ جُزْءًا مُتَمِّمًا لِلْقَضِيَّةِ السُّورِيَّةِ. وَجَمِيعُ المًسَائِلِ السُّورِيَّةِ، بِمَا فِيهَا المَسْأَلَةُ اللُّبْنَانِيَّةُ يَجِبُ أَنْ تُوَحَّدَ فِي بَرْنَامَجٍ وَاحِدٍ وَقَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ» (1).
وبعد أربعة أعوام، أي في عام 1936، نشأ على الضفة الثانية لهذا الكفاح السياسي منظمة اسمها «الكَتَائِبُ» اللبنانية (وهي أيضًا محلولة اليوم كمنظمة وموجودة كحزب). هذه المنظمة تقول:«إِنَّ لُبْنَانَ وَحْدَةٌ سِيَاسِيَّةٌ وَتَارِيخِيَّةٌ وَجُغْرَافِيَّةٌ (2)، وَإِنَّ اللُّبْنَانِيَّينَ أُمَّةٌ» (3). ولذلك قالت منظمة الكتائب أيضًا (4): «نَأْبَى التَّسْلِيمَ (بِنَظَرِيَّةِ سُورِيَّةَ الجُغْرَافِيَّةَ) لأَنَّهَا لَا تُقِرُّ بِحَقِيقَةِ لُبْنَانَ الطَّبِيعِيَّةَ، فَضْلاً عَنْ أَنَّ هَذِهِ " النَّظَرِيَّةَ " - وَهِيَ مِنْ صُنْعِ المُسْتَشْرِقِينَ المُسَخِّرِينَ لِسِيَاسَاتِ الاِسْتِعْمَارِ - لَا تَرْتَكِزُ إِلَى أَسَاسٍ تَارِيخِيٍّ
…
».
ومع أن الحزب القومي السوري ولمنظمة الكتائب اللبنانية شروحًا لمبادئهما كثارًا،
(1) راجع: " بلاغ من زعيم السوريين القوميين إلى الرأي العام "، 5 يونيو (حزيران) 1936، ص 10، 11.
(2)
" أهدافنا "(الكتائب اللبنانية، مصلحة الدعاية والنشر)، 1936 - 1944، ص 7.
(3)
مثله 8.
(4)
مثله 12.
فإن الذي يهمنا هنا شيء آخر. إن الذي يهمنا هنا أن الاحتكاك والتراشق بينهما لم يفتر قط، بل كان يقوى كلما تقدم بهما الزمن وزاد أنصارهما. ومنذ أواخر عام 1943، أي بعد أن خرجت الجمهورية اللبنانية من قيود الانتداب الفرنسي إلى بحبوحة الاستقلال برزت العداوة بين الحزب القومي وبين الكتائب اللبنانية بروزًا ظاهرًا تراءى في الانتخابات النيابية وفي الأعياد المحلية وفي حفلات الخطابة. وفي أواخر حزيران وقع الاحتكاك العلني الأول بين أفراد الحزب القومي وبين أفراد منظمة الكتائب في بيروت، فقبضت الحكومة اللبنانية على نفر من هؤلاء ونفر من هؤلاء. إلا أن المقبوض عليهم من أفراد الحزب القومي السوري كانوا أكثر عددًا. ثم اتسعت حركة الاعتقال بين القوميين بتهمة تدبير انقلاب سياسي بقوة السلاح.
ولم يكد ينتهي حزيران حتى أخذ أفراد الحزب القومي السوري يهاجمون المخافر اللبنانية في ضواحي بيروت وفي أماكن متفرقة في جبل لبنان والبقاع. ثم إنهم وسعوا حركتهم الثورية حتى اضطرت الحكومة اللبنانية إلى أن تجرد عليهم قطعة من الجيش، فاستطاعت في أيام قلائل أن تحبط حركتهم، ثم قبضت على عدد غفير منهم. وأخيرًا تمكنت من القبض على زعيم الحزب أنطوان سعادة وحاكمته محاكمة عسكرية ثم أعدمته رميًا بالرصاص (فجر الجمعة 8 تموز 1949).
وفي صباح اليوم التالي صدرت جريدة " العمل "(1)، لسان منظمة الكتائب اللبنانية، وفي صدر صفحتها الأولى مقال افتتاحي عنوانه «كُونُوا مُتَيَقِّظِينَ». كان في هذا المقال الافتتاحي مقطع هو:
«وَلَكَمْ أَشَرْنَا إلى أن الكلية الأمريكية في بيروت بؤرة ملأى بالدس على لبنان وعلى كيانه. إن أكثر الضالين من اللبنانيين ضلوا بين أحضانها، وكل المهوشين علينا من جيراننا تلقنوا بُغْضَ لُبْنَانَ وأساليب السعي ضده تحت أكنافها. وهل كانت حركة أنطوان سعادة تمكنت لو لم يجد لها أرضًا خصبة في تلاميذ الجامعة الأمريكية، لبنانيين وغير لبنانيين.
فإلى متى هذا الإغضاء؟
إن المحنة التي اجتازتها البلاد ينبغي ألا تتجدد ولو اقتضى الأمر إلى اعتقال كل اللاجئين الأشرار (2) وإلى إقفال الجامعة الأمريكية».
(1) جريدة " العمل " بيروت، السبت 9 تموز 1949، السنة العاشرة، العدد 1015.
(2)
إشارة إلى أن كثيرين من الذين قاموا بالحركة التي أدت إلى التصادم بين الحزب القومي وبين الحكومة كانوا سوريين أو فلسطينيين أو يسكنون في لبنان (المقال نفسه).
وفي اليوم التالي (10 تموز 1949) صدرت جريدة " الديار "(1) بمقال افتتاحي عنوانه: " فَضْلُ الجَامِعَةِ الأَمِرِيكِيَّةِ عَلَيْنَا " ردت فيه على جريدة " العمل " فقالت، بعد أن قدمت لمقالها بالمقطع السابق الذي اقتطعناه نحن من مقال " العمل ". قالت جريدة " النهار ":
«فإذا كان المقصود من الضلال أرباب العقيدة العربية السليمة فإن طلبة الجامعة ليفتخرون بمعهد أيقظ فيهم روح العزة العربية، وجمع أبناء البلاد العربية في حظيرة هذه القومية. وإنهم يشفقون على معتنقي قوميات شعوبية سواء كانت قوميات لبنانية أو فينيقية أو سورية.
وإذا كانت " العمل " متأثرة من الحزب القومي السوري فعليها أن تدرس بدقة فيتبين لها أن مقاومة مبدأ (هذا) الحزب في دنيا العرب تقوم على أكتاف طلاب الجامعة الأمريكية. إن مليون حجة تبنى على قومية محلية لا تقنع سوريًا أو عراقيًا بفساد نظرية القومية السورية، بل الإقناع يأتي من التطلع إلى قومية واسعة ناسخة، هي القومية العربية. إن هذه المهمة يتبرع بها طلاب الجامعة الأمريكية، وهو رسل القومية العربية في أنحاء الشرق العربي وحملة أعلام التحرر والاستقلال، يوم كان طلاب المعاهد الأخرى يغوصون في عبادة الاستعمار إلى ما فوق الرقاب».
وفي اليوم نفسه (10 تموز 1949) عقدت جريدة " بيروت " مقالاً افتتاحيًا (2) في الرد على جريدة " العمل " عنوانه " إِلَى الكَتَائِبِ! " قالت فيه تنعت مقال " العمل " الاقتتاحي المذكور: «أقول جارفة لم يتعود أبناء الجامعة أن يطلقوها جزافًا، فأين الأسلوب (العلمي في التفكير
…
وأين البحث والنظر
…
وأين أعينكم وعقولكم يا رجال الكتائب؟). ولكن المعرفة سهلة والعمل عسير. والناس لا يتفاوتون كثيرًا في معرفة القانون، ولكنهم يتفاوتون جد التفاوت في تطبيق القانون. فما بال رجال الكتائب، وجلهم من رجال المعرفة، يهرفون بما لا يعرفون، وأين برهانهم وهم يكتبون ما يكتبون؟ إنهم يكتبون ما تمليه عليهم الظنون والأوهام، وتسطره الأذهان غير العملية، وما تفرضه السياسة ذات الاتجاه الواحد .. أنحن، شباب الجامعة ، الضالون وأنتم المهتدون، لأن رجلاً كالزعيم أنطوان سعادة تبنى عقيدة ما؟ لقد استنكرنا هذه العقيدة قبل
(1) جريدة " الديار "، بيروت: الأحد في 10 تموز 1949، السنة الثامنة، العدد 1911.
(2)
جريدة " بيروت "، بيروت، الأحد في 10 تموز 1949، السنة 13، العدد 3392، الصفحة الأولى.
الكتائبيين، وحاربناهم قبلهم. غير أن واحدًا لا يستطيع أن ينكر أن هذه العقيدة، مهما تكن أسسها واهية، ألفت بين المسيحي والمسلم وأذابت الطائفية التي نشكو منها جميعًا، والكتائب التي لم توفق عمليًا إلى هذا، أو إلى شيء من هذا فظلت على الرغم من جهاد استمر اثنتي عشرة سنة ذات لون واحد وصبغة واحدة. فهل تبنى الأوطان على عنصر (واحد) من المواطنين يحيا مع عناصر كثيرة؟.
لسنا هنا في مقام الموازنة بين عقيدة الحزب القومي وبين عقيدة الكتائب، ولا نحن في مقام المقارنة بين شكل المقالات الثلاث التي استشهدنا بها. غير أننا نريد أن نوجه البحث إلى صلب الموضوع:«الجامعة الأمريكية» من حيث هي جامعة أجنبية، ثم «الجامعة اليسوعية» من حيث هي جامعة أجنبية أيضًا. إن مقال جريدة " بيروت " ومقال جريدة " الديار " قد مَسَّا هَذَا المَوْضُوعَ مَسًّا، ولكن مقال جريدة " بيروت " كان أكثر رفقًا - كما هو معروف من سياسة هذه الجريدة - أما مقال " الديار " فكان أوضح قليلاً.
جريدة " العمل " تقول: «إن الجامعة الأمريكية يجب أن تزول لأن الكثيرين من الذين ينتمون إلى الحزب القومي السوري - عدو الكتائب - كانوا من الجامعة الأمريكية» .
فتقبل جريدة " الديار " هذا التحديث شكلاً وتقول: «إن نظرة طلاب الجامعة الأمريكية أوسع من ذلك. إنهم " أرباب عقيدة عربية "» .. ثم إنها تغمز الكتائب في ميلهم إلى القومية الفينيقية، وتغمز طلاب المعاهد الأجنبية الأخرى غمزة شديدة فتقول:«يوم كان طلاب المعاهد الأخرى يغوصون في عبادة الاستعمار إلى ما فوق الرقاب» .
هذا هو مجال المقارنة: ما مقام المدارس الأجنبية في حياتنا القومية؟
قد تتفاضل المعاهد الأجنبية في ذلك كثيرًا أو قليلاً، ولكن المعاهد الأجنبية معاهد أجنبية قبل كل شيء. ولقد اتفق للجامعة الأمريكية أن اعتنقت فكرة قومية أوسع، لأن أفقها كان أوسع، ولأن طلابها كانوا من بلاد أوسع انتشارًا في الأرض، ولأن الولايات المتحدة بلد مساحته ثمانية ملايين كيلومتر مربع، بينما الجامعة اليسوعية وجدت لتحبب فرنسا إلى أهل لبنان، أو إلى قسم من أهل لبنان على الأصح. ومع ذلك فإن هذا لا دخل له في موضوعنا الأساسي، فلنلتفت إلى ما كان لهذه المؤسسات الأجنبية كلها من مضار على حياتنا القومية والدينية والثقافية والاجتماعية، وإلى ما كان لها من نفع.
أما نحن فنرى أن الجامعات أداة توجيه في البلاد، من أجل ذلك لا يجوز أن تكون