الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بحال من الأحوال. ولكن لنفرض أن رواتب الموظفين ونفقات الإدارة تدفعها الأمم المتحدة، وإن المبلغ المذكور كله، وهو 29،000،000 دولار، ينفق على إغاثة اللاجئين المسجلين في سجلات وكالة الإغاثة، وعددهم 960،021 لاجئًا، فيكون ما يصيب اللاجئ في العام نحو ثلاثين دولارًا. والواقع أنه لا يصيب اللاجئ في العام إلا نحو خمسة عشر دولارًا أو دولار وربع فقط كل شهر. أما تقرير وكالة الإغاثة فقد تبجح فذكر (1):«أَنَّ جَمِيعَ النَّفَقَاتِ وَالمَصْرُوفَاتِ (لِكُلِّ لَاجِئٍ) تَبْلُغُ 225 دُولَارًا (مِائَتَيْنِ وَخَمْسَةَ وَ [عِشْرِينَ] دُولَارًا) فِي كُلِّ شَهْرٍ بِالإِضَافَةِ إِلَى المُؤَنِ الخَاصَّةِ التِي وُزِّعَتْ عَيْنًا عَلَى المَرَاضِعِ وَالأَطْفَالِ وَالمَرْضَى وَالمُصَابِينَ بِسُوءِ التَّغْذِيَةِ» . إن مائتين وخمسة وعشرين دولارًا تساوي نحو ستة وتسعين جنيهًا أو ألف ريال سعودي أو نحو سبعمائة وخمسين ليرة سورية لبنانية. هذا المبلغ يوازي في الشرق الأوسط راتب موظف كبير في الدولة، ولكن وكالة الإغاثة ذكرته تَبَجُّحًا وَدِعَايَةً.
وبما أن نشرة الأمم المتحدة هذه كانت تصلني، فقد لفت هذا التقرير وما فيه من المغالطات نظري. فكتبت إلى رئيس تحرير النشرة رسالة (2) أستوضحه فيها عما جاء في التقرير المنشور. وَلَقَدْ وَرَدَ عَلَيَّ الجَوَابُ (3) ينسب «ذُكِرَ الرَّقْمُ 225 دُولَارًا» إلى خطأ آلي. ولكنني لا أذكر أن نشرة الأمم المتحدة قد صححت «هَذَا الخَطَأَ الآلِيَّ» في عدد من أعدادها التالية. ثم انقطعت هذه النشرة عن الوصول إِلَيَّ.
غير أن ما هو أَدْهَى مِنْ ذَلِكَ وَأَمَرُّ أن وكالة الإغاثة تسوم اللاجئين سوء العذاب بالإهمال والإذلال والتعذيب والتنكيل حتى سميت في الصحافة المحلية «وِكَالَةَ الإِبَادَةِ» . وأخبار سوء معاملتها للاجئين تملأ الصحف العربية. أما ما يقال عن تحيز الوكالة لأعداء اللاجئين ولأساليبها التبشيرية والاستعمارية فكثير مشهور في الصحف المحلية، وليس هذا الكتاب موضعًا له.
نَشْرُ الفَسَادِ:
بعد فتنة سنة الستين (عام 1860 م) أرسلت فرنسا جيشًا لتحتل جبل لبنان دفاعًا عن الموارنة. «وِلَقَدْ كَانَ الاِحْتِلَالُ الفِرَنْسِيُّ لَعْنَةً فِي سُورِيَّةَ، فَقَدْ فَتَحَ الفِرَنْسِيُّونَ يَوْمَذَاكَ فِي
(1)" نشرة الأمم المتحدة " الآنفة الذكر، الصفحة 3، في الوسط، والصفحة 3، في الوسط.
(2)
بتاريخ 7 تشرين الأول (أكتوبر)1955.
(3)
بتاريخ 24 نوفمبر (تشرين الثاني)1955.
لُبْنَانَ خَمْسِينَ حَانَةً وَعَدَدًا كَبِيرًا مِنْ بُيُوتِ الدَّعَارَةِ. وَكَذَلِكَ تَفَشِّي السُّكْرِ إِلَى حَدٍّ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلُ مَعْرُوفًا. ثُمَّ زَالَ الاِحْتِلَالُ الفِرَنْسِيُّ، وَلَكِنَّ سَيِّئَاتَهُ لَمْ تُزَلْ» (1).
ولم يكن الفرنسيون في ذلك وحدهم مَثَلَ السُّوءِ بل جاراهم الإنجليز كخيل الرهان. وصلت إلى بيروت سفينة حربية إنجليزية إلى حانة يديرها مسيو (تروية)(2) وطلبوا خمرًا فلم يعطهم. عندئذٍ اندفعوا إلى الحانة يحطمون ما فيها، فأخذوا وسجنوا. ويقول المبشر (جسب) بصراحة:«أَنَّ هَذَا العَمَلَ قَدْ حَطَّ مِنْ قَدْرِ الإِنْجْلِيزْ فِي عُيُونِ أَهْلِ بَيْرُوتَ، وَكَانَ مِمَّا يُقَلِّلُ الثِّقَةَ بِالمُبَشِّرِينَ» (3).
ومما يستحق الذكر ويساعد على فهم هذه السياسة من الإفساد الجدي الذي كان يرافق الأعمال الاجتماعية التي كان الغربيون يقومون بها في بلادنا رياءً لمآربهم «أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْرُوتَ عَامَ 1856 حَانَةً وَاحِدَةً يُدِيرُهَا رَجُلٌ يُونَانِيٌّ. غَيْرَ أَنَّ (البَاشَا) - الحَاكِمُ - أَغْلَقَهَا. وَلَكِنَّ القُنْصُلَ اليُونَانِيَّ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ فَتَحَهَا لأَنَّ صَاحِبَهَا يَتَمَتَّعُ بِحِمَايَةِ دَوْلَةٍ مَسِيحِيَّةٍ
…
وَكَذَلِكَ كَانَتْ الخَمْرُ تُشْحَنُ مِنْ إِنْجْلِتْرَا إِلَى الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ العُثْمَانِيَّةِ لِتَفْتِكَ بِالشُّعُوبِ العُثْمَانِيَّةِ كَمَا هِيَ الآنَ (4) تَفْتِكُ بِالقَبَائِلِ الأَفْرِيقِيَّةِ» (5).
والإنجليز قديمو العهد في صناعة الإفساد الخلقي للولوج بالاستعمار إلى مناطق العالم المختلفة. في عام 1839 ثارت بين إنجلترا والصين حرب عرفت باسم (حرب الأفيون)، ذلك لأن الشركات البريطانية كانت قد أنشأت في البنغال - شرقي الهند - مزارع ومعامل للأفيون وأخذت ترسله إلى الصين جَهْرًا وَسِرًّا. ولما حاولت الصين أن تمنع دخول الأفيون إلى بلادها حرصًا على صحة أهلها، هبت إنجلترا لمحاربة الصين دفاعًا عن حرية التجارة. وانتهت (حرب الأفيون) بانتصار إنجلترا وعقد معاهدة نانكين (1842) واستيلاء الإنجليز على جزيرة هونغ كونغ. واستمر تهريب الأفيون إلى الصين احتكارًا تامًا للإنجليز وللشركات الإنجليزية (6). وهكذا فرض الإنجليز هذا المخدر بقوة السلاح على أهل الصين تنفيذًا لخطة أملتها مطامع الاستعمار (7).
(1) Jessup 233 ff. ، 730
(2)
Mr. Troyet
(3)
Jessup 235
(4)
في زمن المبشر (جسب): Jessup .
(5)
Jessup 120
(6)
راجع " الاستعمار الفرنسي عدو الشعوب ": ص 19 وما بعدها.
(7)
" قصة العقاقير "، للدكتور محمود سلامة (سلسلة إقرأ، رقم 124)، ص 9.
ولا ريب في أن تهريب «حَشِيشَةَ الكِيفْ» (الحشيش) إلى مصر لم يكن سببه براعة المهربين المحليين فقط وعجز الإنجليز عن اكتشاف وسائل التهريب. وقد ظهر الآن وراء كل شك أن عمليات التهريب الكبرى تستند إلى مساعدات دولية هامة.
أما لماذا يستجيز الأوروبيون إفساد الشعوب في آسيا وأفريقيا فليس ذلك فقط لأنهم يحبون الكسب والسيطرة، بل لأنهم يعتقدون أن الشعوب الملونة أقل منهم قدرًا في سلم الإنسانية. من هذا الاعتقاد نشأت فلسفة أوروبا في الاسترقاق والاستعمار.
منذ أوائل القرن السادس عشر للميلاد بدأ البرتغاليون تجارة الرقيق، ثم تبعتهم في ذلك دول أوروبا. وبلغ الاتجار بالزنوج مداه في بريطانيا، حتى أن الملكة (إليزابت الأولى) شاركت الجلابين في تجارتهم هذه وأعارتهم بعض سفن أسطولها. وتطلبت إنجلترا عذرًا للاتجار بالرقيق السود فتبرع لها به رجال الدين. لقد وجدوا في " التوراة "(1) «أَنَّ حَامْ بْنُ نُوحٍ كَانَ قَدْ أَغْضَبَ أَبَاهُ، قِيلَ: إِنَّ نُوحًا سَكَرَ يَوْمًا فَتَعَرَّى وَنَامَ فِي خَبَائِهِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ ابْنَهُ حَامًا أَبْصَرَهُ عَلَى هَذِهِ الحَالِ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ وَعَلِمَ أَنَّ حَامًا قَدْ أَبْصَرَهُ عَارِيًا دَعَا عَلَيْهِ وَلَعَنَ نَسْلَهُ الذِينَ هُمْ كَنْعَانُ وَقَالَ بِلَفْظِ " التَّوْرَاةِ ": "
…
مَلْعُونٌ كَنْعَانُ. عَبْدُ العَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ ". وَقَالَ مُبَارِكُ الرَّبِّ: " إِنَّهُ سَامٌ ". وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ (2). ليفتح الله ليافث فيسكن مساكن سام. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ». وبما أن الأوروبيين يعتقدون أنهم أبناء (يافث) وأن الزنوج هم أبناء (كنعان بن حام) فقد أفتوا بأن استعباد الزنوج مباح، أو هو واجب بلفظ " التوراة "، و" التوراة " أساس الدين. والغريب في ذلك أن الأوروبيين قد وصلوا إلى القرن العشرين من تاريخ المدنية ولا يزالون يعتقدون، وخصوصًا الإنجليز والأمريكيين، أن الرقيق مباح وأن الاتجار بالبشر كالاتجار بالقطن والدجاج. على أن الأوروبيين يحرمون الرقيق في المؤتمرات والصحف والمجلات، ولكنهم يسترقون الناس ويهدرون الكرامات فعلاً كل يوم. ومعاملة الإنجليز والهولنديين للزنوج والهنود معروف (3). أما معاملة الأمريكيين البيض للأمريكيين السود في الولايات المتحدة نفسها فقد بلغ من السوء والفظاعة والهمجية ما خرج عن طوق الخيال، وامتلأت به الصحف والمجلات والكتب، إلا الضمير الأمريكي فإنه لا يزال متسعًا هادئًا، لا هو يطفح بتلك الفظائع ولا هو يتحرك عند رؤيتها تمثل كل يوم أمام عينيه.
(1)" سفر التكوين ": 9/ 18 - 27.
(2)
" سفر التكوين ": 9/ 26.
(3)
يطالع القارئ بلا ريب كثيرًا من أخبار النزاع العنصري الشعبي والرسمي في جنوب أفريقيا.