الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفَصْلُ العَاشِرُ: تَشْوِيهُ الثَّقَافَةِ العَرَبِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ:
- وسيلة إلى الحط من شأن العرب والمسلمين في نفوسهم.
- المبشرون وأنصارهم يشجعون اللغة العامية رميًا إلى تفكيك وحدة العالم الإسلامي.
• • •
رأينا في الفصول التسعة السابقة أن المبشرين قد درسوا العالم الإسلامي من جميع نواحيه ثم وضعوا الخطط للقضاء على كل مقاومة أو مناعة فيه، في كل ناحية من تلك النواحي. لقد استغلوا في سبيل مآربهم كل وسيلة، من العلم والطب والسياسة والحياة الاجتماعية ومن الثقافة والأدب واللغة. لقد حرصوا على أن يسلبوا الإسلام كل مناحي الشخصية وكل أسباب الحياة. ولكن العامل الإسلامي لم يمت. لقد ظل العالم الإسلامي يستمد الحياة من ثقافته التي ما زالت حية تنير العالم منذ ألف وأربعمائة سنة. إن الشرقيين والعرب والمسلمين قد اقتنعوا أنهم أخذوا يتأخرون منذ مطلع العصور الحديثة في ميادين الاختراعات المادية والعلوم النظرية والعملية وفي عالم السياسة الدولية وفي أسباب الحرب وآلاتها، ولكن الشرقيين والعرب والمسلمين موقنون حق الإيقان أنهم في العصور الوسطى قد أدوا للعالم كله رسالة من أعظم الرسالات التي أدتها أمة من الأمم، بشهادة الفرنجة أنفسهم قبل عصر التبشير وبعد عصر التبشير أيضًا (1).
(1) cf. George Sarton، Introduction to the History of Science (3 vols) ; The Incubation of the Western، Culture in the Middle East
وقد نقل هذا الكتاب الثاني إلى العربية أحدنا (الدكتور عمر فروخ) باسم " الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط "، مكتبة المعارف، بيروت 1952، الطبعةالثانية، المكتب التجاري، بيروت 1964.
Aldo Miele، La Science Arabe et son rôle dans l'évolution Scientifique mondiale ; Heinrich Suter، Die Mathematiker und Astronomen der Araber und ihre Werke ; Gustave Le Bon، La Civilisation Arabe (architecture) ; A. R. Nykl، Hispano-Arabic Poetry and its Relations with the Old Provençal Troubadours. Joseph Hell، Die Kultur der Araber : Edward J. Byng، The World of the Arabs (Boston 1944)، Ch. XIV : Our debt to Arabs Civilisation، pp. 225 - 269 ; Ch. XV : What Moslem Thoght Can Teach u. pp. 269 - 281
رأى المبشرون والمستعمرون عظمة الثقافة العربية الإسلامية وأنها مصدر عزة للشرق وللعرب والمسلمين. ثم إنهم أيقنوا أن أمة لها هذه الثقافة لا يمكن أن تخنع أو تذل أو تبيد. وهكذا انصرفت أذهان هؤلاء المبشرين والمستعمرين إلى تشويه وجه هذه الثقافة وإلى الحط من شأنها في نفوس أصحابها. وكان العمل عليهم سهلاً، أو هكذا ظنوه، فقسموا ذلك العمل قسمين: قسمًا يتناول حقيقة الرسالة التي أديناها نحن للشرقيين العرب المسلمين وما فيها من أوجه العظمة والحقائق التي كانت أساس الرقي الإنساني أو ما فيها من الآراء الصحيحة الخالدة على الدهر، ثم قسمًا من الحقائق الحديثة التي لَم تُعْرَفْ قبل العصر الحاضر.
- أما القسم الأول فساروا فيه ينحلون حقائقه الصحيحة وآراءه الصائبة غير العرب وغير المسلمين، يجمع هذا كله قول (أرنست رينان) الفرنسي:«الفَلْسَفَةُ العَرَبِيَّةُ هِيَ الفَلْسَفَةُ اليُونَانِيَّةُ مَكْتُوبَةٌ بِحُرُوفٍ عَرَبِيَّةٍ» . فكل مظهر عزيز في الفلسفة الإسلامية عند (رينان) وأتباع (رينان) إنما هو للفرس أو لليونان أو للنساطرة ولليعاقبة، أو إنه مشكوك فيه، وَكُتُبُ المبشرين والمستعمرين مملوءة بمثل هذا التجني على العبقرية العربية.
ولا نعلم نحن ما الذي دفع وزارة المعارف اللبنانية إلى تبني هذا الرأي - غير أصابع اليسوعيين المبشرين المستعمرين - وترديده في صور مختلفة في امتحانات الباكالوريا. فقد سئل هذا السؤال في أشكاله المختلفة في دورات كثيرة (قبل الاستقلال والخروج من الانتداب الفرنسي وبعد ذلك):
- تشرين الأول 1934: هل من فلسفة عربية؟
- تشرين الأول 1941: هل أضاف فلاسفة العرب شيئًا جديدًا إلى فلسفة الأقدمين حتى يمكن القول أن للعرب فلسفتهم كما لليونان فلسفتهم؟
- تشرين الأول 1944: قال (أرنست رينان): «لَيْسَتْ الفَلْسَفَةُ العَرَبِيَّةُ سِوَى الفَلْسَفَةَ اليُونَانِيَّةَ مَكْتُوبَةً بِأَحْرُفٍ عَرَبِيَّةٍ» .
- حزيران 1946: قيل: لم تستقم للعرب فلسفة لأنهم لم يوحدوا بين العناصر الأجنبية التي نقلوها، إنما اكتفوا بعرضها متجاورة لا متفاعلة.
- تشرين الأول 1948: (أرنست رينان): «لَيْسَتْ الفَلْسَفَةُ العَرَبِيَّةُ سِوَى الفَلْسَفَةَ اليُونَانِيَّةَ مَكْتُوبَةً بِأَحْرُفٍ عَرَبِيَّةٍ» .
هذا عدد من الدورات التي سئل فيها مثل هذا السؤال. والويل للتلميذ الذي ينتصر للفلسفة «العَرَبِيَّةِ» انتصارًا ظاهرًا. أما كلمة «إِسْلَامِيَّةٍ» وحدها، فقد تفسح للطالب المجال
ليجرب حظه مرة أخرى في دورة تالية، إذا ظفر بها «مُصَحِّحٌ» من ذوي الاتجاه المعلوم.
• • •
ونحن لا ننكر أن يكون العرب قد بنوا فلسفتهم على أساس ما قدمه اليونان للعالم، ولكن من غير الإنصاف أن نقول إن العرب لم يكونوا سوى نقلة، سوى حمالين حملوا الفلسفة كما هي من اليونان إلى العالم. إن العرب قد زادوا في الفلسفة وناقشوا ونقحوا وصححوا وشرحوا وأدوا رسالة قَلَّ أَنْ أَدَّتْ أُمَّةٌ مِثْلَهَا فِي التَّارِيخِ (1).
وأي قول أوضح وأصوب، في العلم، من قول (جورج سارطون)، أحد ثِقَاتِ «تَأْرِيخِ العِلْمِ فِي العَالَمِ» حينما قال في هذا الشأن نفسه:
• • •
هذا ما يقوله الأجانب الغربيون عن قيمة الثقافة العربية وعن الرسالة العلمية التي أداها العرب والمسلمون إلى العالم. ولكن الاستعمار يريد أن يسدل دائمًا دون جهود الإسلام ستارًا كثيفًا. ونحن لا نستغرب أن يحاول الاستعمار تحطيم نفوس رعاياه - وقد كان المنتدبون الفرنسيون يفعلون ذلك قبل عهد الاستقلال عام 1943 - ولكن ما عذر الحكومة اللبنانية
(1) راجع " عبقرية العرب في العلم والفلسفة "، الدكتور عمر فروخ، الطبعة الثانية 1952 (وقد نُقِلَ هذا الكتاب للإنجليزية، وطبع في واشنطن عام 1954) ثم " موضوعات محللة في تاريخ الفلسفة الإسلامية "، له أيضًا: ص 5 - 6، 21 - 23، 51، 55 - 56، 61.
(2)
" الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط "، تأليف الدكتور جورج سارطون، أستاذ في جامعة هارفارد (بالولايات المتحدة)، ورئيس " الاتحاد الدولي لتاريخ العلم "، نقله إلى اللغة العربية الدكتور عمر فروخ، الطبعة الأولى، منشورات مكتبة المعارف في بيروت، 1372 هـ - 1952 م، الصفحتان 55، 56.
في الاستمرار على سياسة الانتداب والإصرار على تنفيذها في هذه الناحية، في عهد الاستقلال؟
وإذا كان للعرب حق واضح في السير على رأس الموكب الفلسفي، فإن حقهم في «أدبهم العربي» أوضح. إن العرب مشهورون بالأدب، ويكفيهم فخرًا أن الأدب العربي أقدم الآداب الحية إلى اليوم. فلا الأدب الهندي ولا الأدب اليوناني أو اللاتيني قد عاش بعد أن طلع العرب بأدبهم على العالم. وحسبنا أن نعلم أن أكثر الأدب الأوروبي الحديث قد قام على أسس معروفة في الأدب العربي نفسه. إن الأدب البروفنسالي - أدب جنوب فرنسا في العصور الوسطى - قد بني فعلاً على ما عرفه الفرنسيون الأولون من ألوان الأدب العربي في الشرق في أثناء الحروب الصليبية أو في الأندلس (1). أما نشوء الأدب الإيطالي خاصة فالمعروف أن (دانتي الليغييري) هو صاحب المقام الأول فيه، و (دانتي) نفسه قد استمد كتابه الخالد " الكوميديا الإلهية " من مصادر إسلامية، من " الفتوحات المكية " لمحيي الدين بن عربي على القطع، ومن " رسالة الغفران " لأبي العلاء المعري في الأغلب (2).
وهنالك مجال متسع للبحث عن قيمة الأدب العربي بالنقص والجمود وبالتخلخل وبأنه بعيد عن النزعة الإنسانية. ونحن لا نريد أن نستشهد بأسماء تحط من قيمة كتابنا ولكننا سنعرض القضية عرضًا موجزًا يستطيع القارئ أن يقيس عليه.
نشرت (3)" مجلة لاروس " الباريسية فصلاً عن العالم العربي فيه التمويهات التالية:
- العالم العربي هو مصر والشام والعراق والحجاز واليمن ونجد، مساحته ثلاثة ملايين كيلومتر مربع وسكانه أربعون مليونًا.
- إن نصارى لبنان هم الذين بعثوا النهضة العربية.
- البربر وحدهم أصحاب المدنية في شمال أفريقيا والأندلس.
ولقد تولى الأستاذ محمد كرد علي - رئيس " المجمع العلمي العربي " -بدمشق رحمه الله الرد على هذا المقال وَبَيَّنَ وجه الحق في ما ذكرت " مجلة لاروس ":
1 -
العالم العربي أوسع رقعة وأكثر سكانًا مما زعم الكاتب الفرنسي المستعمر (وذلك
(1) cf. Nykl، Hispano-Arabic Poetry
ثم طالع مقالاً للمستشرق الأستاذ (يوسف هل): " هل تأثر الشعر الغربي بالأدب العربي "، مجلة " الأمالي " بيروت، السنة الأولى، العدد الأول، 2 أيلول 1938، ص 3 - 5، ثم ثلاثة مقالات في المجلة نفسها، السنة الأولى، الأعداد: 4 - 5 - 6.
(2)
ct. Miguel Asin Palacios " الإسلام والكوميديا الإلهية ".
(3)
راجع " مجلة المجمع العلمي العربي " بدمشق، تشرين الأول 1948، ص 617، 618.
راجع إلى حقائق جغرافية وإحصاءات لا سبيل إلى دفعها: كحذف المغرب كله من العالم العربي). ثم إن مساحة شبه جزيرة العرب وحدها ثلاثة ملايين كيلومتر مربع.
2 -
أن النهضة العربية الحديثة بدأت في مصر لا في لبنان، وهذا أيضًا من النظر في تاريخ النهضة الحديثة. ولكن المستعمرين يريدون سلب المسلمين كل شيء حتى النهضة اللغوية التي هي عنوان لغتهم وأدبهم.
3 -
أن البربر لم يقيموا وحدهم مدنية المغرب والأندلس، بل شاركهم العرب أيضًا (وعلى كل فإن البربر كالعرب مسلمون، والمدنية التي خلقوها مدنية عربية).
ويختم الأستاذ محمد كرد علي مقاله بهذا الحكم الصائب:
ويظهر أن الأب (يوحنا الفاخوري) البوليسي لم يرقه رد الأستاذ محمد كرد علي فنشر في مجلة " المسرة "(1) رَدًّا ملأه بتعابير جارفة بعيدة عن روح العلم. والأب (يوحنا الفاخوري) من الذين وقفوا أنفسهم على إنكار فضل العرب في الأدب والفلسفة أيضًا (2)، ومن الذين يصرون على التعابير الجارفة التي استعملها هو أيضًا في رده على الأستاذ محمد كرد علي.
ولقد تناول الدكتور عدنان الخطيب (3) الرد على الأستاذ كرد علي مؤيدًا رده بذكر إحصاءات وتواريخ تقطع بأن النهضة الحديثة في العالم العربي قد بدأت في مصر.
• • •
وظل هذا الموضوع يجري في لبنان وخارج لبنان على أقلام نفر من المتأدبين الذين لا يملكون زمام أنفسهم، ومن الذين لا يمكن أن يكون لرأيهم الشخصي وزن يميل بالأمور ذات اليمين أو ذات الشمال حتى غمس فيه قلمه مؤرخ كبير وثقة في تاريخ العرب، هو أستاذنا الدكتور (فيليب حتي)، فقال (4):
(1) مجلة " المسرة "، حريصا (لبنان) تشرين الثاني 1948.
(2)
راجع " أبو العلاء المعري فيلسوف الشعراء "، حريصا (لبنان)1944. ص 14 الحاشية.
(3)
" مجلة المجمع العلمي العربي "، تموز 1949، ص 470 - 478.
(4)
Enc. Americana (1948 Edition) under Arabic Literature، p. 129
وحبذا أن يعذرنا أستاذنا الدكتور (فيليب حتي) إذا قلنا إن النهضة بدأت في النصف الأول لا الأخير من القرن التاسع عشر. ثم إن حصر شرف الحركة الجديدة بنصارى لبنان فيه ظلم للتاريخ وللأدب مَعًا. وقد كنا نربأ بالدكتور (فيليب حتي) أن يساير قومًا ليسوا من نَجْرِهِ ولا من أهل موكبه.
ولقد رد على الدكتور (حتي) ناقد في مجلة " الثقافة "(2) فجرحه. وكان الأخلق بالدكتور (حتي) أن لو ظل بعيدًا عن هذا المجرى الضحل الذي يخوض فيه بعض من لا شأن لهم بعد في عالم الأدب والتاريخ. إنه أكثر علمًا من أن يضيع النصف الثاني مكان النصف الأول من القرن التاسع عشر، حتى يهيئ مكانًا قلقًا لأشخاص جاءوا في الحقيقة في أعقاب اليقظة الأدبية لا على رأسها. إن القضية قضية تاريخ وأرقام وكتب مطبوعة لا قضية عواطف.
• • •
بمثل هذا يحارب المبشرون والمستعمرون العَرَبَ وَالإِسْلَامَ. أما أشد ما نلقاه نحن فهو أن هؤلاء يستخدمون في هذا السبيل أفرادًا منا أحيانًا، أفرادًا لا يتورعون أحيانًا عن أَنْ يُسَخِّرُوا العلم والضمير ويقلبوا الحقائق والأرقام رأسًا على عقب حُبًّا بالزلفى أو الاتجار.
على أن هذا أيضًا لن يفت في عضد الشرق، وستظل الثقافة العربية على الرغم من بضعة أسئلة في الامتحانات الرسمية وعلى الرغم من أفراد باعوا أنفسهم في غير سبيل الله - تمثل الرسالة التي أداها العرب في تاريخهم المجيد وفي تاريخ العالم.
• • •
ونحن نحب أن نأتي في هذا الفصل القصير برأي الدكتور (فيليب حتي) في الفيلسوف المسلم ابن رشد لنرى، رأي العين، أن الشخص الذي يحاول أن يغمط الثقافة العربية ويبخس
(1) علامات.
(2)
مجلة " الثقافة "(القاهرة). السنة الحادية عشرة، العدد 538 (18 أبريل - نيسان 1949) ص 42، 43.
المسلمين حقهم لا يستطيع أن يفعل ذلك في كل مكان، وخصوصًا في الساعات التي يكون فيها ضميره العلمي مستيقظًا، قال الدكتور (حتي) (1):
«كَانَ أَعْظَمُ فَلَاسِفَةِ الإِسْلَامِ، بِالإِضَافَةِ إِلَى الأَثَرِ الذِي أَحْدَثَهُ فِي الغَرْبِ عَلَى الأَخَصِّ، الفَلَكِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ وَالطَّبِيبُ وَشَارِحُ كُتُبِ أَرِسْطُو، أَبُو الوَلِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ. وَإِنَّ أَعَظْمَ مَا لاِبْنِ رُشْدٍ فِي الطِّبِّ كِتَابَهُ الجَامِعُ المَعْرُوفُ بِاسْمَ " الكُلِّيَّاتِ "، وَفِيهِ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُصَابُ بِالجُدَرِيِّ مَرَّتَيْنِ. كَمَا أَنَّ عَمَلَ شَبَكَةِ العَيْنِ فِيهِ مَشْرُوحٌ بِوُضُوحٍ. عَلَى أَنَّ نُورَ اِبْنِ رُشْدٍ الطَّبِيبَ قَدْ كُسِفَ بِنُورِ اِبْنِ رُشْدٍ الفَيْلَسُوفِ الشَّارِحِ
…
أَمَّا بَيْنَ اليَهُودِ وَفِي العَالَمَ المَسِيحِيِّ فَقَدْ عُرِفَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ فِي الدَّرَجَةِ الأُولَى شَارِحٌ لِكُتُبِ أَرِسْطُو. وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَذْكُرَ أَنَّ المَقْصُودَ بِالشَّارِحِ فِي العُصُورِ الوُسْطَى هُوَ المُؤَلِّفُ الذِي كَانَ يَسْتَعِينُ بِبَعْضِ كُتُبِ الأَوَّلِينَ العِلْمِيَّةِ أَوْ الفَلْسَفِيَّةِ لِيَجْعَلَ مِنْهَا أَسَاسًا أَوْ إطارًا لِكُتُبِهِ هُوَ
…
وَلَقَدْ أَثَارَ ابْنُ رُشْدٍ بِشُرُوحِهُ عَلَى أَرِسْطُو عُقُولَ فُقَهَاءِ النَّصْرَانِيَّةِ وَعُلَمَائِهَا فِي العُصُورِ الوُسْطَى إِلَى حَدٍّ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ مُؤَلِّفٌ غَيْرُهُ، فَمُنْذُ أَوَاخِرِ القَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ إِلَى أَوَاخِرِ القَرْنِ السَّادِسِ عَشَرَ أَرَبْعَةَ قُرُونٍ كَامِلَةٍ ظَلَّتْ فَلْسَفَةُ ابْنُ رُشْدٍ هِيَ المَذْهَبُ الفِكْرِيُّ السَّائِدُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ رَدِّ الفِعْلِ الدِّينِيِ الذِي أَحَدَثَتَهُ هَذِهِ الفَلْسَفَةُ أَوَّلاً بَيْنَ المُسْلِمِينَ فِي الأَنْدَلُسِ، ثَمَّ بَيْنَ التَّلْمُودِيِّينَ مِنَ اليَهُودِ، وَأَخِيرًا بَيْنَ رِجَالِ الدِّينِ مِنَ النَّصَارَى. وَمَا مِنْ شَكِّ فِي أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ كَانَ فَيْلَسُوفًا عَقْلِيًّا، وَكَانَ عَلَى حَقٍّ فِي إِخْضَاعِهِ كُلَّ شَيْءٍ سِوَى الشَّرِيعَةِ المُنَزَّلَةِ لِسُلْطَانِ العَقْلِ. وَلَمْ يَكُنْ ابْنُ رُشْدٍ، كَمَا يُخَيَّلُ إِلَى بَعْضِهِمْ، بَاعِثَ الإِلْحَادِ وَلَا عَدُوًّا لِلْدِّينِ
…
وَلَقَدْ مَثَّلَ ابْنُ رُشْدٍ اِقْتِرابًا مِنَ الفَلْسَفَةِ الأَرِسْطُوطَالِيسِيَّةِ الخَالِصَةِ (غَيْرَ المَمْزُوجَةِ بِالمَذْهَبِ الإِسْكَنْدَرَانِيِّ)(2). وَبَعْدَ حَذْفِ أَشْيَاءَ لَا يَرْضَى عَنْهَا رِجَالُ الإِكْلِيرُوسْ فِي فَلْسَفَةِ ابْنِ رُشْدٍ، غَدَتْ فَلْسَفَةُ ابْنُ رُشْدٍ مَوْضُوعَ الدِّرَاسَةِ فِي جَامِعَةِ بَارِيسْ وَفِي سِوَاهَا مِنْ مُؤَسَّسَاتِ الدِّرَاسَةِ العُلْيَا. وَلَقَدْ بَقِيَتْ فَلْسَفَةُ ابْنُ رُشْدٍ، بِكُلِّ حَسَنَاتِهَا وَبِكُلِّ مَا أُضِيفَ إِلَيْهَا مِنْ أَخْطَاءَ، عَامِلاً حَيًّا فِي الفِكْرِ الأُورُوبِيِّ حَتَّى وِلَادَةِ العِلْمِ التَّجْرِيبِيِّ الحَدِيثِ».
(1) Philip K. Hitti، History of the Arabs، fourth Edition، London 1949، pp. 582 - 585
إن نقل النص الإنجليزي من كتاب (فيليب حتي) هو لمؤلفي هذا الكتاب. على أن هناك ترجمة عربية للكتاب المذكور. راجع " تاريخ العرب "(مطول). بقلم الدكتور (فيليب حتي). نقله إلى العربية الدكتور (إدوار جرجي) والدكتور (جبرائيل جبور)، بيروت 1949 - 1951 (راجع 3/ 693، 694).
(2)
المذهب الإسكندراني مذهب فلسفي نشأ في الإسكندرية. وهو يعرف خطأ بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة أو الفلسفة الأفلاطونية الجديدة. ويقوم المذهب الإسكندراني على محاولة التلفيق بين الفلسفة اليونانية والآراء المسيحية بتشويه الفلسفة اليونانية في الأكثر وتفسير العقائد المسيحية تفسيرًا رمزيًا.