الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكَلِمَةُ الأُولَى: مِنْهَاجُ هَذَا الكِتَابِ:
لعل كتابنا هذا يصلح أن يكون دليلاً في يد الجيل الناشئ يتتبع فيه جهود المبشرين وسعيهم إلى زعزعة عقيدة الناشئة الشرقية عامة والإسلامية خاصة، ثم تهيئة هذه الناشئة بأساليبهم المختلفة لقبول النفوذ الغربي والاستكانة إلى الاستعمار.
لقد كنا دائمًا نعتقد أن المدارس الأجنبية والمؤسسات الأجنبية - حتى الجمعيات الخيرية والعلمية التي ينشئها الأجانب في بلادنا على اختلاف الأسماء والنزعات، والأديان والدول - إنما هي في الحقيقة سُبُلٌ تَتَشَعَّبُ عند الانطلاق ولكنها تلتقي عند غاية قصوى واحدة: السيطرة على الشرق، السيطرة الثقافية والدينية والسياسية. وَلَقَدْ تَبَيَّنَ لأصحاب هذه المؤسسات أن المسلمين خاصة أصلب الناس عُودًا فِي تَقَبُّلِ هذا النفوذ الأجنبي فراحوا يُوَجِّهُونَ جهودهم إلى المسلمين خاصة، مع الاهتمام بغير المسلمين من الشرقيين، على ما يبدو جَلِيًّا في ثنايا هذا الكتاب.
ولقد اتَّفَقَ الكثير من الناس أن اعتقدوا مثلنا أن المدراس والمستشفيات ومؤسسات الإحسان إنما هي مؤسسات منظمة للتبشير في الدرجة الأولى. ولكن القليلين فقط يدركون أن هذه المؤسسات نفسها، وأن كثيرًا من البيوت التجارية الأجنبية والهيئات الرسمية الأجنبية، كانت ولا تزال وسائل للتبشير المُمَهِّدِ لبسط النفوذ الأجنبي. ومَنْ مِنَّا كان يعتقد أن الفتن الطائفية كان ينفخ فيها رجال أتَوْا إلى هذه البلاد على أجسامهم ثياب التقوى وينتحلون مظاهر العلم؟ ومَنْ مِنَّا كَانَ لَا يُصَدِّقُ أن رجالاً جاءوا إلى بلادنا ليرأسو
مؤسسات علمية مشهورة بالعلم كانوا مُبَشِّرِينَ في الدرجة الأولى؟
لقد حرصنا نحن على أنْ نثبت هذه التهم الكبرى بشواهد من كتب المُبَشِّرِينَ أنفسهم. تلميحًا أو تصريحًا، ولقد فضلنا في الاستشهاد التصريح على التلميح.
أما الكتب التي رجعنا إليها ودرسناها فإنها تعيا على الحصر، إنها تُعَدُّ بالمئات، ولكننا نحن لم نثبت الشواهد إلا من نوعين من هذه الكتب الكثيرة: كُتُبُ المُبَشِّرِينَ المَعْرُوفِينَ، والكتب التي تُصَرِّحُ بغاياتها تصريحًا لا التواء فيه ولا غموض (1).
وكذلك لم نثبت نحن كل شيء ورد في هذه الكتب، فإن كثيرًا مما ورد فيها مُكَرَّرٌ فيها جميعها، ثم إن بعض الآراء والحقائق تتفرع من أصول معروفة، ولقد اكتفينا بأصول الحقائق والآراء واعتقدنا أن القارئ الكريم يتسطيع أن يدرك الفروع التفصيلية بأهون نظر.
على أننا في هذا الكتاب سنتناول الكلام على الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَسَنَخُصُّ بالكلام بلاد الشرق العربية من مراكش غربًا إلى العراق شرقًا، ومن أعالي الشام شمالاً إلى اليمن جنوبًا.
لم يحاول أحد بَعْدُ وضع مثل هذا الكتاب في اللغة العربية. ولقد رأينا أن واجبنا الديني والقومي والوطني يدعونا إلى أداء هذا الواجب وحمل هذه الرسالة على بعدها عن مباحث اختصاصنا وعلى طول الوقت الذِي تَتَطَلَّبُهُ. إلَاّ أننا أدركنا أن السكوت عن هذا الخطر أَشَدَّ ضَرَرًا على قومنا من إهمال موضوعات اختصاصنا. ونحن نعتقد أن القارئ بعد أن يبدأ قراءة هذا الكتاب سيرى صواب ما نقوله. إن التبشير أشد ضررًا على بلادنا من الاستعمار، لأن الاستعمار لم يَنْفُذْ إلى بلادنا إلا تحت ستار التبشير!
فَحَبَّذَا أن يصل كتابنا هذا إلى الأيدي التي تستطيع أنْ تستفيد مما فيه من درس ومن حقائقه المجموعة، ثم تضع هي مناهجها الخاصة لمتابعة الرسالة: مقاومة التبشير من الناحية العملية في البيئات المختلفة بكل سبيل ممكنة.
(1) راجع الكلمة الثانية.
إنَّ الإسلام صلب الشرق. فإذا وهن الإسلام وهن الشرق كله. فعسى أن نكون فعلاً قَدْ أَدَّيْنَا خدمة للفئة المختارة من قومنا وَمِنْ أُمَّتِنَا من أولئك الذين يتطلعون إلى إصلاح قريب لإنهاض العرب وإيقاظ المسلمين.
المُؤَلِّفَانِ
23 جمادى الأولى 1372 هـ - 8 شباط 1953 م.