الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتؤكد "مس سمبل" أثر العوامل الجغرافية على الإنسان وتقسمها من حيث تأثيرها عليه إلى أقسام ثلاثة:
- عوامل جغرافية ذات تأثير مباشر على الإنسان مثل المناخ وأثره على لون الجلد والصفات الجسمانية.
- عوامل جغرافية ذات تأثير غير مباشر مثل الموقع الجغرافي وعامل القرب من مراكز الحضارة وعامل العزلة، وهذه تؤدي إلى التقدم الحضاري أو التأخر فالجهل.
- عوامل جغرافية تؤثر في النمو الاجتماعي والاقتصادي للإنسان، أي أثر الجغرافيا في مقومات الإنتاج الزراعي والمعدني في الإقليم ومن ثم درجة غناه أو فقره.
وصفوة القول: إن دعاة الحتمية الجغرافية -أو البيئيين- قد غالوا في آرائهم غلوا شديدا وجعلوا الإنسان عبدا للبيئة تؤثر فيه وتسيره كما تشاء ولقد ظل هذا المبدأ الجبري سائدا في الفكر الجغرافي حتى القرن التاسع عشر على الرغم من أنه كان قرن هجرات بشرية ضخمة ونشاط استعماري كبير وظهر فيه بجلاء التغيير البيئي الذي أحدثه الإنسان في المناطق المعمورة وخاصة في العالم الجديد.
الإمكانية الجغرافية
Possibilism:
يعد بول فيدال لابلاش P. Vidal De La Blache رائد الإمكانية الجغرافية التي ترى أن الإنسان ليس عبدا لبيئته كما تنادي المدرسة الحتمية حيث إنه يختار من بين إمكانياتها ما يشاء تبعا لمستواه الحضاري ولذا فإن أنماط النشاط الاقتصادي على سطح الأرض هي نتائج لتفكير الإنسان ومجهوده وحركته الدائبة في إطار بيئته الطبيعية.
وقد كتب فيدال دي لابلاش أعظم كتاب له في الجغرافيا البشرية لفرنسا والذي نشر في سنة 1911 وقد شرح فيه جغرافية فرنسا إقليما بأقليم وأوضح كيف أن المظهر الأرضي قد تأثر عبر القرون نتيجة الجهد البشري الذي لعب
دورا هاما في تاريخ فرنسا بل وفي تاريخ أوروبا بأسرها وقد رأى فيدال أن الجغرافيا البشرية هي دراسة المجتمعات الإنسانية دراسة مقارنة واتجه نحو دراسة الفروق بين هذه المجتمعات في ضوء علاقاتها بالبيئة.
وفي كتابه عن مبادئ الجغرافيا البشرية Principles De Geogr. Humainc "1925" درس فيدال كثافة وتوزيع السكان وأشكال العمران ووسائل الإنتاج ثم المواصلات وذكر بأن هذه الدراسة يمكن تناولها لسببين جوهريين يرجع أولهما إلى التوسع في المعارف البشرية الجغرافية حتى نهاية القرن التاسع عشر وثانيهما يعود إلى ذلك الترابط المعقد بين الإنسان وبيئته ومن ثم تتوطد فكرة الارتباط البيئي - البشري وقد تجلى ذلك في الأفكار الجغرافية الحديثة والتي تجمع على أن ظواهر الجغرافيا البشرية ترتبط في كل مكان بالبيئة وعناصرها الطبيعية.
وقد حدا هذا الارتباط لدى فيدال دي لابلاش بتأكيده لمبدأ الوحدة الأرضية كمبدأ أساسي في الجغرافيا تفسر من خلاله ظاهراتها البشرية، كذلك أبرز دور التفاعل البيئي - البشري في ذلك النطاق الواسع من العالم القديم شمال مدار السرطان والذي شهد أشكالا مبكرة من حضارات على نطاق كبير دون غيره من أقاليم الأرض الأخرى حيث كان هذا التفاعل خلاقا لإمبراطوريات أخرى كبرى ولأديان عظمى تتمثل في الإسلام والمسيحية والهندوكية والبوذية وغيرها.
وباختصار فقد وضع فيدال لابلاش مناهج بحثه العلمي القائم على أساس أن الجغرافيا هي علم المكان وليس علم الإنسان ولها وهي تستمد معينها كغيرها من العلوم من الكون أن تستفيد من نتائج العلوم الطبيعية الأخرى ولكن عليها رسالة خاصة وهي أن تبين كيف أن الظاهرات الطبيعية والإنسانية التي تدرسها العلوم الأخرى منفصل بعضها عن بعض تتحد في المكان وتؤثر في الإنسان وتتأثر به وبعبارة أخرى تدرس الظاهرات الطبيعية في وحدتها المكانية.
ويعد مكسمليان سور m.sorre أحد تلامذة فيدال دي لابلاش البارزين الذي أنجز عملا ضخما في الجغرافيا البشرية ظهر في ثلاثة مجلدات
ظهر الأول منها في سنة 1943 والأخير في سنة 1952 وذلك تحت عنوان: "أسس الجغرافيا البشرية" fondoment de la geogr. Humaine
ويعد من أبرز الدراسات الجغرافية في المدرسة الفرنسية الحديثة وقد كرس الجزء الأول من هذه المجموعة لدراسة الإنسان ككائن يتكيف ويتلاءم مع ظروف بيئته الطبيعية وقد تعرض فيه لدور المناخ على وظائف أعضاء الجسم وكذلك على أصل وظائف الاختلافات الجنسية بين الأجناس ثم درس العلاقة بين الإنسان والأمراض البيئية في ذلك. أما الجزء الثاني من كتابه "في جزئين" فقد كرس لأساليب الحياة الاجتماعية حيث وضع الإنسان في صدر الصورة بكل ما أوتي من قوى الابتكار في قهر الطبيعة وتحويلها إلى ما يعرف بالأكيومين okumene أو النطاق المعمور من الأرض.
وليست الوحدة الأرضية عند كل من فيدال دي لابلاش وسور إيكولوجية فحسب بل إنها تطورية كذلك؛ ذلك لأن المجتمع البشري قد استمد تعقيده وتشابكه من ظروف بيئته عندما تخطت مجموعات من البشر حدود الأكيومين أو العالم المعمور فإنهم وسعوا تلك الحدود وبدأوا في استغلال الموارد الاقتصادية في المناطق التي تم كشفها، كما كان الحال في عهد الكشوف الجغرافية فيما بين سنتي 1500، 1900 وإلى حد قليل من القرن العشرين وعندما تطورت وسائل النقل في العصر الحديث تحققت الوحدة الأرضية بصورة أوضح في انتشار المعرفة والتشابك الاقتصادي بين دول العالم.
وقد ذكر هنتنجتون "1934" في كتابه مبادئ الجغرافيا البشرية principles of Human Geography مغزى الجغرافيا البشرية ومرماها حيث اتجه إلى دارسة العلاقات الإنسانية البيئية عن طريق دراسة العوامل الطبيعية المختلفة مثل الموقع ومظاهر السطح والتربة والمناخ ثم بعد ذلك الحياة الاقتصادية للإنسان ودرجة التحضر التي وصل إليها في مجتمعاته المختلفة وقد درس مناطق متعددة في الأراضي الحارة والأراضي الموسمية والصحاري والأقاليم الباردة وكذلك أقطار المناخ المعتدل البحري، والتي ذكر أن هذه الأقطار الأخيرة حبتها الطبيعة بعوامل جعلتها في قمة مراتب الحضارة الحديثة في العالم، وفي دراسته التي قام بها كانت الحقائق الجغرافية ترتبط بعضها ببعض في تسلسل منطقي وإن كانت مجردة من النظرة التاريخية الضرورية لتفسير الحاضر وكأن
كل مظاهر الحضارة الحالية نشأت دون تراث تاريخي ترتكز عليه ولذلك فإن العمران وأشكاله المتباينة لم يحظ باهتمام كبير في الجغرافيا البشرية والتي لا تقيم وزنا لحرية الاختيار بين الفرص المختلفة التي تقدمها ظروف البيئة الطبيعية وتلك الحرية التي منحتها الطبيعة للفرد دائما حتى في المجتمعات البدائية.
وقد عارض هذه الآراء الأمريكية جغرافي ألماني هو أوتومول O. Maul والذي نشر في الثلاثينات أبحاثا في الجغرافيا البشرية ففي كتابه عن جغرافية الإنسان Geography of Man حذف الجغرافيا الاقتصادية تماما، وركز حديثه على موضوعين رئيسيين هما أجناس الإنسان مع الإشارة إلى ظروف تأقلمه والأمراض التي تصيبه ثم الجغرافية السياسية وخاصة الدولة وتركيبها وتعكس هذه الأفكار مفهوم الجيوبوليتيكا الألمانية فيما قبل الحرب العالمية الثانية أي دراسة الدولة ووظائفها لتحقيق ما يعرف بالمجال الحيوي لها وكذلك استطرد في الحديث عن أن طبيعة الدول وامتداد رقعتها الجغرافية وإمكانية التوسع لها والقوى المساعدة على هذا التوسع ومستقبلها كل ذلك يدخل في عداد الجغرافيا البشرية.
أما في فرنسا فقد اتجهت الجغرافيا البشرية اتجاها معارضا للمادية الأمريكية والأيديولوجية الألمانية فقد ركز ألبرت ديمانجون أحد الجغرافيين الفرنسيين البارزين على توسيع آفاق الجغرافيا البشرية والارتباط بينها وبين التاريخ والعلوم الاجتماعية أكثر من ارتباطها بالعلوم الطبيعية ولذا فقد اهتم بدراسة الكثير من المشكلات في الجغرافيا البشرية معتمدا على الدراسات الاجتماعية والإثنوغرافية والاقتصادية والتاريخية لغيره من الباحثين.
وليس من السهل أن تنحصر الجغرافيا البشرية في علم البيئة "الإيكولوجيا" فقط ذلك لأن هناك كثيرا من مظاهر العلاقة بين البيئة الطبيعية والإنسان تخرج عن دائرة الاهتمام الجغرافي فعلى سبيل المثال ذكر ديمانجون أنه ليس من شأن الجغرافي دراسة أجناس الإنسان بالرغم من ارتباط بعض الأجناس البشرية بمجال البحث الجغرافي في بعض مظاهر الوراثة ولا تسود المؤثرات البيئية والتي يمكن ملاحظتها في علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء وحتى علم الدم عند بعض الجماعات البشرية ومن بين هذه الملامح والوراثة التي تعد
مستقلة عن البيئة - لون البشرة، وذكر ديمانجون أن مهمة الجغرافي ليست التعامل مع ذلك بل إن الجغرافيا البشرية هي في النهاية دراسة المجتمعات البشرية وعلاقتها بالبيئة.
والجغرافيا البشرية على ذلك تدرس المجتمعات لا الأفراد وذلك في المجالات الثلاثة الآتية:
1-
دراسة الجنس البشري: أعداده وتوزيعه والاختلافات في مجال الجغرافيا الديموغرافية- والتي تعد فرعا هاما من فروع الجغرافيا البشرية.
2-
دراسة استغلال الأرض وشغلها بواسطة المجتمعات البشرية وذلك ابتداء من أكثر المحلات العمرانية تواضعا حتى أكثر المدن تعقيدا كعنصر هام.
3-
دراسة استخدام الموارد الطبيعية: مثل استغلال النطاقات المناخية الكبرى في العالم بما تحويه من نباتات مزروعة وحيوانات مستأنسة وكذلك استغلال البحار والجبال ودراسة أقاليم الإنتاج الكبرى في العالم وطرق التجارة والنقل، وبمعنى آخر دراسة ما يعرف بالجغرافيا الاقتصادية كفرع هام من فروع الجغرافيا البشرية وانعكاس ذلك كله على أقدار الدول وعلاقاتها فيما يعرف بتحليل القوة السياسية للدولة فيما يعرف بالجغرافيا السياسية.
ومع كل ذلك -كما تعود ديمانجون أن يقول- فإن الحقيقة الجغرافية تظل مجردة عن معناها حتى توقع على الخريطة ومن ثم تصبح ذات مغزى قوي وخاصة في علاقاتها بالظاهرات الجغرافية الأخرى ومعنى ذلك أن إظهار الحقيقة الجغرافية على الخريطة يعطي للبحث الجغرافي البشري أساسا قويا ومستندا هاما في تحليله.
وأخيرا فإن الجغرافيا البشرية بعكس العلوم الاجتماعية الأخرى لا تقنع بدراسة الحقائق المشاهدة فقط بل تستدير للتاريخ لتستكشف المظهر الأصلي والتطور التاريخي للحقائق ولعل في دراستها للعمران الحضري والريفي ما
يعكس هذا الأسلوب؛ وذلك لأن الجغرافيا تستقي التفسير في تاريخ العمران وتطوره، كذلك فإن دراسة بيئة من البيئات في دولة قديمة تأثرت بالحضارة الأوروبية ليس من اليسير فهمها دون معرفة تاريخ استغلال الأرض وتطوره وإزالة الغطاء النباتي الأصلي بها ومدى التطور الذي طرأ على أساليب الزراعة من عصر لآخر وانعكاس ذلك كله على التغير الاجتماعي الذي طرأ على السكان والذي لا شك قد تأثر بالاحتكاك الحضاري والهجرة والتي لا يمكن اقتفاء آثارها على أرض الواقع فقط ولكن في التاريخ كذلك.
وعلى ذلك فإن الجغرافيا البشرية علم يتطلب البحث المتأني وليس التعميم المتعجل وهي لا تسعى إلى سن قوانين تحكم علاقة البشر ببيئتهم بل تعيد تجميع الحقائق وترتيبها تمهيدا لمقارنتها في أقاليم الأرض المختلفة ثم تصل في النهاية إلى تحليل جزئي وحذر للحقائق الجغرافية دون أن تضع فروضا تحدد شكل النتائج.