الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للدول، حيث تتميز الدول المتقدمة بأنها دول صناعية في المقام الأول وحيث تعتمد على قدرتها الصناعية في بناء القوة السياسية والعسكرية. ولا شك أن الإنتاج الصناعي يعد ركيزة هامة للقدرة الوطنية وذلك لما يؤثر به في المستوى المعيشي من ناحية وفي توفير الصادرات المختلفة من ناحية أخرى. وكانت نقطة الضعف في بريطانيا دائما هي افتقارها إلى اقتصاد زراعي يكفي حاجة سكانها. وبالرغم من تعدد الإنتاج الصناعي فيها، إلا أنها قد وقعت في ضائقة غذائية شديدة أثناء الحربين العالميتين وكان من الممكن هزيمتها لو أن الحصار الذي فرضه العدو زادت وطأته قليلا واستمر لفترة أطول بل إن نظام البطاقات التموينية في بعض المنتجات الغذائية ظل معمولا به لمدة ثمان سنوات بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
3-
نظام الحكم والإدارة:
إن شكل تركيب الحكومة -أي تقسيم الوظائف بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وسواء كانت ديمقراطية أو ديكتاتورية- لا يدخل في مجال اهتمام الجغرافيا السياسية بل هي أمور يدرسها علم السياسة. ولكن الجغرافيا تهتم بنوع السيطرة الحكومية على جزء معين من سطح الأرض ودرجة هذه السيطرة وفعاليتها.
1-
نوع السيطرة السياسية:
يتمثل الاختلاف في نوع السيطرة السياسية في وجود دول مستقلة وأخرى غير مستقلة على خريطة العالم وكذلك اختلاف أشكال التبعية والسيطرة وتشمل خريطة العالم السياسية في الوقت الحاضر قرابة 160 دولة مستقلة وبالرغم من اختلاف الارتباط السياسي بين الدول، فإن هناك أنواعا مختلفة من السيطرة السياسية تعرف بالمستعمرات والمحميات ومناطق الوصاية والمناطق الدولية والكوندومنيوم.
والمستعمرات هي مناطق محددة من سطح الأرض تمارس دولة أخرى السيطرة المباشرة عليها -ولا يملك سكانها حق تقرير المصير أو تصريف شئونهم إلا على المستويات المحلية فقط- ويرتبط اقتصادها باقتصاد الدولة
الحاكمة والذي غالبا ما يوجه اقتصاد المستعمرات لصالحها. وقد تتمتع مناطق المستعمرات بنوع من الحكم الذاتي من الدولة المسيطرة فروديسيا الجنوبية "زيمبابوي الحالية" منحت هذا النوع من الحكم سنة 1923 وجيانا البريطانية "جويانا الحالية" كان لها مجلس تشريعي وتنفيذي وأيسلند ظلت مرتبطة بالدنمرك في اتحاد شخصي لمدة 36 سنة وكانت الدنمرك تسيطر سيطرة واقعية على سياستها الخارجية وكذلك بورتوريكو التي أعلنت رسميا مثل الكمنولث كإقليم ذي حكم ذاتي وتتولى الولايات المتحدة مسئوليات الدفاع عنها وسياستها الخارجية كذلك.
والمحمية هي منطقة مستعمرة يوجد فيها حاكم محلي ولكن الدفاع والشئون الخارجية والأمور المختلفة توجد في أيدي الدولة المسيطرة التي تعين الحاكم العام وكانت زنزبار وجزر سولومون البريطانية أمثلة من المحميات وكذلك بتسوانا "بتشوانا لاند سابقا" وجزر تونجا.
وقد نتج عن عصبة الأمم نظام الانتداب في سنة 1920 والذي أصبحت بمقتضاه الممتلكات الاستعمارية للدول المنهزمة في الحرب العالمية الأولى مقسمة بين بعض دول الحلفاء المنتصرة -وقد تعهدت العصبة بضمان بعض الحريات المدنية للسكان الوطنيين- وكانت الدول ذات الانتداب تقدم تقارير سنوية عن إدارة هذه الأراضي إلى الهيئة العالمية. وبإنشاء الأمم المتحدة سنة 1945 انتقل الإشراف على مناطق الانتداب إلى الأمم المتحدة تحت اسم الوصاية وبالتالي فإن الدول ذات الانتداب السابق "باستثناء اليابان وجمهورية جنوب أفريقيا" أصبحت دولا ذات وصاية وبذلك فقد أصبحت المناطق الموضوعة تحت الانتداب موضوعة تحت الوصاية وترفض جمهورية جنوب أفريقيا أن تتخلى عن وصايتها على منطقة جنوب أفريقيا "ناميبيا" وقد حصلت كثير من مناطق الوصاية السابقة على استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية وإن كانت هناك بعض الجزر في الباسفيكي شمال خط الاستواء في المحيط الهادي ما زالت مناطق تحت وصاية الأمم المتحدة.
وأخيرا فإن هناك أشكالا من السيطرة الإقليمية الأخرى كالمناطق الدولية والكوندومنيوم ومناطق الاحتلال والقواعد العسكرية وكانت طنجة مثالا على المناطق الدولية وذلك للأهمية الاستراتيجية لمينائها، وقد كانت هناك
صراعات بين القوى الأوروبية للسيطرة عليها وتكونت هيئة دولية في سنة 1925 لإدارة المدينة وانتهى وضعها الدولي في سنة 1956 حيث أعيدت إلى المغرب.
أما نظام الكوندومنيوم فهو اشتراك دولتين أو أكثر في السيطرة على منطقة ما وحكمها حكما مشتركا. ولقد كان السودان المصري الإنجليزي سابقا مثلا رئيسيا على ذلك حتى سنة 1956 وتعتبر جزر نيوهبريذر في الباسفيكي المثال الباقي على هذا النظام في العالم حيث تخضع لحكم بريطاني فرنسي مشترك.
أما مناطق الاحتلال فهي قطاعات من الدولة تبقى محتلة بقوات عسكرية لدولة أخرى وذلك لمدة محددة في أعقاب حرب بينهما، ففي سنة 1945 مثلا قسمت ألمانيا والنمسا مؤقتا إلى أربع مناطق احتلال لمدة محددة كذلك فإن اليابان وكوريا وتريستا وبعض دول شرق أوروبا كانت تحت الاحتلال العسكري لعدة سنوات بعد الحرب العالمية الثانية.
أما المناطق والقواعد العسكرية التي تمارس منها دولة ما السيطرة في داخل حدود دولة أخرى فهي نوع آخر من أنواع السيطرة وإن كان مرتبطا بمعاهدات بين الدولتين تنظمه كما هي الحال في منطقة قناة بنما التي كانت تسيطر عليها الولايات المتحدة بصفة إيجار دائم وذلك في شريط عرضه 16 كيلو مترا على جانبي القناة كما أن الولايات المتحدة تملك قواعد عديدة فوق أراضٍ تابعة لدول أخرى وإن كان للدول صاحبة الأرض حق في طلب سحب القوات الأمريكية من هذه القواعد.
2-
العواصم ومنطقة القلب في الدولة:
يعد موقع ووظيفة العاصمة المركزية ومنطقة القلب من الأمور الهامة في تحديد درجة السيطرة التي تمارسها الحكومة داخل الدولة وتتكون الدولة في البداية حول نواة معينة وقد تبتعد العاصمة عن منطقة النواة. أو قد تنشأ في الدولة مناطق نويات متعددة مما يترتب عليها ظهور قوى انفصالية داخل جسم الدولة. وتعد البرازيل من الأمثلة التي انتقلت منطقة القلب بها عن النواة الأصلية على طول الساحل الشرقي بينما إسبانيا على النقيض
من ذلك حيث يوجد بها منطقتا نواة تتركز إحداهما في مدريد -العاصمة- والأخرى في برشلونة.
وقد تبقى العاصمة عند النواة الأصلية -لندن، باريس- وقد تنتقل نحو المركز السكاني الرئيسي أو تنتقل بعيدا عن النواة الأصلية وعن مركز السكان ولعل في أستراليا مثلا على ذلك حيث تقع كانبرا -العاصمة- في منتصف المسافة بين أكبر مدينتين سيدني وملبورن، كذلك اختيرت أوتاوا في موقع محايد بين المناطق الناطقة بالإنجليزية والأخرى الناطقة بالفرنسية في كندا، وعند تحليل مواقع العواصم فإن العوامل التاريخية لا يمكن تجاهلها حيث يختلف دور العاصمة في السنوات الأولى من نشأة الدولة عنها بعد ذلك وقد صنف سبيت المدن العاصمية إلى ثلاثة أنواع تبعا لوظيفتها:
1-
كمركز توحيدي في اتحاد فيدرالي مثل كانبرا عاصمة استراليا.
2-
كملتقى للمؤثرات الخارجية مثل لندن وارتباطها مع قارة أوروبا.
3-
كعاصمة أمامية في موقع متقدم من الحدود مثل برلين ودورها في وقت ما كعاصمة في مواجهة التخوم الشرقية النشطة لألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية.
هذا وقد تصبح العاصمة بصرف النظر عن وظيفتها الأصلية ومع بقاء موقعها ثابتا مركزا سكانيا واقتصاديا بدرجة قد تطغى على وظيفتها الأصلية، ولعل هذه صفة تميز معظم عواصم العالم اليوم.
3-
شكل النظام السياسي للدولة:
يعتمد نجاح الدولة في تماسكها السياسي على نظام الحكم الداخلي بها أي سواء كان نظاما موحدا أو اتحاديا، والتمييز بينهما هو طبيعة السلطة التي تمارس السيادة على الإقليم، ففي النظام الموحد تقرر الحكومة المركزية درجة الحكم الذاتي المحلي فقد تحدد عدد وطبيعة الأقسام السياسية ذاتية الحكم ولها الحق في تعيين المسئولين في هذه الأقسام، ويميز هذا النظام دولا كثيرة في العالم ويتميز بمرونة السلطة الممنوحة
للحكومة -التي تكون حركتها أسهل في مواجهة المشكلات الطارئة. ومن مساوئ هذا النظام زيادة السلطة المركزية بدرجة كبيرة وعجز الحكومة عن معالجة الاختلافات الإقليمية داخل أجزاء الدولة الواحدة.
أما في النظام الاتحادي فإن هناك حكومة مركزية ومحلية ويستمدان قوتهما من الدستور كما هو الحال في الولايات المتحدة وكندا واستراليا وسويسره والبرازيل والأرجنتين والمكسيك والملايو ونيجيريا. ومن مميزات هذا النظام توفير قسط من الحماية ضد السلطة الزائدة للعاصمة القومية والسماح بوجود اختلافات إقليمية في الدولة. لذا فهو أنسب للدول الشاسعة المساحة متعددة القوميات.
وهناك نظام ثالث هو النظام التعاهدي وهو اتحاد ضعيف بين الدول في تعاهد متفق عليه، وللدول المنظمة في اتحاد تعاهدي حق الانسحاب منه إذا رغبت حيث يكون لكل منها شخصيته وسيادته الخاصة ولكنها تستفيد من اتحادها تعاهديا مع دولة أخرى لأغراض اقتصادية ودفاعية.