الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتعكس هذه الظاهرة مدى التلاؤم مع العيش في البيئة الجديدة التي يهاجر إليها الفرد وعودته إلى موطنه الأصلي نتيجة عدم قدرته على التكيف الدائم مع المهجر وإن كان كثير من أبناء هؤلاء المهاجرين وأحفادهم يستمرون في دولة المهجر مكونين بذلك جيلا من المهاجرين الدائمين أكثر ارتباطا بالمهجر من الوطن الأم.
الهجرة الدولية الأوروبية:
أسهمت قارة أوروبا الصغيرة المساحة والواقعة في أقصى الطرف الشمالي الغربي من العالم القديم أكثر من أي قارة أخرى في العالم في الهجرة الدولية فقد شهدت هجرة مغادرة ضخمة في المائة وخمسين سنة الأخيرة حتى إنه يقدر أن عدد الأوروبيين الذين غادروا قارتهم إلى باقي أقاليم العالم يتراوح بين 50 - 60 مليون نسمة اتجه أكثر من نصفهم إلى أمريكا الشمالية، وقد قدر معدل الهجرة الدولية الخارجية من أوروبا فيما بين سنتي 1846 - 1931 بنحو 3 في الألف سنويا من مجموع السكان الأوروبيين.
ولم يكن الخروج الأوربي جديدا بل جاء في أعقاب حركة الكشوف الجغرافية على أكتاف الرواد الأوروبيين الأوائل، وقد تمثل هذا الخروج المبكر في هجرة أعداد من الفرنسيين والإنجليز والهولنديين والبرتغاليين والإسبان منذ القرن السادس عشر نحو جزر الهند الغربية وسواحل الأمريكتين وأفريقيا والهند، ولكن الهجرة الضخمة ذات الأعداد الكبيرة ارتبطت بتزايد سكاني كبير شهدته أوروبا وواكبه تطور في وسائل النقل وكذلك تزايد في الثروات المكتشفة في العالم الجديد مما شجع الكثيرين على الهجرة إلى أقطار هذا العالم وإلى بعض مناطق العالم القديم أيضا.
ويمكن أن تنقسم قصة الهجرة الأوروبية الضخمة إلى مراحل عديدة: فقد عبرت أولى موجاتها المحيط الأطلسي فيما بين سنتي 1850 - 1855 والثانية نحو سنة 1875 والثالثة فيما بين سنتي 1885 - 1890 والرابعة وهي الأكثر أهمية فيما بين سنتي 1905 - 1913 والخامسة في سنة 1925 والسادسة بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، ولقد شهدت سنة 1913 أكبر عدد من المهاجرين يغادر القارة في أي سنة من السنوات حيث بلغ 1.527.000 نسمة
منهم 565.000 إيطالي و 389.000 بريطاني و 206.000 إسباني و 104.000 نمساوي، وكان شمال غرب أوروبا أكثر أقاليم القارة دفعا بأبنائه للهجرة عبر المحيط وأسهمت بعض أقطاره بنسبة عالية من المهاجرين فقد أرسلت الجزر البريطانية واسكنديناوه وبلجيكا وهولنده بما يقرب من 25 مليون مهاجر ثلثا هذا العدد من البريطانيين وحدهم وقد اتجه 56% من هؤلاء إلى الولايات المتحدة و 15% إلى كندا و 5% إلى استراليا و 5% إلى جنوب أفريقيا.
وقد بدأت أقطار أوروبية أخرى في الإسهام بعدد من المهاجرين فقد خرج من ألمانيا نحو 7 ملايين مهاجر في الفترة من 1878 - 1892 وكذلك فيما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، كما هاجر حوالي 10 ملايين إيطالي خاصة بعد سنة 1885، ذهب 42% منهم إلى الولايات المتحدة و 21% إلى البرازيل و20% إلى الأرجنتين و10% إلى فرنسا، وإن كان الكثيرون منهم قد عادوا إلى الوطن الأم لقضاء بقية عمرهم به. ومنذ بداية القرن العشرين بدأت دول وسط وشرق أوروبا في الإسهام في حركة الهجرة الخارجية نحو العالم الجديد، وقد بلغ عدد المهاجرين 20 مليونا من النمسا والمجر و 3 ملايين من شبه جزيرة أيبيريا و 700.000 من اليونان ومثلهم من الروس والبولنديين.
الهجرة الأوروبية فيما وراء البحار:
تعد الهجرة التي خرجت من أوروبا أكبر حركة في التاريخ وقد بدأ تيار الهجرة عبر المحيط قبل القرن التاسع عشر عقب اكتشاف الأمريكتين واستعمارها على يد الإسبان ولكن قدر أنه في الفترة من سنة 1821 حتى سنة 1910 غادر أوروبا 26 مليون مهاجر على الأقل نحو الولايات المتحدة وحدها. وقد تباينت أجزاء القارة في تيارات الهجرة الخارجة منها ولكن من المؤكد أن كل دول القارة الأوروبية قد أسهمت في حركة الهجرة حتى أصبحت المهاجر البعيدة تضم خليطا متميزا بخصائص الشعوب الأوروبية مجتمعة، وكانت دوافع الهجرة مشتركة بين كل الأقطار الأوروبية وأحيانا كانت تبدو ذات تأثير جماعي وأحيانا أخرى يبدو تأثيرها انفراديا حسب فترة التطور الاقتصادي ومستواه السائد.
وقد عانت أوروبا من التضخم السكاني مبكرا -أي أن مواردها كانت غير كافية لأعداد السكان المتزايدين بها، فالاقتصاد الزراعي تعرض لإجهاد التربة
وزيادة الضغط السكاني على الأرض حتى أصبح كثير من المزارعين بدون أراضٍ ومن ثم أصبحت روابطهم بالأرض معدومة، ثم جاءت ميكنة الزراعة وجعلت الهجرة أمرا ضروريا ملحا، وقد تحققت الرغبة في الهجرة عندما اكتشفت أراضٍ واسعة في العالم الجديد، وفي عروض ملائمة مناخيا لاستيطان الأوروبيين، وعندما أصبحت وسائل النقل الحديثة قادرة على نقل أعداد ضخمة من المهاجرين عبر المحيط.
وفي القرن السادس عشر غادر ثلاثة ملايين إسباني بلادهم نحو أمريكا وتوالى تيار الهجرة الأوروبية بعد ذلك ووصل إلى ذروته في فترات محددة خاصة بين سنة 1850 وبين 1880، 1889 ثم في أوائل القرن العشرين ومن ناحية أخرى فقد هبط منحنى الهجرة الأوروبية الخارجية هبوطا حادا عقب الحرب العالمية الأولى وذلك لفرض الولايات المتحدة قيودا على الهجرة إليها واتجاه كثير من الدول الأوروبية إلى الإصلاح الزراعي ومحاولة بعضها الحد من هجرة الأيدي العاملة بها.
ولم تؤثر الهجرة الأوروبية المغادرة في كل الدول الأوروبية في وقت واحد فقد بدأت مبكرة للغاية في إسبانيا والبرتغال، وحتى أوائل القرن التاسع عشر كانت تتضمن أساسا الإنجليز والاسكتلنديين والأيرلنديين والألمان والفرنسيين وعندما وفرت الملاحة البخارية وسيلة سريعة نسبيا ورخيصة للنقل بدأت حركة الهجرة تتنوع وتسابقت دول القارة نحو الهجرة خارجها. وبدأت الحركة أولا من أقطار شمال غرب أوروبا خاصة إنجلترا وإسكتلندا وأيرلنده والدول الإسكندنافية وألمانيا، ثم جاء بعد ذلك الإسبان والإيطاليون من الجنوب، ثم تلاهم من شرق أوروبا.
وكان العالم الجديد هو المهجر الرئيسي للمهاجرين من أوروبا واتجه تيار الهجرة الرئيسي حتى سنة 1914 نحو الولايات المتحدة وقد بلغ أقصاه في فترات زمنية سابقة كما حدث في الفترة من سنة 1851 - 1860 - 1890 - 1900 - 1914 وفي بعض الفترات كان عدد المهاجرين إلى الولايات المتحدة أكثر من مليون أوروبي في السنة الواحدة، وتتمشى الفترات الثلاثة لتدفق المهاجرين بمعدلات عالية مع ثلاثة دوافع رئيسية فالأولى تمشت مع الضغط الديموغرافي في القارة الأوروبية والثانية تمشت مع الزيادة السريعة في استعمار
الغرب الأمريكي والتصنيع في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة والثالثة كانت مواكبة للنمو الاقتصادي الصناعي فيها بصفة عامة.
ولكن تيار الهجرة الأوروبية للولايات المتحدة تعرض لتغير جوهري في حجمه وذلك بسبب القانون الذي أصدرته في سنة 1921 والخاص بتحديد حصص المهاجرين إليها وكان السبب وراء هذا القانون هو رغبة الطبقة العاملة الأمريكية في المحافظة على مستوى معيشتها المرتفع، كذلك رغبة الأمة الأمريكية كلها في المحافظة على تجانسها كدولة أنجلو ساكسونية وكان لذلك تأثير جذري على الخروج الأوروبي نحو أمريكا الشمالية فقد قل حجمه إليها بدرجة كبيرة.
وقد اتجهت تيارات هجرة نحو أقطار الكمنولث، ولكنها كانت مقيدة بتشريعات خاصة لتحديد عدد المهاجرين غير البريطانيين إلى هذه الأقطار بل ولحماية الطبقة العاملة في الدول المستقبلة من منافسة العمال الوافدين حتى العمال البريطانيين ذاتهم. وليس هناك دولة من دول الكمنولث أسهمت بدور كبير في استقبال المهاجرين مثلما أسهمت أستراليا وبالرغم من أن كندا لعبت دورا هاما كذلك فإنها فرضت قيودا حادة وطبقت مفهوم الانتقاء الهجري الوظيفي فكانت تفضل هجرة الفنيين والزراع والعمال الذين تحتاجهم البلاد.
وقد حاولت كثير من دول أمريكا الجنوبية جذب مهاجرين إليها من أوروبا حتى عندما حدت الدول الأنجلو ساكسونية من حركة الهجرة إليها، ومن الطبيعي أن تيار الهجرة إلى أمريكا الجنوبية تدفق من دول البحر المتوسط حيث تتشابه الظروف الحضارية مع مثيلتها في هذه القارة ولذا فإنه بين عامي 1820 - 1910 استقبلت البرازيل حوالي 2.850.000 مهاجر، 43% منهم من الإيطاليين و 38% من البرتغاليين والإسبان وما زالت الشعوب اللاتينية تكون العنصر السائد من المهاجرين نحو أمريكا الجنوبية حتى الوقت الحاضر.
كذلك استقبلت الأرجنتين في الفترة من سنة 1857 - 1910 قرابة 5.700.000 مهاجر وكان تيار الهجرة يتكون في المتوسط من 50% إسبان و 25% إيطاليين. وما زالت بيرو وكولومبيا وفنزويلا من المهاجر التي يتجه إليها بعض المهاجرين من شعوب البحر المتوسط وخاصة إسبانيا.
وقد اتجهت الهجرة الأوروبية فيما بعد الحرب العالمية وخاصة من شمال