الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا وقد يؤدي وجود مصادر معدنية غنية في مناطق الحدود إلى منازعات مسلحة بين الدول المتجاورة وأمثلة ذلك اكتشاف رواسب النترات في صحراء أتاكاما في غرب أمريكا الجنوبية الذي أدى إلى حرب ضروس عرفت باسم حرب الباسيفكي "1879 - 1884" وشملت شيلي وبيرو وبوليفيا؛ وذلك لامتلاك هذه المنطقة.
ولا تعني مناقشة هذه الخصائص الطبيعية أن كلا منها متساوٍ في الأهمية مع العناصر الأخرى؛ ذلك لأنه في داخل الدولة فإن هذه العناصر السبعة موجودة بدرجة أو بأخرى، ولكن في كل دولة فإن عنصرا أو عنصرين فقط قد يكونا ذوي مغزى سياسي.
ثانيا:
الأسس والعوامل الحضارية:
1-
السكان:
يمثل السكان العنصر البشري المحوري في الجغرافيا السياسية ومشكلاتها المتعددة. ذلك لأن السكان عامل حيوي ديناميكي متحرك في دخل الوحدة السياسية وينشأ هذا التحرك في الواقع عن الزيادة الطبيعية والهجرة مما يؤثر في التركيب العمري النوعي والاقتصادي والعرقي للسكان وقد ينعكس ذلك على المشكلات العنصرية السائدة في بعض المجتمعات كذلك قد يؤدي إلى نزعة قومية تدفع بالدول إلى الاحتكاك ومن ثم تخلق المشكلات السياسية المحلية في داخل الدولة أو بينها وبين جيرانها.
ويعد السكان على درجة كبيرة من الأهمية للدولة حيث يرتبط ذلك بحجمهم وتوزيعهم وتركيبهم وليس حجم السكان في الدولة عاملا هاما في قدرتها على تلبية احتياجاتها فقط ولكن لإمكانياتها وقدراتها الكامنة كذلك. فبعض الدول تتميز بكثافة سكانية عالية مثل اليابان وهولنده وبلجيكا وبريطانيا ولا تستطيع تحقيق اكتفاء ذاتي في احتياجاتها الغذائية بالرغم من استخدام الأساليب الزراعية الحديثة. وفي مجال العلاقة بين الغذاء والسكان في الدولة فإن الدول كثيفة السكان قد تتجه إلى زيادة موارد الغذاء المحلية وتنشئ إمبراطوريات فيما وراء البحار تساعد على نموها الاقتصادي أو تقليل أعداد
السكان بها بتشجيع الهجرة الخارجية على نطاق كبير نحو مناطق استيطان جديدة. أو قد تسلم في النهاية بانخفاض مستوى المعيشة لأفرادها.
ولما كان التوسع في زيادة موارد الغذاء المحلية مرتبطا بعوامل محددة في البيئة الطبيعية فإن استيراد كل احتياجات السكان يصبح أمرا لا مفر منه وخاصة إذا كان الاستيراد أرخص من الإنتاج المحلي لبعض هذه الاحتياجات.
أما البدائل الثلاثة الأخرى فلها دلائل سياسية قوية فقد اختفت الإمبراطوريات أو كادت مثل الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والهولندية، وكذلك أصبحت مناطق استقبال المهاجرين محددة بنظم صارمة "نظام الحصص مثلا" كما في الولايات المتحدة وكندا واستراليا أو بعوائق طبيعية كما في أجزاء من أمريكا اللاتينية وأفريقيا. كما أن الهجرة الخارجية قد تضعف من التركيب السكاني للدولة؛ وذلك لأن العناصر الشابة والطموحة هي التي تهاجر. وأخيرا فإنه ليست هناك حكومة تنتهج سياسة خفض مستمر في مستويات العيش لسكانها.
وترتبط العلاقة بين حجم السكان والقوى القومية الكامنة بتركيب السكان تفصيليا وتكنولوجيا كذلك بقدرة الحكومة على تنظيم سكانها لخدمة الدولة ويساعد التعليم والمهارات الفنية للسكان على استخدام الموارد القومية بكفاءة. ومن أمثلة التنظيم الموجه ما حدث في ألمانيا وأثناء الحرب العالمية الثانية حيث دربت الحكومة 65 مليونا من البشر من ذوي القدرات والمهارات وذلك لتحقيق الأهداف القومية ولقد كان معظم قوة ألمانيا السياسية والعسكرية خلال هذه السنوات راجعا إلى حجم وتدريب سكانها، كذلك نجاح اليابان نجاحا مذهلا في استثمار مواردها البشرية استثمارا مكنها من تعويض النقص في مورادها الاقتصادية واستطاعت بذلك أن تتبوأ مكانة رفيعة في الاقتصاد العالمي.
ويرتبط توزيع السكان بحجمهم والذي يعد بدوره هاما بالنسبة للوحدة أو التنافر الداخلي والعلاقات بين الدولة وجيرانها فالمناطق ذات الكثافة السكانية العالية تعد تأثيرا على التركيب المترابط للدولة وقد تكون مصدرا لمشكلات سياسية وعلى المجال الدولي فإن الحدود السياسية التي تخترق
مناطق قليلة السكان تؤدي إلى قلة الاحتكاك بدرجة أقل منها إذا اخترقت مناطق كثيفة. كذلك فإن المناطق الآهلة بالسكان القريبة من مناطق النزاع السياسي المجاورة قد تكون ذات أهمية للدولة وخاصة في وقت الحروب؛ ذلك لأن هذه المناطق إذا تعرضت لغزو وتمت السيطرة عليها أصبحت المقاومة ضعيفة في مواجهة العدو ولعل في موقع باريس ومنطقتها بالنسبة لحدود فرنسا الشمالية الشرقية دليل على ذلك.
أما العنصر الثالث من السكان فهو تركيبهم وخاصة لغويا ودينيا وعرقيا وهناك دول تتميز بازدواج لغتها مثل كندا وبلجيكا كما أن هناك دولا تختلف أجزاؤها دينيا مثل كندا ويوغسلافيا وهولنده وإندونيسيا وأيرلنده الشمالية. والاختلافات العرقية تتمثل في جمهورية جنوب أفريقيا والولايات المتحدة. وقد يضعف وجود أكثر من لغة قومية واحدة داخل الدولة من قوتها السياسية حيث تنزع المجموعات اللغوية إلى تغير النمط السياسي السائد وتتجه إلى انفصال عن جسم الدولة وتكوين وحدة سياسية مستقلة.
التجانس السكاني في الدولة:
تعتمد الوحدة السياسية للدول على مجموعة من المقومات البشرية المرتبطة بالتركيب السكاني فيها والتي تجمع بين السكان وتكون مشتركة بينهم مؤلفة بين مشاعرهم تجاه الأرض التي تكون الإطار البيئي لهم ويدخل في عداد هذه المقومات التجانس اللغوي والديني والحضاري والعرقي بما يكفل وحدة الفكر والمشاعر.
وقد ظهرت أهمية هذه المقومات في خلق دول كثيرة في العصور القديمة تجلى فيها الحرص على الروابط التي تزيد أهميتها ظروف البيئة الجغرافية الطبيعية ومن هذه الدول مصر التي أسهم النيل في إيجاد كيان طبيعي ترتكز عليه المقومات البشرية للدولة بها.
على أن دراسة التجانس السكاني تستتبع دراسة الجنس والتوزيع اللغوي والديني ثم تحديد دور كل من هذه العناصر في الكيان السياسي؛ ذلك لأن كثيرا من المشكلات السياسية المحلية والدولية ترجع في الغالب لتباين في التركيب السلالي أو الديني أو القومي.
والجنس اصطلاح علمي غير محدد يطلق على مجموعة من البشر لهم صفات طبيعية خاصة مثل لون البشرة، وملامح الوجه، وشكل الرأس، وغير ذلك من الصفات الظاهرة التي يتخذها علماء الأجناس أساسا لتصنيف السكان إلى أجناس وربما كان التقسيم المألوف إلى قوقازي ومغولي وزنجي هو أبسط تقسيم للسكان إلى أجناس رئيسية.
وقد سيطرت فكرة سيادة بعض الأجناس على أذهان بعض الساسة حيث أقاموا سياستهم على أساس بعض الخرافات الجنسية مثل خرافة التفوق الجنسي في ألمانيا النازية حيث كان هتلر من المؤمنين بأسطورة الجنس الآري، وما اشتملت عليه من تفوق النورديين على كل من عداهم من الناحيتين العقلية والبدنية وقد كان لهذا الاعتقاد نتائجه الخطيرة حيث يفسر الطريقة التي سار عليها الرايخ الثالث في معاملته للأجناس الأوروبية المنحطة في نظره وما أنزله بها من ألوان الاضطهاد والتعذيب. كذلك لم يترك قادة اليابان قبل هزيمتها في الحرب العالمية الثانية فرصة إلا وأكدوا فيها وجوب تقديس إمبراطورهم والرسالة المقدسة التي تقوم بها حكومته مما جعل الكثير من الجنود اليابانيين يؤمنون إيمانا راسخا بأنهم رسل الإمبراطور في إبلاغ رسالته إلى الباسفيك والشرق الأقصى.
كذلك أدى وجود الزنوج في الولايات المتحدة إلى خلق ما يعرف بالمشكلة العنصرية، ويأخذ التعصب ضد الزنوج في التضاؤل في أمريكا اللاتينية حيث يتمتع زنوج البرازيل بحقوق وامتيازات يحسدهم عليها زنوج الولايات المتحدة الذين يعانون من التفرقة العنصرية معاناة شديدة.
ولكن ينبغي الإشارة في هذا المجال إلى أن السلالة أو الجنس لا تعتبر عاملا حتميا للتجانس السكاني للدولة، ذلك لأن توزيع السلالة الواحدة قد يكون كبيرا بدرجة لا تسمح بنوع من التجانس المحلي القائم على مقومات أخرى حضارية كاللغة والدين وأسلوب الحياة بل إن السلالة الواحدة قد تضم سلالات فرعية تختلف دياناتها أو لغاتها وأسلوب حياتها كذلك فإن حركة السكان الدائبة والتي ازدادت في العصر الحديث أدت إلى اختلاط واسع وكبير انتفى معه الادعاء بالنقاء العنصري أو الجنس.
وقد أدى الادعاء بالنقاء الجنسي إلى خلق مشكلات سياسية متعددة لعل أهم مظاهرها في العصر الحديث مشكلة التفرقة العنصرية التي تتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية بين البيض والملونين حيث مازال الرجل الأبيض يشعر باستعلاء ورقي عن الملون مما أدى إلى وجود تمزق في الهيكل السكاني يشبه مثيله في جمهورية جنوب أفريقيا وزيمبابوي حيث كانت هجرة الأوروبيين إليها مصحوبة الإحساس بالتفرقة على السكان الأصليين. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية من الأمثلة الواضحة على الدول ذات المشكلات العنصرية حيث إن عشر عدد سكانها من الزنوج والملونين. ويعيش معظم هؤلاء في الجنوب الشرقي وهو معقل العبودية الأصلي الذي يتميز بزراعة القطن، وتتضاءل النسبة للملونين نحو الشمال قلة واضحة، ويعيش زنوج الولايات المتحدة في مستوى اقتصادي منخفض عن البيض فقد بلغ متوسط نصيب الفرد الأبيض من الدخل سنة 1965 مثلا 4800 دولار مقابل 2700 للزنجي، كما أن التمييز العنصري يشمل النواحي السياسية والاجتماعية فليس هناك سلم اجتماعي يمكن أن يصل بواسطته السود إلى مرتبة البيض.
كذلك تتكرر ظاهرة التفرقة العنصرية في جمهورية جنوب أفريقيا وذلك بالرغم من أن التركيب السكاني يختلف بها عن مثيله من الولايات المتحدة كذلك؛ لأن زنوج جنوب أفريقيا هم الأغلبية وليست هناك ولاية واحدة من ولايات البلاد يتفوق فيها البيض على الزنوج -بعكس الحال في الولايات المتحدة الأمريكية التي لا توجد بها ولاية واحدة يتفوق فيها السود على البيض. ولكن تعقيد الموقف في جنوب أفريقيا يظهر في أن معظم الأوروبيين يرجعون إلى أصل هولندي "البوير" والقليل إلى أصول بريطانية ذلك بالإضافة لوجود سكان آسيويين وآخرين مخلطين في مقاطعة الكاب وهم نتاج للأفريقيين والأوروبيين ويعمل الملونون بالأعمال اليدوية كالتعدين والأعمال المنزلية وهم يعيشون في مستوى اقتصادي منخفض وكانت نفس الظاهرة سائدة في زيمبابوي قبل استقلالها حيث كانت أقلية بيضاء من أصل بريطاني تتحكم في أغلبية زنجية، وتتملك الدولة بمعنى الكلمة حيث كانت لها الأراضي الزراعية الخصبة والمصانع والمؤسسات التجارية، وقد تغير ذلك الوضع تماما بعد الاستقلال.
أما اللغة:
فهي من أفضل الوسائل وأظهرها أثرا في خلق التجانس السكاني للدولة
حيث إنه من الطبيعي أن يكون الاتفاق في اللغة عاملا هاما من عوامل توحيد الجماعات كما أن اختلافها يؤدي إلى التفرقة في الغالب. وتتميز كل من أوروبا وآسيا بتعدد لغاتها وتباينها، عكس المشاهد في أمريكا واستراليا، حيث تعتبر مشكلة اللغة أبسط المشكلات وأيسرها فالإنجليزية والإسبانية والبرتغالية هي اللغات الرئيسية في الأمريكتين مع قليل من الفرنسية في مقاطعة كوبيك بكندا، والهولندية في جزر الهند الغربية وسورينام. واستراليا لها لغة واحدة وهي الإنجليزية. كما أن الوطن العربي يتكلم بلغة واحدة هي العربية. أما الهند فهي مثل الدولة التي تتعدد فيها اللغات وإن كانت الإنجليزية هي لغتها الرسمية حيث توجد بها مئتا لغة عدا اللهجات العديدة ومن هاتين يوجد عشر لا يقل عدد من يتكلم كلا منها عن التسعة ملايين من الأنفس.
ويتحدث سكان العالم اليوم بما يقرب من ثلاثة آلاف لغة تتفاوت من اللغة الصينية والإنجليزية التي يتكلم بها مئات الملايين ولغات قبائل الأمازون في أمريكا الجنوبية وقبائل نيوغنيا وأجزاء من آسيا التي يتحدث بها جماعات قليلة العدد وقد شهد العصر الحديث انتشار استخدام لغات عالمية وتقلص لغات أخرى حتى اختفت أو أصبحت قاصرة على أقليات لغوية في أماكن عزلة بعيدة في رقعة بعض الدول.
ويعد توزيع اللغات على سطح الأرض أمرا معقدا للغاية ويندر أن تتمشى الحدود السياسية تماما مع الحد اللغوي للدولة ومعظم دول العالم لها لغة رسمية وأحيانا لغتين أو ثلاث ولذا يمكن تصنيف لغات العالم في هذا الصدد إلى أربع مجموعات:
1-
بعض اللغات تتكلمها عدة دول مثل الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والبرتغالية والألمانية والعربية.
2-
بعض اللغات تستخدم في دولة واحدة فقط مثل البولندية واليابانية والأيسلندية.
3-
بعض الدول تسود فيها عدة لغات مثل الاتحاد السوفيتي حوالي 150 والهند حوالي 15 لغة رئيسية والصين ودول أخرى في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
4-
بعض اللغات توجد في دولتين أو أكثر اليوم كأقليات لغوية مثل الباسك في إسبانيا وفرنسا والكردية في منطقة الأكراد في تركيا وإيران والعراق وسوريا.
وتعاني بعض دول العالم من مشكلات لغوية أوضح أمثلة تلك أنه من بين الدول الثلاث عشرة الأوائل في حجم السكان في العالم توجد مشكلات لغوية معقدة لسبب ولآخر، ومنها الصين والهند والاتحاد السوفيتي والباكستان ونيجيريا وبعضها يعاني مشكلات أقل صعوبة مثل الولايات المتحدة "المهاجرين" والبرازيل "لغات الهنود الحمر في الأمازون" وهناك دول لا تعاني من هذه المشكلات تماما مثل اليابان وألمانيا، وبالنسبة للدول الصغرى فبعضها يتعرض لمثل تلك المشكلات اللغوية مثل بلجيكا وتشيكوسلوفاكيا وسويسرا وبعض الأقطار الأفريقية والآسيوية الأخرى.
في هذا المجال فإن دول العالم تتباين من حيث مستوى الحالة التعليمية لكل منها ففي الوقت الذي يستطيع فيه أكثر من 90% من سكان الدول المتقدمة القراءة "السكان بعد سن السابعة" فإن هناك دولا نامية لا يستطيع أكثر من 90 % من سكانها ذلك.
أما الدين:
فهو وإن كان يعتبر عاملا من عوامل التجانس السكاني للدولة إلا أنه لم يعد كما كان قديما من الأسباب التي تثار من أجلها المنازعات حيث فترت روح التعصب الديني التي كثيرا ما اشتعلت الحروب في العصور القديمة والوسطى كما حدث في الحروب الإسلامية لنشر الدين الإسلامي وفي الحروب الصليبية التي استمرت سنوات طويلة وقد حل التسامح الديني نتيجة انتشار الثقافة وتغلب المصالح الاقتصادية والسياسية على الاعتبارات الدينية، ومع ذلك فما زال للدين دور هام في حياة الدول وسياساتها؛ ذلك لأنه يعد أحد مكونات المجتمع ويستطيع أن يدعم قاعدة البناء السياسي للدولة حيث تتميز كثير من الدول بديانة واحدة كما هو الحال في كثير من الدول الإسلامية والمسيحية والهندوكية والبوذية.
وقد تنقسم المجموعة الدينية إلى عدة مذاهب أو طوائف مما يزيد من