الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنشأ صناعات جديدة على أطراف هذه المنطقة الوسطى -محاشية ارتفاع أسعار الأرض داخلها، وهناك بعض الصناعات المتخصصة جدا تجد من الضروري لها أن تنشأ بالقرب من حي التجارة والأعمال -وأوضح أمثلتها طباعة الكتب والمجلات والصحف. وعموما فإن الصناعات التي قد تقوم في وسط المدينة تتميز بأنها صناعات خفيفة يميزها صغر المكان وقلة عدد العمال، وربما كانت الصناعات اليدوية من سماتها المميزة.
هـ- التخصص الداخلي:
رغم أن حي التجارة والأعمال يتميز بالصفات الرئيسية السابقة فإنه ليس متجانسا على الإطلاق، ذلك لأن من أبرز ملامحه ذلك التخصص الداخلي في أنشطته والذي يمكن ملاحظته في المدن الكبرى، ذلك لأن هناك بعض الشوارع التي تتخصص في نشاط معين يغلب عليها سواء كانت شوارع تنتشر بها المحلات التجارية الكبرى أو شوارع للبنوك وأخرى لدور الخيالة والمسارح وثلاثة للإدارة الحكومية والإدارية وغير ذلك.
وما ينطبق على الحي المركزي في المدن الكبرى نجد أن له مثيلا -إلى حد كبير- في المدن المتوسطة، بل والصغرى، وقد أوضح "دياموند Diamond" على سبيل المثال في دراسته عن مدينة جلاسجو أن منطقة التجارة والأعمال بها يمكن توضيح ثلاثة أحياء متخصصة بها هي منطقة المكاتب Offices التجارية ومنطقة التجارة بالجملة wholesaling ومنطقة التجارة بالتجزئة.
وبطبيعة الحال فإن دراسة أية مدينة كبيرة كانت أو صغيرة يمكن أن توضح إلى أي حد تتخصص أحياؤها الداخلية في إطار منطقة القلب في أنشطة مختلفة مميزة تشتهر بها عند سكانها المحليين، بل وعند روادها الوافدين من خارج الإقليم أو الدولة.
2-
المناطق الصناعية:
الصناعة قديمة في كثير من المدن، ولكنها كانت خلال العصور القديمة
والوسطى قليلة، ويمارسها عدد قليل من السكان في المنازل والحوانيت، وبعد الثورة الصناعية أصبحت الصناعة خلاقة المدن، فقد تضخم القائم منها سواء بطريق مباشر أوغير مباشر، خاصة في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. ويظهر ذلك واضحا في الاتحاد السوفيتي، فقد خلقت مدن الصناعة مثل مجنيتو جورسك ونوفو سيبرسك التي بدأت بخمسة آلاف نسمة سنة 1897 ووصل عدد سكانها إلى 731000 نسمة سنة 1956.
وقد تطورت الصناعة تطورا تكنولوجيا أثر بدوره على شكل المدن ووظائفها، فالمرحلة الأولى من الصناعة كانت بسيطة غير معقدة تعتمد على قوة الريح واستخدام الأخشاب في توليد الطاقة وذلك حتى القرن الثامن عشر وقبل الثورة الصناعية ولم تكن الصناعة في تلك الفترة مركزة في المدن بالضرورة بل كثيرا ما انتشرت في الريف - في الخلاء.
ثم جاءت مرحلة الفحم والحديد والتي بدأت بالثورة الصناعية وانتهت في أواخر القرن 19 وقد ظهرت في تلك الفترة الآلة البخارية والسكك الحديدية التي ساهمت أعظم مساهمة في تضخم المدن الصناعية وانتشارها ولو أننا نجد مناطق الصناعة تتجه نحو الريف للانتفاع برخص الأرض والأيدي العاملة.
أما التطور الأخير للصناعة فهو الذي تعيشه الآن، ونقصد به عصر الكهرباء وعصر المعادن الخفيفة كالألومنيوم وعصر آلة الاحتراق الداخلي وعلى قدر ما تركزت وتضخمت المدن الصناعية في الفترة السابقة بفضل الفحم والآلة البخارية تبعثرت في هذه الفترة الأخيرة وانتشرت في الريف بفضل الكهرباء والسيارة وعلى أية حال فليس هناك فصل واضح بين هذه المراحل ولا يعني بدء مرحلة انتهاء أخرى.
والمدينة لها صناعاتها المميزة، وغالبا ما تكون للصناعات التحويلية مدينة بالضرورة -أي تستدعي بيئة مدينة لتقوم بها- وبيئة مدينة كبيرة في العادة فكثير من الصناعات ذات الإنتاج الضخم مثل صهر المعادن لا يمكن تصور قيامها خارج المدينة نظرا لضخامة تنظيمها ومن شأنها أن تخلق مدينة جديدة.
وتختلف في ذلك عن الصناعات الاستخراجية التي تعتمد أول ما تعتمد
على مكان المادة الخام المستخرجة وهناك كثير من الأمثلة على أن الصناعة التحويلية خلاقة للمدن فكثيرا ما تبني شركة مدينة بأكملها Company Town من المصانع والمساكن والطرق والمواصلات مثل جاري بانديانا Gary التي أنشأتها شركة U.S. Steel Cmopany سنة 1906 في منطقة وعرة مهجورة على الطرف الجنوبي لبحيرة متشجن فأصبحت في سنة 1930: 100 ألف نسمة وفي سنة 1950: 134 ألف نسمة.
هذا وتتميز المناطق الصناعية في المدن بأمرين:
1-
الصناعات القديمة "الخفيفة" والتي تشتهر بها المدينة -ومعظمها صناعات يدوية- وهذه توجد في المدن القديمة وغالبا ما تكون بجوار منطقة القلب التجاري للاستفادة من وفود العملاء إليه وكثيرا ما يتجمع أصحاب كل حرفة واحدة في شارع واحد فنجد شارعا لصناع الزجاج وآخر لصناع النحاس وثالثا للحدادين ورابعا للصناعة ولا شك أن هذه الصناعات تعتمد بصفة رئيسية على الإقليم المجاور للمدينة لاستهلاك منتجاتها.
2-
الصناعات الحديثة "الثقيلة" وهي التي تحتاج لقيامها لمساحات واسعة بقصد إقامة المصانع وتشييد مساكن العمال وربطها بوسائل مواصلات، وكذلك سهولة الحصول على المواد اللازمة لها. ولذلك تتجه إلى خارج المدينة يجذبها في ذلك رخص الأرض وسهولة النقل وتمتاز هذه الصناعات بمبانيها الواسعة ذات الحوائط العالية كما يميزها وجود المداخن وخروج العمال ودخولهم لها في مواعيد منتظمة.
ويرتبط بهذا النوع من الصناعات أمر هام أن المدينة الصناعية تتجه غالبا من التخصص إلى التنوع في صناعاتها وهذا ما يعرف بقانون تداعي الصناعات فإن وجود صناعة ما يدعو إلى قيام صناعة أخرى تعتمد عليها بطريق مباشر أو غير مباشر فالغزل يدعو إلى النسيج وقطع الأخشاب يدعو إلى صناعة لب الورق والأثاث وهكذا.
ومن المظاهر الحديثة في المدن تركز الصناعات في المواني حيث تساعد عدة عوامل على قيام هذه الصناعات والتي أهمها توفر المواد الخام وخاصة المستوردة من الخارج كذلك الاتصال السهل بمختلف المواصلات بالخارج والداخل ويعد ذلك من أهم عوامل قيام الصناعة في المدن.