الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب التاسع: مراكز العمران الريفي
الفصل الأول: مراكز العمران الريفي
مفهوم جغرافية العمران ومجال البحث فيها
…
الفَصلُ الأول: مَراكز العُمران الرِّيفَي
مفهوم جغرافية العمران ومجال البحث فيها:
تعد جغرافية العمران فرعا هاما من فروع الجغرافيا البشرية؛ وذلك لأن مراكز العمل البشري هي انعكاس لعدة ظروف جغرافية متشابكة أسهمت في توزيع السكن والسكان، ويعالج هذا العلم أنماط العمران في البيئات المختلفة سواء كان عمرانا ريفيا أو حضريا، أو عمرانا يجمع في ثناياه بين هذين النمطين.
ورغم أن جغرافية العمران geography of settlements تنقسم إلى فرعين رئيسيين هما جغرافية السكن الريفي geography of rural settlements وجغرافية السكن الحضري -أو المدن- geography of urban settlements فإن دراسة الفرع الأول لم يحظ باهتمام الجغرافيين إلا حديثا جدا ومنذ ما يقرب من نصف قرن فقط -وبالتحديد في سنة 1925- عندما قدم الباحث "ديمانجون demangeon" أول بحث عن جغرافية السكن الريفي: مفهومها ومنهجها، وذلك ضمن الأبحاث التي قدمت إلى المؤتمر الجغرافي الدولي الذي عقد في القاهرة في تلك السنة.
وكان العمران الريفي الفرنسي من الموضوعات التي جذبت اهتمام "ديمانجون" وقد كتب في هذا الموضوع عدة مقالات في مجلة "الحوليات الجغرافية" كما كتب عددا من الكتب فيه بين سنتي 1920 - 1939، واتخذ الرسم الداخلي للمساكن الريفية، ووظيفتها الزراعية عاملين أساسيين للتمييز بين منطقة وأخرى، واعتبر كثافة المساكن أو مدى انتشارها أمرا جوهريا، كذلك قام بإجراء استفتاء بشأن الموطن الريفي والمباني الزراعية وأساليب الزراعة ودور الأجانب في الفلاحة الفرنسية، وكذلك اهتم ديمانجون
بوجه خاص بدراسة المدن، وكانت دراسته لباريس التي نشرت سنة 1933 دراسة جيدة اعتمدت عليها كثير من الأبحاث بعد ذلك. وتوالت بعد ذلك دراسات مستفيضة عن العمران الريفي خاصة في غرب أوروبا وذلك كمقدمة لفهم مشكلات البيئة الريفية ووضع أسس التخطيط الإقليمي لها.
وتتناول جغرافية السكن الريفي بعض الموضوعات المرتبطة بالقرى من حيث ثباتها أو تغيرها والمؤثرات الجغرافية في توزيع القرى وأشكال هذا التوزيع ثم تتناول بالتفصيل دراسة المسكن الريفي صفاته وخصائصه وارتباطه بظروف موضع القرية، وكذلك دراسة سكان الريف أنفسهم ومشكلاتهم وتوزيعهم وعلاقاتهم بالمراكز الحضرية الأخرى.
أما جغرافية المدن -وهي الشق الثاني من جغرافيا العمران- فقد جاء الاهتمام بها مبكرا عن الاهتمام بجغرافية السكن الريفي، علما بأن دراسة جغرافية المدن بمنهجها التقليدي ترجع إلى أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن وخاصة في بعض المقالات التي درست مواقع المدن ومواضعها، وخاصة في كتابات فردريك راتزل الجغرافي الألماني المشهور والذي يعد مؤسس الجغرافيا البشرية في العصر الحديث.
وقد أصبح العمران الحضري من أبرز سمات القرن العشرين وأضحت مشكلات النمو المدني من أكثر المشاكل إلحاحا في معظم دول العالم وما يرتبط بها من مشاكل الإسكان والغذاء والكهرباء والخدمات الأخرى.
وقد نشأت المراكز الحضرية "وهي مرادف للمدن" في بادئ الأمر في أماكن قليلة في الشرق الأوسط خلال العصر الحجري القديم الأعلى، فقد وجدت مدن في أراضي ما بين النهرين ومصر ترجع إلى منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد وانتشرت بعد لك إلى وادي السند وإلى الصين، أما أولى المدن التي أنشئت في العالم الجديد فهي مدينة المكسيك الحالية التي أنشأها السكان الأصليون من الهنود الحمر منذ ألفي سنة تقريبا.
ومنذ نهاية العصور الوسطى كانت المراكز العمرانية الحضرية قاصرة على أوروبا وشمال أفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا الوسطى، وقد تمخض التدخل
الأوروبي في العالم الجديد وفي سيبريا بعد عصر كولمبس عن إنشاء مدن جديدة في المناطق التي استعمرها الأوروبيون، ولكن نسبة سكان المدن ظلت ضئيلة بينما استحوز الريف على معظم السكان.
ولكن عملية التحضر "التمدين" URBANIZATION بدأت في التزايد تدريجيا في أعقاب الثورتين الصناعية والزراعية، وبدأت العملية أولا في إنجلترا قرابة نهاية القرن الثامن عشر وما إن جاءت سنة 1900 حتى كانت نسبة السكان الإنجليز الذين يعيشون في المدن 4/5 مجموع السكان، ومنذ ذلك التاريخ ظلت هذه النسبة ثابتة تقريبا. وشهدت كثير من الدول الصناعية في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية تطورا مماثلا، فكانت نسبة سكان المدن مثلا في الولايات المتحدة الأمريكة أقل من 10% في سنة 1800 ارتفعت إلى 70% من جملة السكان سنة 1960.
وانتشرت ظاهرة التحضر العمراني في العصر الحديث خارج أوروبا وأمريكا الشمالية، وتعد اليابان مثلا واضحا على ذلك حيث كانت نسبة سكان المدن بها حوالي 15% سنة 1875 ارتفعت لتصل 65% في الوقت الحاضر، أما البرازيل كدولة نامية فقد ارتفعت النسبة بها من 30% سنة 1940 إلى 45% سنة 1960، وفي مصر تزايدت هذه النسبة من 24% في سنة 1937 إلى 38% سنة 1960.
وعلى العموم فإن نسبة سكان المدن في العالم في الوقت الحاضر تتراوح بين 25 - 30% من جملة سكانه في الوقت الذي كانت فيه هذه النسبة منذ قرن مضى قرابة 3% فقط ومعنى ذلك أن هذه النسبة قد تضاعفت حوالي عشر مرات خلال مائة عام.
وترتبط عملية النمو الحضري في العمران البشري بتزايد أعداد البشر أنفسهم -ذلك التزايد الذي نجم عن الزيادة الطبيعية للسكان- وكذلك الهجرة التي شهدتها قارات العالم الجديد وما أعقبها من استغلال لهذه القارات وتحول السكان إلى إنتاج الغذاء وتجارته بدلا من الاعتماد على الحرف المعاشية.
وتهتم جغرافية المدن "السكن الحضري" بدراسة ما يلي:
أ- نشأة المدينة وتطورها والمراحل المختلفة التي مر بها هذا التطور والعوامل الرئيسية التي أسهمت في ذلك.
ب- بيئة المدينة من حيث موقعها وموضعها والمؤثرات الجغرافية في امتداد محاور النمو بها وظروفها المناخية وخاصة المناخ المحلي.
ج- سكان المدينة جغرافيا وديموغرافيا: أي دراسة توزيع السكان على رقعة المدينة ومؤثرات هذا التوزيع ثم نمو السكان وتركيبهم العمري النوعي والاقتصادي وغير ذلك من مظاهر التركيب الديموغرافي.
د- التركيب الوظيفي للمدينة، وتقسيمها إلى أحياء ذات صفات مشتركة وتحديد هذه الأحياء حسب وظيفتها الرئيسية.
هـ- إقليم المدينة: أي علاقتها ببيئتها المجاورة ومظاهر تأثير المدينة في هذه البيئة وتأثير البيئة فيها.
و تخطيط المدينة في المستقبل في ضوء عوامل النمو والتوسع.
ويرتبط بدراسة جغرافية المدن تحليل كثير من البيانات الإحصائية وإجراء دراسات حقلية والتعامل مع خرائط المدن الأصلية وخلق خرائط جديدة من واقع الدراسة الميدانية وتحليل البيانات، ولذلك فإن الباحث في جغرافية المدن ينبغي له أن يجيد التعامل مع خرائط العمران والدراسة الميدانية قبل وأثناء دراسته للمدينة.
وتنبغي الإشارة في ختام هذه المقدمة إلى أن وضع قواعد جغرافية المدن جاء في فترة حديثة جدا خاصة بعد الحربين العالميتين، وكان للجغرافيين الفرنسيين دور كبير في ذلك، فبالإضافة إلى دراسة ديمانجون لباريس سنة 1933، هناك دراسات أخرى هامة عن المدن والبلدان الفرنسية قام بها بلانشار BLANCHARD ونشرها في مجلة الحياة الحضرية "LA VIE URBANE" سنة 1922، ويعد كتابه عن مدينة جرينوبل grenoble سنة 1911 بحثا جيدا في الموقع العام للمدينة ولموضعها بالتفصيل وفي
تطورها التاريخي ومركزها الحاضر، وقد أنشأ في جرينوبل مدرسة علمية منظمة للبحث في الجغرافية الحضرية "جغرافية المدن"1.
وبعد ذلك توالت دراسات المدن في الدول الأوروبية والولايات المتحدة والشرق الأقصى، فوضع جيفرسون الأمريكي gifferson كتابا درس فيه نمو المدن في الولايات المتحدة وفي بريطانيا، وتلاه بعد ذلك علماء ألمان كان أبرزهم كريستالر christaller الذي اشتهر بدراساته عن مواقع المدن وتباعدها ووضع القوانين التي تحكم ذلك.
غير أن جغرافية المدن -شأنها في ذلك شأن كثير من الفروع الجغرافية- بدأت مرحلة جديدة بعد الحرب العالمية الثانية معتمدة على بعض الأساليب الحديثة خاصة الأساليب الكمية quantitative في تحليل المواقع والتباعد والتركيب بهدف الوصول إلى تحديد أقاليم المدن توطئة لوضع تخطيط شامل لهذه المدن في الحاضر والمستقبل وسنتناول بعض هذه الأساليب في الفصول التالية.
1 هاريسون تشيرش، المدرسة الجغرافية الفرنسية في كتاب الجغرافية في القرن العشرين، مترجم، القاهرة 1974، ص96-124.