الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثا:
العوامل الفيزيوغرافية والإنسان:
تلعب العوامل الفيزيوغرافية في البيئة الطبيعية دورا بارزا في أنماط النشاط البشري وتوجيهها فبالرغم من أن المناخ يؤثر بدوره في تحديد الأقاليم الرئيسية التي تضم أنماطا مختلفة من الحياة البشرية فإن العوامل الفيزيوغرافية هي المؤثر الرئيسي في تباين استغلال الأرض وفي اختلاف الدور الذي يقوم به الإنسان في هذا الصدد.
وتعد مظاهر السطح من العناصر الطبيعية للبيئة الجغرافية حيث توجه العمران البشري فيها وتحد من امتداده حينا أو اتساعه أحيانا والناظر إلى خريطة توزيع السكان مثلا يلمس أن جزءا كبيرا من سطح الأرض ما زال غير معمور. حتى النطاق المعمور فإن توزيع السكان به غير متساوٍ وتبلغ مساحة اليابس 148 مليون كيلو متر مربع وهو لا يشغل أكثر من 28% من سطح الأرض أما الباقي فيغطيه الماء. وتختلف مساحات القارات اختلافا جوهريا توضحه الأرقام التالية:
القارة المساحة بالكيلو متر المربع
آسيا 45.600.000
أفريقيا 30.600.000
أمريكا الشمالية 17.900.000
أمريكا اللاتينية 24.300.000
أوروبا 9.800.000
استراليا 8.500.000
القارة المتجمدة الجنوبية "انتاركتيكا"11.400.000
الجملة 148.100.000
وبصفة عامة، فإن أشكال سطح الأرض الرئيسية تتمثل في السهول والتلال والهضاب ثم الجبال -وتختلف الآراء في تعريف كل منهما تعريفا
دقيقا- إلا أن ما يهمنا هو مدى تأثيرها في أوجه النشاط البشري، وتعتبر السهول ذات التربة الخصبة والمناخ المعتدل أكثر الجهات ملاءمة لنشاط السكان ومن ثم فإنهم يتركزون بها أكثر من أي مظهر تضاريسي آخر كما هي الحال في السهول الوسطى في أمريكا الشمالية وسهول البمبا في أمريكا الجنوبية والسهل الأوروبي الشمالي وسهل الجانج والسند في الهند والباكستان والسهل الصيني الشمالي، وقد نتج هذا التركز عن عوامل متعددة توفرت في هذه السهول أهمها سهولة زراعتها وجودة تربتها وملاءمتها لإنتاج كثير من المحاصيل كذلك فإن استواء السطح في المناطق السهلية يسهم في سهولة النقل وامتداد طرق المواصلات المختلفة. وليس معنى ذلك أن وجود السهول في منطقة ما قرين بتركز السكان فيها ذلك لأن هناك سهولا فسيحة في معظم قارات العالم لا تتوفر فيها عوامل الاستقرار البشري مثل السهول القطبية في شمال أمريكا الشمالية وفي آسيا. كذلك في السهول الصحراوية الجافة كما هي الحال في وسط استراليا وجنوب الصحراء الكبرى وكذلك فإن هناك قطاعات من السهول الرطبة الحارة التي لا تشجع على التركز البشري مثل سهول الأمازون وبعض سهول وسط أفريقيا الاستوائية.
وتتعدد مظاهر التأثير التي تحدثها التضاريس على المظهر الحضاري في البيئة وذلك للترابط الكبير بين العناصر الطبيعية -فهناك علاقة وثيقة بين مظاهر السطح والمناخ يبدو ممثلا في الارتفاع- حيث تقل درجة الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة كلما ارتفعنا 150 مترا وتظل تنخفض بالارتفاع حتى تصل إلى خط الثلج الدائم الذي يحدد بداية الثلج الدائم والذي يكون إيذانا باختفاء الحياة النباتية والحيوانية، كذلك تعتبر الجبال من عوامل سقوط المطر حيث تكثر الأمطار على الجوانب الجبلية المواجهة للرياح المحملة بالأبخرة وتقل على الجوانب المقابلة التي تقل بها الأمطار قلة مفاجئة إن لم تكن مناطق قارية جافة.
وتختلف المناطق المرتفعة في جذبها للسكان من حيث موقعها بالنسبة لخط العرض ومن حيث ظروف المناخ السائدة بها؛ ذلك لأن الحياة النباتية تختلف هي الأخرى حسب الارتفاع السائد الذي يؤثر في درجات الحرارة والرطوبة وتعتبر الجبال جزرا نباتية تختلف عن المناطق المحيطة بها اختلافا كبيرا كذلك فإن الحياة النباتية تتدرج على المرتفعات نتيجة لعامل الارتفاع
فقد توجد نباتات معتدلة بل ونباتات المناطق الباردة فوق الجبال المدارية وعلى كل هذه الظواهر الطبيعية تتوقف حياة الإنسان ففي الجهات الحارة تعتبر المناطق المرتفعة أكثر جذبا للتركز البشري من مناطق السهول التي تكون حرارتها ورطوبتها عاليتين وقد شهدت كثير من المناطق المرتفعة في الأقاليم المدارية تركزا سكانيا منذ وقت طويل تمثل في مرتفعات اليمن وهضبة الحبشة والمكسيك وبيرو كما أن مرتفعات كينيا وتنزانيا جذبت إليها بعض الأوروبيين فاستوطنوا أجزاء كبيرة منها.
وإذا كانت السهول الخصبة التربة والمعتدلة المناخ قد جذبت إليها السكان منذ القدم وتركزوا بها وكونوا في معظمها حضارات متعددة فإن الجبال قد جذبت إليها أعدادا من السكان ليقوموا بحرفة التعدين بها، ذلك لأن المناطق الجبلية هي أهم المناطق التضاريسية ثراء في معادنها والتي قد تبدو أحيانا ظاهرة على السطح وبخاصة على جوانب الأودية نتيجة لعوامل التعرية المختلفة وقد أسهم ذلك في خلق حرفة التعدين بهذه المناطق كما هو الحال في جبال الأبلاش شرق أمريكا الشمالية والروكي غربها وكذلك في جبال الإنديز في أمريكا حيث يعدن النحاس في شيلي وبيرو والقصدير في بوليفيا ومعظم المعادن في مصر توجد في المناطق الجبلية في الصحراء الشرقية أو شبه جزيرة سيناء.
وتعد التربة -ذلك الغلاف السطحي لقشرة الأرض الأصلية- العنصر الأساسي في تباين وتطور أنماط الحياة وإن كان الإنسان لم يدرك تركيبها وخصائصها إلا حديثا جدا والنوعان الرئيسيان من التربة تلك المكونة محليا نتيجة عوامل التفتت الصخري والتحلل العضوي وتلك المنقولة من أماكن أخرى بواسطة عوامل التعرية وتشتق التربات الأولى -أي المحلية التكوين- طبيعتها من الصخور الأصلية المكونة لها ومن التغيرات التي طرأت عليها إلا أنها غالبا ما تكون رملية أو فقيرة وتتعرض للانجراف بسرعة إذا ما كانت مشتقة من الجرانيت. أما إذا كانت من أصل بركاني أو جيري فإنها تميل إلى أن تكون صلصالية وثقيلة ولكنها غنية في عناصر خصوبتها وفي المناطق الحارة تسود تربة اللاتريت الحمراء المشتقة من الصخور المحلية وتتصف بفقرها في الخصوبة لنقص المواد العضوية بها.
أما التربة المنقولة عن طريق المياه الجارية أو الجليد أو الرياح فإنها غالبا
ما تتكون من خليط صخري وتكون أغنى وأحسن بصفة عامة من التربات المحلية وتتمثل التربات المنقولة في المراوح الفيضية Alluvial Fans والسهول الفيضية وقد لعبت دورا خطيرا في تاريخ العمران البشري في العالم حيث ساعدت على قيام الزراعة والاستقرار بها ونشأة الحضارات القديمة والحديثة على السواء ولعل في وادي النيل في مصر والجانج في الهند واليانجتسي والهوانجهو في الصين المثل الواضح على ذلك.
وعلى العموم فإنه يمكن القول بأن استغلال الإنسان للأرض يتباين بدرجة كبيرة بتباين طبيعة التربة بها، وقد بذلت محاولة تقدير تقريبي لنسبة التربة الصالحة للزراعة في العالم في الوقت الحاضر، فوجد أنها تصل في أوروبا إلى 50% من سطحها وفي أمريكا الجنوبية إلى 25% وفي أمريكا الشمالية وأفريقيا 20% لكل منهما وفي استراليا 10% ولكن هذا التقدير يعد أوليا ويمكن أن تزداد هذه النسب دون شك لأن هناك تربات جيدة في مناطق الإستبس والغابات في قارات العالم المختلفة لم تعرف بعد ويمكن استغلالها في الزراعة بطبيعة الحال كذلك فإن الوسائل العلمية الحديثة في الزراعة يمكن أن تحسن من خصائص التربات الفقيرة وبالتالي تزيد من رقعة الأراضي الصالحة للزراعة ولا ريب في أن هناك مناطق من التربات الجيدة في عالم اليوم تعرضت للتعرية وفقدت خصوبتها بسبب حماقة الإنسان وسوء استخدامه للأرض في بعض المناطق، ففي الولايات المتحدة فقدت مساحات واسعة من الأراضي خصوبتها بسبب الزراعة الكثيفة والاستغلال المدمر في البرازيل استنزفت خصوبة مناطق شاسعة بسبب زراعة البن وأصبحت أرضا عقيمة ومن الواضح اليوم لكل الجغرافيين وعلماء الزراعة أن تدمير التربة الخصبة في كثير من مناطق العالم يكون واحدا من أكثر الأخطار الجسيمة التي ليس من السهل علاجها في ضوء المعارف الحالية للبشر، ولقد كانت تعرية التربة من العوامل المسئولة عن تدهور واختفاء حضارات مزدهرة مثل حضارة قبائل المايا Maya في أمريكا الوسطى، وربما أيضا بعض الحضارات الهندية والملاوية في الشرق الأقصى، ومن هنا فإن المشكلات المتعلقة بالتربة تبدو ذات أهمية في الجغرافية البشرية.
وتمثل الجبال مناطق من نوع خاص ذات مناخ مميز يؤثر في الحياتين
النباتية والبشرية، وهناك أنماط من الحياة البشرية المتشابهة على الجبال وذلك بالرغم من تباعدها الجغرافي بعضها عن بعض من ناحية وعدم ارتباطها جنسيا من ناحية أخرى، وفي الواقع فإن الجبال تعد بيئات يبدو فيها بصرامة تأثير التضاريس والمناخ كقوى طبيعية غير عادية في مثل تلك المناطق الصغيرة نسبيا ومن ثم توجه باستمرار ردود الأفعال البشرية حيالها.
وقد وجد أن درجة الحرارة في غرب أوروبا تتناقص بمعدل درجة مئوية واحدة كلما ارتفعنا 150مترا، ومن هنا فإن النطاقات النباتية تتتابع الواحدة تلو الأخرى على منحدرات الجبال، وتنتهي المنطقة الدنيا "السفلى" التي تعد امتدادا للأراضي المنخفضة عند أقدام المنحدرات الجبلية عند ارتفاع يتراوح بين 2600 - 3000 قدم فوق سطح البحر وفي وسط سويسرا مثلا تتوقف زراعة الشعير بعد خط كنتور 2600 قدما وفوق هذه الارتفاعات تبدأ النطاقات الجبلية فيوجد غطاء غابي في بادئ الأمر حيث تكون الأمطار غزيرة، ويختلف منسوب الارتفاع الذي يختفي عنده هذا الغطاء تبعا لدرجة تعرض المنحدر لعناصر المناخ فيصل إلى 4000 قدم في مرتفعات الفوج في فرنسا، 7500 قدم في البرانس الشرقية ويلي النطاق الغابي هذا حشائش ألبية حيث تتميز الأحوال المناخية بالجفاف والبرودة ولكنها مشمسة وتتغطى الأرض بالحشائش التي تزينها الأزهار في الربيع وتسود في هذا النطاق حشائش المرتفعات الصيفية التي تقصدها القطعان من الأراضي المنخفضة تحتها وأخيرا تتوج الجبال غطاءات ثلجية دائمة، التي يتراوح ارتفاع خطها الدائم -وهو متوسط الارتفاع الذي لا يتعرض الثلج الواقع فوقه للذوبان- من جبل إلى آخر فيصل هذا الخط إلى ارتفاع 9000 قدم على المنحدرات الشمالية للبرانس، 9800 قدم في مون بلان Mont Blan وعلى ذلك فإن من يتسلق الجبال في أوروبا يستطيع أن يرى هذه النطاقات بوضوح على ارتفاعات مناسبة كما لو كان في رحلة إلى المناطق القطبية، وفي نطاق منها توجد أنماط بشرية ونباتية خاصة. وجدير بالذكر هنا أن النطاق الأدنى يتعرض لمشكلات من النطاقات التي تعلوه مثل انصراف المياه وجرف التربة واتجاهها نحوه وهبوط كتل صخرية إليه بفعل عوامل التعرية وغير ذلك. وعلى ذلك فإن البيئة الطبيعية على السلاسل الجبلية تتطلب أنماطا خاصة من الحياة.
أما الجزر فإن لها سماتها المميزة كبيئة جغرافية منعزلة وساعدت هذه العزلة على بناء أشكال قديمة ومستوطنة من الحياة بها سجلها كثير من الباحثين من أشهرهم دارون مثلا في جزر جالا باجوس Galapagos وكذلك الحال في أنماط الحياة البشرية المميزة لشعوب الجزر بخاصة المكتشفة حديثا مثل سكان جزر كارولين الذين ما زال معظمهم يعيش في العصر الحجري ومن ناحية أخرى فإن الجزر تعد معزلا وملجأ للكثير من الجماعات المستضعفة ومن ثم فإنها تتحول إلى بوتقات بشرية تجمع خليطا من الشعوب التي تتجمع لتكون مجتمعات صغيرة متحدة ومن أبرز الأمثلة على ذلك جزيرة تريستان دا كونها Tristan da Cunha الصغيرة في جنوب الأطلنطي التي استطاع 200 من سكانها أن ينجحوا في خلق مظهر من الأحوال المحلية التي سرعان ما استوعبت القادمين الجدد إليها، وكذلك كانت فورموزه ملجأ لأسرة المنج Maing الحاكمة أثناء الاضطرابات السياسية في القرن السابع عشر وقبل أن تصبح حصنا للقومية الصينية في مواجهة الشيوعية كذلك كانت سيلان ملجأ للبوذيين المطرودين من الهند.
وتساعد الجزر على تهيئة ظروف الاستقرار البشري الذي يحميه البحر آنذاك مما يساعد سكانها على استغلال مواردها الطبيعية سواء على أرضها أو في بحرها المجاور وهناك أمثلة كثيرة على ذلك.
أما البحر - الذي يحيط بكل قارات الأرض اليابسة ويخترقها بعمق في بعض أجزائها- فيكون بيئة طبيعية هو الآخر، وإن كانت بيئة قاسية من الصعب معايشتها. إلا أنه يسهم في خلق أشكال من الحياة به فهو يمثل مخزنا للغذاء -كما وصفه بعض الباحثين- استطاع الإنسان أن يستغله منذ أزمان سحيقة كما أنه كان طريقا ركبه الإنسان منذ مراحل حضارته المبكرة. فقد شهد بحر إيجة مثلا ملاحة ساحلية منذ فترة ترجع إلى الألف الثالثة قبل الميلاد كذلك فإن معرفة وانتشار الكثير من المخترعات خلال العصرين الحجري والبرونزي جاءت إلى سواحل البحر بادئة من سواحل إيجة واستمرت حتى وصلت إلى بريطانيا. وفي المحيط بحر الشمال وكذلك في المياه المحيطية باليابان وعلى شطوط نيوفولاند توجد مناطق غنية بثروتها السمكية، التي تغذت عليها الشعوب على امتداد قرون عديدة. ونتيجة لذلك فقد أدى استغلال البحر إلى خلق مهن تعكس في الواقع الظروف الطبيعية في الأقاليم الساحلية.