الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من بين سكانها نسبة ليست صغيرة من الزراع، ولكن الحرفة الرئيسية لمعظم سكانها كانت التجارة وقد شهدت هذه المدن تطور الفنون والمهارات البشرية التي انتقلت عبر المتوسط إلى الأقاليم المجاورة.
وإلى جانب هذه المدن الساحلية التي اشتغلت بالتجارة قامت مدن داخلية تعرف بمدن القوافل، وهذه كانت قليلة العدد تقع على أطراف الصحراء وتقوم كحلقة صلة بين مدن الساحل الفنيقي وبلدان الشرق الأوسط. ومن مدن القوافل هذه مدينة حلب Aleppo ودمشق Damascus وتدمر Palmyra واستمدت هذه المدن ثروتها من التجارة مثلها في ذلك مثل المدن الساحلية، ولكنها تختلف عنها في المواقع بطبيعة الحال، فكانت تقع وسط بقع زراعية غنية تمدها بحاجتها من الغذاء والمواد الأولية "دمشق في سهل الغوطة الخصب وتدمر في واحة غنية".
المدن اليونانية:
بدأت المدن في التزايد العددي منذ بداية الألف الأولى الميلادية، وفي خلال القرن الثامن والسابع قبل الميلاد كانت دولة المدينة اليونانية ظاهرة هامة في المظهر الحضري السياسي بها، وبدأت في التوسع العمراني بل وفي غزو أراضٍ أخرى، ونتج ذلك عن ظروف البيئة الجغرافية لتلك المدن والتي تميزت بقلة الأراضي الزراعية حولها مما دفعها إلى الخروج عن بيئاتها المحلية واستعمار مناطق أخرى.
وعلى سبيل المثال، فقد أنشئت سيراكيوزوكوما Cuma وغيرها من المستعمرات في إيطاليا وصقلية -في الفترة اليونانية المبكرة بين سنتي 750 - 700 قبل الميلاد، ومن ثم استطاعت دول المدينة اليونانية أن تمد نفوذها على امتداد البحر المتوسط، وفي سنة 500 قبل الميلاد كانت الحياة الحضرية La vie Urbane ظاهرة سائدة في ساحل المحيط الأطلسي من إسبانيا غربا حتى سهول الجانج في الهند شرقا.
وفي خلال مرحلة الانتشار الحضاري كانت هناك مظاهر حضارية هامة ممثلة في الأساليب والفنون الجديدة لسكان المدن مثل الأدوات والأسلحة
الحديدية، كذلك استخدام الكتابة بالحروف الأبجدية وتصميم السفن الشراعية بل وبدء استخدام العملات النقدية في التجارة، وكانت هذه الملامح الحضرية عناصر هامة في الانتشار الحضري. وبدا التخصص في الإنتاج سمة مميزة للمدن معتمدة على تبادل إنتاجها من الصناعات والأدوات مع المدن الأخرى بغية الحصول على الحبوب، وأبرز مثال على ذلك هو اعتماد المدن اليونانية على تجارة القمح الوارد إليها من سواحل مقدونيا والبحر الأسود.
وكان انعكاس ذلك على النمو الحضري ممثلا في تضخم المدن بالسكان، وأوضح الأمثلة أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد فبالرغم من أن تقدير السكان للمدن القديمة يعد أمرا محفوفا بالصعاب إلا أن سكان أثينا قدروا برقم يتراوح بين 100.000 إلى 150.000 نسمة، كانت بذلك من المدن الكبرى آنذاك تتضاءل إلى جانبها كثير من المدن الأخرى صغيرة الحجم.
وقد ساعد التقدم في المواصلات والأسلحة على قيام وتوسيع الإمبراطورية الهللينية "اليونانية" والتي ساعدت بدورها على الانتشار الحضري سواء بالتزايد في أحجام المدن القائمة أو بإنشاء مدن جديدة، فحوالي سنة 300 ق. م أنشأ الإسكندر المقدوني كثيرا من الطرق الجديدة في إمبراطوريته، ووحد العملة السائدة ونشطت التجارة نشاطا كبيرا انعكس بدوره على التطور الحضري وقد تطلبت مسئوليات الحكم والإدارة نمو مدن هامة قامت بهذا الدور مثل الإسكندرية في مصر التي تبوأت مركزا كبيرا في الفترة الإغريقية والرومانية من بعدها.
وبالرغم من تفكك الإمبراطورية الهللينية بعد وفاة الإسكندر الأكبر سنة 321 ق. م إلا أن الدفعة القوية للعمران الحضري أثناءها استمرت كذلك في عهد الإمبراطورية الرومانية حتى إن الإسكندرية بلغت مساحة رقعتها 200 فدانا "800 دونم" في سنة 100 ق. م. كذلك فقد استمر التخصص الإقليمي في الإنتاج الزراعي وأدى بدوره إلى نمو التجارة والمدن في تلك الأقاليم التي كان النقل المائي متوفرا بها، ولقد كانت كل المدن اليونانية في القرن الثالث ق. م. تستورد القمح وتصدر الزيت والنبيذ إلى أراضي ما بين النهرين وشمال سوريا وشمال البحر الأسود والدانوب الأدنى، كذلك وصل نفوذها غربا حتى قرطاجة وإيطاليا وصقلية.