الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل تقدم الدعوة على القتال
؟
الدعوة الإسلامية للعرض وليس للفرض فمطلوب عرضها على الناس ومن فرضها عليهم خاطئ .. فما كانت العقائد تفرض بالإكراه أبداً لا فى القديم ولا الحديث.
والله عز وجل يقول عن نوح عليه السلام: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} (1).
ويقول للنبى صلى الله عليه وسلم {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (2).
ويقول سبحانه وتعالى {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (3) وهى شعار كل داعى يدعو إلى الله سبحانه وتعالى.
(1) سورة هود - الآية 28.
(2)
سورة يونس - الآية 99.
(3)
سورة البقرة - الآية 256.
ويقول: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر} (1). وهذا هو طابع الدعوة فى الدور المكى مع قلة المسلمين وضعف شوكتهم.
وفى الدور المدنى: مع كثرة المسلمين وقوتهم قال الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم فى المدينة {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (2).
وكان فى كتب النبى صلى الله عليه وسلم إلى الملوك لدعوتهم للإسلام آية {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ
…
وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (3).
وعندما أرسل النبى صلى الله عليه وسلم سيدنا على إلى خيبر فقال أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال له: " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام
(1) سورة الكهف - الآية 29.
(2)
سورة آل عمران - الآية 20.
(3)
سورة آل عمران - الآية 64.
وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لئن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم " (1). (متفق عليه)(2).
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: بعث النبى صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتل ويأسر ودفع كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت والله لا أقتل أسيرى ولا يقتل رجل من أصحابى أسيره حتى قدمنا على النبى صلى الله عليه وسلم فذكرناه فرفع يديه فقال: " اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين "(رواه البخارى)(3).
وعن عبد الرحمن بن عائذ رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث بعثاً قال: " تألفوا الناس ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم فما على الأرض من أهل بيت مدر ولا وبر إلا تأتونى بهم مسلمين أحب إلىَّ من أن تأتونى بنسائهم وأولادهم وتقتلوا رجالهم ". أخرجه ابن منده وابن عساكر والترمذى (4).
وعن أبى وائل قال: كتب خالد بن الوليد إلى أهل فارس: بسم الله الرحمن الرحيم .. من خالد بن الوليد إلى رستم ومهران فى ملاء (بلاد) فارس سلام على من اتبع الهدى .. أما بعد .. فإنا ندعوكم إلى الإسلام فإن
(1) الإبل والحمر منها: أنفس أموال العرب.
(2)
رياض الصالحين – باب فى الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة.
(3)
مشكاة المصابيح – باب حكم الإسراء - 2/ 1163.
(4)
حياة الصحابة – باب الدعوة إلى الله تعالى فى القتال – 1/ 86.
أبيتم فاعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإن معى قوماً يحبون القتل فى سبيل الله كما تحب فارس الخمر. والسلام على من اتبع الهدى. رواه فى شرح السنة (1).
فكان القتال يسبقه الدعوة، فالدعوة مقدمة على القتال وقال ابن عباس رضي الله عنه " ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً حتى دعاهم (2) ". رواه الحاكم فى المستدرك والإمام أحمد فى مسنده والطبرانى فى معجمه (3).
وورد أن قتيبة بن مسلم الباهلى الذى فتح ما وراء النهر وانساب فى الأرض حتى قارب حدود الصين ودخل مدينة صفد من أعمال (سمرقند) دون أن يقدم لذلك بالدعوة فشكوا إلى عمر بن عبد العزيز فكتب إليه بنظر القاضى فى أمرهم فحكم بأن يخرج العرب إلى معسكرهم وينابذونهم على سواء ويكون صلحاً جديداً. فقال أهل صفد: بل نرضى بما كان ولا نحدث شيئاً وأسلموا (4).
(1) المرجع السابق – باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم - 2/ 1152.
(2)
أما غزوة بدر فكانت ضد قريش التى دعاها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثلاثة عشر عاماً.
(3)
حياة الصحابة - 1/ 86.
(4)
فتوح البلدان - البلاذرى.
وعندما بدأ الناس يدخلون فى الإسلام فى عهد عمر بن عبد العزيز بعث إليه قواد الجيوش أن أكتب شرائط الدخول فى الإسلام خوفاً من الجزية فقال: ويحك .. إن محمداً صلى الله عليه وسلم قد بعث هادياً ولم يبعث جابياً (1).
ولقد أثر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءته عجوز فى حاجة وكانت غير مسلمة فدعاها للإسلام فأبت وتركها عمر وخشى أن يكون فى قوله وهو أمير المؤمنين إكراه لها فاتجه إلى ربه ضارعاً معتذراً .. اللهم أرشدت ولم أكره .. وتلا الآية {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ} (2)(3).
* * * * *
(1) سيرة عمر بن عبد العزيز - ابن عبد الحكم.
(2)
سورة البقرة – الآية 256.
(3)
انظر كتاب بيان للناس من الأزهر الشريف – 1/ 256.