الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صيحة إلى كل داعى
ما من قائم يقوم فى مجتمع من هذه المجتمعات البشرية داعياً إلى ترك ضلالة من الضلالات أو بدعة من البدع إلا وقد آذن نفسه بحرب لا تخمد نارها ولا يخبوا أوارها حتى تهلك أو يهلك دونها.
فليس موقف الجندى فى معترك الحرب بأحرج من موقف المرشد فى معترك الدعوة وليس سلب الأجسام أرواحها بأقرب منالاً من سلب النفوس غرائزها وميولها .. ولا يضن الإنسان بشئ مما تملك يمينه ضنه بما تنطوى عليه جوانحه من المعتقدات وأنه ليبذل دمه صيانة لعقيدته، ولا يبذل عقيدته صيانة لدمه، وما سالت الدماء ولا تمزقت الأشلاء فى موقف الحروب البشرية من عهد آدم عليه السلام إلى اليوم إلا حماية للمذاهب وذوداً عن العقائد.
لذلك كان الدعاة فى كل أمة أعدائها وخصومها لأنهم يحاولون أن يرزؤها فى نضائر نفوسها ويفجعونها فى أعلاق قلوبها.
الدعاة أحوج الناس إلى عزائم ثابتة وقلوب صابرة على احتمال المصائب والمحن التى يلاقونها فى سبيل الدعوة حتى يبغوا الغاية التى يريدونها أو يموتوا فى طريقها.
فالدعاة الصادقون لا يبالون أن يسميهم الناس خونة .. أو جهلة ..
…
أو زنادقة .. أو ملحدين .. أو ضالين .. أو كافرين .. لأن ذلك ما لابد أن يكون ..
الدعاة الصادقون يعلمون أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عاش (1) بين أعدائه ساحراً وكاذباً ومات سيد المرسلين .. وكذلك كل من اتبع نهجه صلى الله عليه وسلم .. فالإمام الغزالى .. عاش بالكفر والإلحاد ومات حجة الإسلام .. فهم يحبون أن يكونوا أمثال هؤلاء العظماء أحياءاً وأمواتاً ..
سيقول كثير من الناس .. وما يعنى الداعى دعوته فى أمة لا تحسن به ظناً ولا تسمع له قولاً إن يضر نفسه من حيث لا ينفع أمته فيكون أجهل الناس وأحمق الناس
…
هذا ما يوسوس به الشيطان للعاجزين الجاهلين وهذا هو الداء الذى ألم بنفوس كثير من العلماء فأمسك ألسنتهم عن قول الحق وحبس نفوسهم عن الانطلاق فى سبيل الهداية والإرشاد فأصبحوا لا عمل لهم يكرروا للناس ما يعلمون ويعيدوا عليهم ما يحفظون فجمدت الأذهان وتبلدت المدارك وأصبحت العقول فى سجن مظلم لا تطلع عليه الشمس ولا ينفذ إليه هواء.
الجهل غشاء سميك يغشى العقل .. والعلم نار متأججة تلامس ذلك الغشاء فتحرقه رويداً .. رويداً فلا يزال العقل يتألم لحرارتها مادام الغشاء
(1) أى أُتهم بالسحر والكذب.
بينه وبينها حتى إذا أتت عليه انكشف له الغطاء فرأى النار نوراً والألم لذة وسرورا.
لا يستطيع الباطل أن يصرع الحق فى ميدان .. لأن الحق وجود والباطل عدم .. إنما يصرعه جهل العلماء بقوته وبأسهم فى غلبته وإغفالهم النداء به والدعاء إليه.
محال أن يهدم بناء الباطل فرد واحد فى عصر واحد وإنما يهدمه أفراد متعددون فى عصور متعددة فيهزه الأول هزاً تباعد ما بين أحجاره ثم ينقض الثانى منه حجراً والثالث آخر وهكذا حتى لا يبقى منه حجر على حجر.
الجهلاء مرضى والعلماء أطباء ولا يجمل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحى فراراً من إزعاج المريض أو خوفاً من صياحه وعويله أو اتقاءاً لسبه وشتمه فإنه سيكون غداً أصدق أصدقائه وأحب الناس إليه.
وبعد فقليل أن يكون الداعى فى الأمة الجاهلة حبيباً لها إلا إذا كان خائناً فى دعوته سالكاً سبيل الرياء والمداهنة فى دعوته وقليل أن ينال حظه من إكرامها وإجلالها إلا بعد أن تتجرع مرارة الدواء ثم تشعر بحلاوة الشفاء.
الدعاة فى هذه الأمة كثيرون ملء الفضاء وكظت بهم الأرض والسماء ولكن لا يكاد يوجد بينهم داع واحد لأنه لا يوجد بينهم شجاع واحد.
أصحاب الصحف وكتاب الرسائل والمؤلفون وخطباء المجامع وخطباء المنابر كلهم يدعون إلى الحق وكلهم يعظون وينصحون ويأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر ولكن لا يوجد بينهم من يستطيع أن يحمل فى سبيل الدعوة ضراً أو يلاقى فى طريقها شراً.
رأيت الدعاة فى هذه الأمة أربعة:
رجلاً يعرف الحق ويكتمه عجزاً وجبناً فهو ساكت طول حياته لا ينطق بخير ولا شر.
رجلاً يعرف الحق وينطق به ولكنه يجهل طريق الحكمة والسياسة فى دعوته فيهجم على النفوس بما يزعجها وينغصها وكان خيراً له لو صنع ما يصنعه الطبيب الماهر الذى يضع الدواء المر فى برشامه ليسهل تناوله وازدراده.
ورجلاً لا يعرف حقاً ولا باطلاً فهو يخبط فى دعوته خبط الناقة العشواء فى بيدائها فيدعو إلى الخير والشر والحق والباطل والضار والنافع فى موقف واحد .. فكأنه جواد امرئ القيس الذى يقول فيه .. مكرٍ .. مفرٍ .. مقبلٍ .. مدبرٍ معاً.
ورجلاً يعرف الحق ويدعو الأمة إلى الباطل دعوة المجد المجتهد وهو أخبث الأربعة وأكثرهم غائلة لأنه صاحب هوى يرى أنه لا يبلغ غايته منه إلا إذا أهلك الأمة فى سبيله فهو عدوها فى ثياب صديقها لأنه يوردها موارد التلف والهلاك بإسم الهداية والإرشاد فليت شعرى من أى واحد من هؤلاء الأربعة تستعيد الأمة رشدها وهداها.
ما أعظم شقاء هذه الأمة وأشد بلائها فقد أصبح دعاتها فى حاجة إلى دعاة ينيرون لهم طريق الدعوة ويعلمونهم كيف يكون الصبر والاحتمال فى سبيلها فليت شعرى متى يتعلمون ثم يرشدون (1)؟
*****
(1) انظر كتاب النظرات - الأديب مصطفى لطفى المنفلوطى - الجزء الثانى.