المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌إفتقار العباد إلى الهداية - كلمات مضيئة في الدعوة إلي الله

[محمد علي محمد إمام]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌مقدمة

- ‌البشارة بالرسول الخاتم صلى الله عليه وسلموأمته فى الكتب المتقدمة

- ‌الإعدادلبعثة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم

- ‌إمام الدعاة صلى الله عليه وسلميتحدث عن نفسه

- ‌الحبيب صلى الله عليه وسلميصفه أصحابه

- ‌الجاهلية الأولىوالحاجة إلى بعثة نبى

- ‌موازنةبين الجاهلية الأولى وجاهلية اليوم

- ‌إفتقار العباد إلى الهداية

- ‌ميادين الهداية

- ‌منعلامات الهداية

- ‌وجوب الدعوة إلى الله عز وجلعلى الأمة المحمدية فى ضوءالكتاب والسنة

- ‌عظم المسئولية

- ‌الإحساس بمسئولية الدعوة

- ‌بعثة المسلم

- ‌عالمية الرسالة والدعوة

- ‌شرفالأمة المسلمة وعزها

- ‌رحماء بينهم

- ‌الدين النصيحة

- ‌وتعاونوا

- ‌ أنصر أخاك

- ‌حقائق فى الدعوة إلى الله

- ‌منمرتبة الحسن إلي الأحسن

- ‌الموعظة فى آيات

- ‌أحوال الناس أمام الدعاة

- ‌من أنوار القرآن

- ‌القدوة

- ‌الحكمة والموعظة الحسنة

- ‌من الصفاتالتى يجب أن يتحلى بها الداعىإلى الله

- ‌بركات الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى

- ‌عاقبةترك الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى

- ‌الله جل جلالهيحذر هذه الأمة من ترك الدعوة إلى الله

- ‌لماذا يتكررقصص الأنبياء فى القرآن

- ‌هل تجب الدعوة إلى الله عز وجلعلى المقصر

- ‌مع آية الخيرية

- ‌شروط إنكار المنكر

- ‌الباعث علىالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر

- ‌نصاب جهد الدين

- ‌هل تقدم الدعوة على القتال

- ‌هل هناك فرقبين لفظ الجهاد ولفظ الدعوة

- ‌ما هى مراتب الجهاد

- ‌الرباط

- ‌أقوالالسلف فى آية المجاهدة

- ‌مزاجالنبوة فى الدعوة إلى الله

- ‌مقصد الأمة

- ‌النبوة والخلافة والنيابة

- ‌العقيدة أولاً أم الحاكمية

- ‌هل ننصر بدون الدعوة

- ‌الدعوة طريق العودة

- ‌الداعى إلى الله مؤيد من الله

- ‌إيمان الجند سبيل النصر

- ‌الأفراح

- ‌الابتلاءطريق الدعاة إلى الله

- ‌صيحة إلى كل داعى

- ‌ما هو الترقى

- ‌قطوفمن بستان الدعوة إلى الله

- ‌الدين

- ‌وصية الصديق رضي الله عنه

- ‌وصية جندب رضي الله عنه

- ‌أذهله أمر آخرته

- ‌عبرة

- ‌صلاح الأحوال

- ‌المنافع مع الدين الكامل

- ‌الحقائق الغيبية

- ‌التكاليف والأوامر

- ‌مصحة إيمانية

- ‌هل أنت مؤمن

- ‌من أجود جوداً

- ‌سنة الحركة والترك

- ‌من جميل ما يروى فى الحلم

- ‌حديث قدسى

- ‌رسالة عبد الله بن المباركإلى فضيل ابن عياض

- ‌جهد الأعلى وجهد الأدنى

- ‌الأسباب للاختبار والامتحان

- ‌هل نترك الأسباب

- ‌الجهد سبباً للورع والتقوى

- ‌عاطفة نشر الدين

- ‌الصفات

- ‌صفة الإتباعمحمدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌صفة الصلاةذات الخشوع والخضوع

- ‌العلم الحقيقي

- ‌الفقه

- ‌مقصود العلم إحياء الإسلام

- ‌الدعاة هم أولياء الله عز وجل

- ‌الذكر

- ‌الإيثار والإكرام

- ‌تصحيح النيةوإخلاصها لله عز وجل

- ‌الدعوة إلى الله عز وجلوالتضحية لدين الله عز وجل

- ‌ملخص الصفات الطيبة

- ‌المحبة

- ‌أيها الدعاة إلى اللهأخلصوا

- ‌من أفواه الدعاة

- ‌الدعوة مصنع الرجال

- ‌رجال أدهشوا التاريخ

- ‌الدعوة إلى اللهمن البداية إلى النهاية

- ‌حال العالم قبل ظهور الأمة المحمدية:

- ‌ظهور الأمة المحمدية:

- ‌وهل بعثت الأمة للتجارة

- ‌وهل بعثت الأمة للصناعة

- ‌وهل بعثت الأمة لتنضم إلى الحكومات

- ‌وهل بعثت الأمة للتوسع في الشهوات والملذات

- ‌ وهل تريد ملكا

- ‌لقد بعثت الأمة لغرض سام جداً

- ‌في أي مكان ظهرت هذه الأمة

- ‌مجابهه قريش لها:

- ‌ غزوة بدر وبيان مهمة الأمة:

- ‌شرط بقاء الأمة:

- ‌ربعي بن عامر رضي الله عنه يبين لرستم قائد الفرس مقصد بعثة الأمة:

- ‌عتاب الله لمن تلكأ عن المهمة:

- ‌حال الأمة اليوم:

- ‌حجة ظاهرة علي المسلمين:

- ‌لماذا كتب الله لنا الخلود والظهور

- ‌ تخلف الأمة عن الأمم المعاصرة:

- ‌ما الذي يقهر المادة

- ‌العالم بأسرة ينتظر رسل المسلمين:

- ‌انحراف المسلمين عن المثل الكامل:

- ‌ماذا كان يفعل الصحابة إذا أسفر النهار

- ‌ماذا إذا أذن المؤذن

- ‌مجالس الذكر والعلم:

- ‌حال القراء

- ‌المعرفة بالحلال والحرام:

- ‌التبليغ:

- ‌الحب .. التضحية .. الإيثار:

- ‌وضع كل شيء في محله:

- ‌ماذا لو نادي منادي الجهاد:

- ‌يسيحون في الأرض:

- ‌كيف السبيل إلى عودة هذه الحياة:

- ‌الكلمة وتغيير منهاج الحياة:

- ‌وما الذي يساعد علي التغيير

- ‌الصلاة:

- ‌العلم:

- ‌الذكر:

- ‌الدعوة والتبليغ:

- ‌الخروج في سبيل الله:

- ‌الشيخ إلياس وفكرة في الإصلاح:

- ‌تأسيس المدارس والكتاتيب:

- ‌الفرق بين المعلمين والمرسلين:

- ‌فراسة إيمانية:

- ‌النتيجة والثمرة:

- ‌وقبل الختام

- ‌الختام

- ‌المراجع

الفصل: ‌إفتقار العباد إلى الهداية

‌إفتقار العباد إلى الهداية

قال الله سبحانه وتعالى {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاح} (1).

قال أُبى بن كعب: مثل نوره فى قلب المؤمن.

ويقال: هو نور الرب .. والمراد نور الإيمان الذى جعله الله فى قلبه.

كما قال تعالى {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} (2) فهذا النور إذا تمكن من القلب أشرق فيه .. وفاض على الجوارح .. فيرى أثره فى الوجه والعين ويظهر فى القول والعمل.

فالهداية: هى نور يقذفه الله فى قلب العبد على قدر تضحيته للدين، وبهذا النور يميز العبد بين .. الخير والشر .. النافع والضار .. الحق والباطل .. المعروف والمنكر .. الباقى والفانى .. العاجل والآجل .. وبهذا النور يسهل على الإنسان امتثال أوامر الله عز وجل على طريق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم

وبهذا النور يأتى فى قلب الإنسان اليقين على ذات الله عز وجل وصفاته.

(1) سورة النور - الآية 35.

(2)

سورة النور - الآية 40.

ص: 48

ولذلك فالهداية هى أغلى شئ فى خزائن الله عز وجل ولكن إذا فقدَ هذا النور وجاءت الظلمة فى القلب فيصير هذا القلب أعمى فيرى .. المعروف منكراً .. والمنكر معروفاً .. والحق باطلاً .. والباطل حقاً ..

فانتكاس القلب بسبب ضعف نور الإيمان والهداية فى القلب فلما تعرض عليه الفتن فيقبلها لأن المعاصى حجبت عنه النور.

قال تعالى: {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (1).

وعن حذيفة رضي الله عنه قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأى قلب أُشرِبها نَكت فيه نُكتة سوداء وأى قلب أنكرها نُكتت فيه نُكتة بيضاء حتى يصير على قلبين: أبيض بمثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مرباداً (2) كالكوز مُجخيَّاً (3) لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه " رواه مسلم (4).

(1) سورة المطففين - الآية 14.

(2)

مرباداًً: أى صار كلون الرماد من الربده

(3)

مجخياًً: أى مائلاًً منكوساًً

(4)

مشكاة المصابيح - باب الفتن - 3/ 1480.

ص: 49

ولهذا كان مقصد بعثة الأنبياء أن يهتدى الناس، والهداية درجات ليس لها منتهى.

فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام فى ترقى كل يوم تزداد هدايتهم يوماً بعد يوم ولم يصل لهدايتهم أحد. . وكذلك الأتباع بقدر متابعتهم لأنبيائهم عليهم الصلاة والسلام.

دعونا نتساءل .. كم تحصل أبوبكر الصديق رضي الله عنه من الهداية .. ؟

لو وضع إيمان أبى بكر رضي الله عنه فى كفه وإيمان الأمة فى كفه لرجح إيمان أبى بكر رضي الله عنه، ففى الحديث الذى رواه أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مرضه الذى مات فيه ونحن فى المسجد عاصباً رأسه بخرقة حتى أهوى نحو المنبر فاستوى عليه واتبعناه قال: والذى نفسى بيده إنى لأنظر إلى الحوض من مقامى هذا ثم قال: إن عبداً عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة قال: فلم يفطن لها أحد غير أبى بكر فذرفت عيناه فبكى ثم قال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم هبط فما قام عليه حتى الساعة. " رواه الدارمى (1).

وفى الصحيحين .. عن أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: " إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند

(1) المرجع السابق - باب الهجرة - 3/ 1684.

ص: 50

الله فبكى أبو بكر رضي الله عنه فعجبنا لبكائه فكان المخير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر أعلمنا به فقال: لا تبك يا أبا بكر إن أمنَّ الناس علىَّ فى صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلاً لإتخذته خليلا ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقى فى المسجد باب إلا سُد إلا باب أبى بكر " (1).

ففهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. لماذا؟!

لأن قلبه ممتلئ بنور الإيمان وكذلك فى حرب المرتدين لما عارضه بعض الصحابة رضي الله عنهم عند الشورى وقال يعنى نتألف الناس وفى ذلك يقول عمر رضي الله عنه فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب وقالوا لا نؤدى الزكاة، فقال: لو منعونى عقالاً لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم تألف الناس وارفق بهم، فقال لى: أجبار فى الجاهلية وخوار فى الإسلام، إنه قد انقطع الوحى وتم الدين، أينقص الدين وأنا حى. رواه رزين (2).

وفى رواية عندما قال أبو بكر الصديق لأسامة بن زيد رضي الله عنه انفذ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: كيف ترسل هذا الجيش والعرب قد اضطربت عليك فقال أبو بكر رضي الله عنه: لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة ما رددت جيشاً أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عمر وغيره إذا منعوك الزكاة فاصبر عليهم فقال والله لو منعونى عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه، والله

(1) تاريخ الإسلام للذهبى - 1/ 228.

(2)

مشكاة المصابيح - 3/ 1701.

ص: 51

لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة قيل ومع من تقاتل .. ؟ قال: وحدى .. حتى تنفرد سالفتى (1)(2).

ويقول عمر فى هذا الموقف: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه الحق (3).

وفى رواية أخرى عن عمر رضي الله عنه قال: لما اجتمع رأى المهاجرين وأنا فيهم حين ارتدت العرب فقلنا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم اترك الناس يصلون ولا يؤدون الزكاة فإنهم لو قد دخل الإيمان فى قلوبهم لأقروا بها. فقال أبو بكر رضي الله عنه والذى نفسى بيده لأن أقع من السماء أحب إلىَّ من أن أترك شيئاً قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أقاتل عليه فقاتل العرب حتى رجعوا إلى الإسلام (4).

ولذلك يقول أحد العلماء: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد قام فى مقام الردة مقام نبى .. وقال أبو هريرة: لولا موقف أبى بكر لانهدم الدين.

فهذا الفهم لأن نور الهداية يشرق فى قلبه وكان أكثر الصحابة رضي الله عنهم تضحية لهذا الدين وأكثر الصحابة رضي الله عنهم جهداً لهذا الدين، ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلم.

(1) سالفتى: صفحة العنق.

(2)

العواصم من القواصم - لابن العربى.

(3)

عمدة القارئ - شرح صحيح البخارى.

(4)

حياة الصحابة - 1/ 418.

ص: 52

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنى لواقف فى قوم فدعوا الله لعمر وقد وضع على سريره إذا رجل من خلفى قد وضع مرفقه على منكبى يقول يرحمك الله إنى لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأنى كثيراً ما كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، ودخلت وأبو بكر وعمر، وخرجت وأبو بكر وعمر، فالتفت فإذا على ابن أبى طالب رضي الله عنه. " متفق عليه "(1).

وصدق الله عز وجل حيث يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (2). وهذا حارثه بن مالك رضي الله عنه عندما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمناً بالله حقاً يا رسول الله قال: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة قولك؟ قال: عزفت نفسى عن الدنيا فاستوى عندى ذهبها بترابها فأظمأت نهارى وأسهرت ليلى وكأنى أرى عرش ربى بارزاً وكأنى أرى أهل الجنة فى الجنة يتزاورون، وكأنى أرى أهل النار فى النار يتعاوون، قال: إنك إمرؤ نوَّر الله قلبك بالإيمان، عرفت فالزم. أخرجه ابن عساكر عن أنس والعسكرى فى الأمثال وأخرجه النجار وابن المبارك فى الزهد (3).

(1) مشكاة المصابيح - باب فضائل أبى بكر وعمر - 3/ 1708.

(2)

سورة العنكبوت - الآية 69.

(3)

حياة الصحابة - باب حقيقة الإيمان وكماله - 3/ 20.

ص: 53

فبنور الإيمان رأى الحقائق الغيبية، ورأى أن الدنيا حقيرة، فاستوى عنده ذهبها بترابها.

ولذلك طلب الهداية ضرورى فكما أن الصلاة فرض إلى الموت، فكذلك طلب الهداية فرض إلى الموت، ففى الصلاة نقرأ الفاتحة سبعة عشر مرة يومياً غير النوافل .. ونقرأ فيها {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (1).

فما هو الصراط المستقيم المقصود فى الآية الكريمة .. ؟

هو الطريق الذى يوصل إلى الجنة وهو طريق واحد يقول الله عز وجل: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (2).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعن جنبتى الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعند رأس الصراط داعٍ يقول استقيموا على الصراط ولا تعوجوا وفوق ذلك داعٍ يدعو كلما همَّ عبد أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه ثم فسره فأخبره أن الصراط هو الإسلام وأن الأبواب المفتحة محارم الله وأن الداعى على رأس الصراط هو

(1) سورة الفاتحة - الآية 6.

(2)

سورة الأنعام - الآية 153.

ص: 54

القرآن الكريم وأن الداعى من فوقه واعظ الله فى قلب كل مؤمن ". (رواه رزين والإمام أحمد والآجرى والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبى)(1).

فانظر يا أخى الحبيب بعين البصيرة إلى خطر هذا الصراط .. إنه صراط واحد ومستقيم ليس فيه اعوجاج، وإذا أردت أن تسير على هذا الصراط فلا بد لك من: النظر فى سيرة الذين نهجوه قبلك وكيف مشوا عليه .. ؟

فإنهم هم السبب فى هدايتك فعندما يدخل أهل الجنة كل فوج يدخل الجنة يسلم على الذين سبقوه لأنهم كانوا سبباً لهدايته كما أن أهل الضلال كلما دخلت أمة النار لعنت أختها (اللاحقة تلعن السابقة).

فلننظر فى حياة الذين سبقونا بالجهد .. فكل فعل فعلوه، وكل أذى تحملوه، وكل نهج نهجوه، لنا فيه أسوة (الأنبياء عليهم السلام والصحابة رضى الله عنهم).

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} (2).

(1) مشكاة المصابيح - باب الاعتصام بالسنة - 1/ 67.

(2)

سورة الفاتحة - الآيتان 6، 7.

ص: 55

ومن هم الذين أنعم الله عليهم .. ؟!

هم الأنبياء والرسل والصديقين والشهداء والصالحين، قال تعالى:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} (1).

فأول سبب فى هدايتنا من البشر هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجمعين، فيجب النظر فى حياتهم والإقتداء بهم وعلى رأسهم أولى العزم من الرسل (نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).

فانظر فى حياة نوح عليه السلام (ألف سنة إلا خمسين عاماً) مجاهدة وتعب ومشقة. {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} (2) وكم لاقى من الإيذاء والاستهزاء والسخرية.

(1) سورة النساء - الآية 69.

(2)

سورة نوح - الآيات 5:9.

ص: 56

وانظر فى حياة إبراهيم عليه السلام كم لاقى من النمرود ومن قومه ألقوه فى النار وابتلاه الله بترك وطنه وأمره بذبح ولده إسماعيل – عليه السلام وأمره بتركه هو وأمه بوادٍ غير ذى زرعٍ حتى اتخذه الله عز وجل خليلاً وأمر سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم باتباع ملته، قال تعالى {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين} (1). وأمر أمته باتباعه قال تعالى {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيم} (2)، وقال تعالى {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (3) وقال عنه ربه:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} (4) بذل نفسه للنيران، وماله للضيفان، وولده للقربان .. لذلك سمى خليل الرحمن.

(1) سورة النحل - الآيات 120: 123.

(2)

سورة الممتحنة - الآية 4.

(3)

سورة البقرة - الآية 130.

(4)

سورة النجم - الآية 37.

ص: 57

وانظر إلى حياة النبى موسى عليه السلام كم لاقى من فرعون ومن قارون عليهما اللعنة ومن بنى إسرائيل وما آذوه به وجاهد فى الله شديد المجاهدة ..

وانظر إلى حياة سيدنا عيسى عليه السلام وصبره على قومه واحتماله الأذى منهم حتى رفعه الله عز وجل إليه وطهره من الذين كفروا وانتقم من أعدائه.

وإذا نظرت إلى حياة النبى محمد صلى الله عليه وسلم وتأملت سيرته مع قومه وصبره فى الله واحتماله من الأذى ما لم يحتمله نبى قبله وتلون الأحوال عليه صلى الله عليه وسلم من سلم وحرب، وأمن وخوف، وغنى وفقر، وإقامته فى وطنه وظعنه عنه وتركه لله، وقتل أحبابه وأوليائه بين يديه، وأذى الكفار له، وطرده من بلده مكة وهى أحب البلاد إليه، وألقى فرث الجذور على رأسه وهو ساجد يصلى، ودميت قدماه يوم الطائف وخرج من عندهم هائماً على وجهه ولم يستفق إلا بقرن الثعالب (1)، وما استطاع أن يدخل مكة إلا فى جوار كافر (المطعم بن عدى)، وفى غزوة أحد شج رأسه وكسرت رباعيته ودخلت حلقة المغفر فى وجنته، وقتل عمه الحمزة رضي الله عنه (أسد الله) .. وأوذى بسائر أنواع الأذى من القول والفعل .. ولُقِّب بأحقر الألقاب كالسحر والكذب والافتراء والبهتان تنابذاً .. وهو صابر على أمر الله يدعو إلى الله عز وجل فلم يؤذ نبى مثلما أوذى وفى ذلك روى عن أنس رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد أخفت فى الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت فى الله لم

(1) هو الموضع الذى يحرم منه الحجاج والمعتمرون القادمون من ناحية الطائف.

ص: 58

يؤذى أحد " (أخرجه أحمد والترمذى وابن حبان وقال الترمذى هذا حديث حسن صحيح)(1) ولم يحتمل أحد فى الله ما احتمله صلى الله عليه وسلم ولذلك لم يعط نبى ما أعطيه فرفع له ذكره وقرن اسمه باسمه، كما قال حسان بن ثابت:

وضم الإله اسم النبى إلى اسمه

إذ قال المؤذن فى الخمس أشهدُ

وشق له من اسمه ليجله

فذو العرش محمودٌ وهذا محمدٌ (2)

وجعله سيد المرسلين كلهم، وجعله أقرب الخلق إليه وأعظمهم عنده جاهاً وأسمعهم عنده شفاعة كانت تلك المحن والابتلاء عين كرامته وزاده بها شرفاً وفضلاً ورفعه بها إلى أعلى المقامات (مقام الإسراء – مقام الشفاعة – مقام الدعوة – مقام التحدى)(3) وهذا حال ورثته من بعده فإذا أردت الهداية فاجعل حياتك شبيهة بحياة الأنبياء والمرسلين عليهم جميعاً

(1) مشكاة المصابيح – كتاب الرقاق – باب فضل الفقراء – 3/ 1464.

(2)

سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد - 1/ 501.

(3)

مقام الإسراء: قال تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} (سورة الاسراء - الآية1).

مقام الشفاعة: فى حديث الشفاعة الطويل الذى رواه الإمام مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم .. فيأتون عيسى روح الله وكلمته فيقول لست هناكم ولكن أئتوا محمداً صلى الله عليه وسلم عبداً قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .. (صحيح مسلم بشرح النووى – 3/ 57).

مقام الدعوة: قال تعالى {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} (سورة الجن – من الآية19).

مقام التحدى: قال تعالى {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (سورة البقرة – الآية 23).

ص: 59

الصلاة والسلام .. قال تعالى {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (1).

وعليك بحياة الأتباع رضي الله عنهم جميعاً من بعده، انظر فى حياة الصديق أبو بكر وعمر الفاروق، عثمان ذو النورين، على كرم الله وجهه، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، سعد بن أبى وقاص، سعيد بن زيد، عبد الرحمن بن عوف، أبى عبيدة بن الجراح .. (2) وباقى الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين ..

قال تعالى {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم} (3)

فمنهم من قطعت يداه مثل جعفر الطيار، ومنهم من بقر بطنه وقطعت أذناه ومثل به مثل حمزة أسد الله، ومنهم من جدع أنفه وأذنه مثل عبد الله بن جحش، ومنهم من طعن أكثر من سبعين طعنه مثل أنس بن النضر .. وإذا أردت الاستزادة فارجع إلى التاريخ الإسلامى فستجد الكثير والكثير ..

فكلهم أوذوا وتحملوا وابتلوا وصبروا من أجل الدين وتركوا الأوطان وترملت نسائهم ويُتمت أولادهم وهم فى طريقهم لنشر دين الله عز وجل.

(1) سورة الأنعام - الآية 90.

(2)

العشرة المبشرون بالجنة.

(3)

سورة التوبة - الآية 100.

ص: 60

فإذا أردت الهداية فعليك بطريقهم لا بطريق غيرهم {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} (1). لا بطريق المغضوب عليهم .. وهم اليهود، ولا بطريق الضالين .. وهم النصارى.

فإذا رأيت مالك ينقص، ومالهم يزيد .. فلا تحزن .. وإذا رأيت تجارتك تنقص، وتجارتهم تزداد .. فلا تحزن .. مثلهم مثل قارون وفرعون وأبى بن خلف وأبى جهل .. وغيرهم من اليهود والنصارى فى كل زمان ومكان .. فلا تحزن ومعك فاتحة الكتاب.

قال تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} (2).

ولقد سميت بالسبع المثانى لأنها تُثنى فى الصلاة كل يوم سبعة عشرة مرة فى الفرائض وكذلك فى النوافل فى كل ركعة لأن أمر الهداية أمر عظيم.

، .. اللهم اهدنا الصراط المستقيم .. ،

(1) سورة الفاتحة – الآيه 7.

(2)

سورة الحجر - الآيتان 87، 88.

ص: 61