المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المحاضرة الثانية: الأوائليةوما لخص منها فى هذا التأريخ - كنز الدرر وجامع الغرر - جـ ١

[ابن الدواداري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المصنف

- ‌نستفتح الكلام بحديث ورد عن خير الأنام

- ‌فصل فى حدث العالم وإثبات الصانع جلّ ذكره

- ‌فصل [ولا يجوز أن يكون له ولد لوجوه

- ‌فصل [ولا يجوز عليه النوم لوجوه

- ‌فصل [فإن قيل فالملائكة لا تنام فقد شاركت البارئ فى هذه الحالة؛ فالجواب

- ‌فصل [والبارئ سبحانه ليس بجسم، وقالت الكرّاميّة

- ‌ذكر أوّل مقامة من مقامات ابن الجوزى يليق ذكرها هاهنا

- ‌فصلفى بداية المخلوقات

- ‌فصلفى حدّ الزمان والأيّام

- ‌فصلفى ذكر خلق السموات والآثار العلويّات

- ‌فصلالقول فى البروج

- ‌فصلفى قسمة الزمان الأربعة فصول وذكر الرياح الأربع

- ‌فصلفى ذكر الشمس والقمر والنجوم الثابتة والسيّارة وغيرها

- ‌رجع ما انقطع:

- ‌وأمّا القمر:

- ‌ذكر منازل القمر

- ‌ذكر النجوم والكواكب الثابتة وغيرها

- ‌فصلفى ذكر البيت المعمور

- ‌فصلفى ذكر سدرة المنتهى وشجرة طوبا

- ‌فصلفى ذكر العرش العظيم والكرسى الكريم

- ‌فصلفى ذكر الملائكة المقرّبين والروحانيّين والكروبيّين

- ‌فصلفى ذكر الجنّة وما لله على عباده فى خلقها من المنّة

- ‌ذكر خلق الأرضين وما فيها من المخلوقينومدّة التصوير والتكوين

- ‌فصلفى ذكر أشهر الأمم

- ‌فصلفى معرفة التأريخ وما قيل فيه

- ‌فصلفى ذكر أوّل المخلوقات

- ‌(83) ذكر البيت الحرام

- ‌ذكر مساحة الأرض ومقدار طولها والعرض

- ‌ذكر الأقاليم السبع وهى المعمور من الأرض

- ‌ذكر إقليم الهند: الأول

- ‌ذكر إقليم الحجاز: الثانى

- ‌ذكر إقليم الشام: الثالث

- ‌ذكر إقليم العراق: الرابع

- ‌ذكر إقليم الروم: الخامس

- ‌ذكر إقليم الترك: السادس

- ‌ذكر إقليم الصين: السابع

- ‌ذكر البلدان وما فيها من السكّان

- ‌فصلفى فضل دمشق وما جاء من الأخبار وتبعها من الآثار

- ‌(113) فصلفى ذكر الجبال والهضبات والرمال

- ‌رجع ما انقطعذكر تتمّة الجبال

- ‌ذكر الهضاب والتلال والتلاع والرمال

- ‌ذكر القلاع المشهورة

- ‌فصل فى ذكر البحار والجداول والأنهار

- ‌ذكر البحر الشرقى وعجائبه

- ‌ذكر لمعا من المعادن التى كالخزائن

- ‌ذكر البحر الرومى وعجائبه

- ‌ذكر مبادئ البحار

- ‌ذكر الجزائر وما فيها من العجائب والجواهر

- ‌ذكر الجزر والمدّ وما قيل فى ذلك

- ‌ذكر العيون والأنهار وما ورد فيها من الأخبار

- ‌ذكر ما ورد من الأثر من كلام علىّ عليه السلام

- ‌ذكر النيل وما ورد فيه من الأقوال

- ‌ذكر الفرات ومبدأها ومنتهاها

- ‌ذكر دجلة ومبتدأها ومنتهاها

- ‌ذكر سيحون وهو نهر الهند

- ‌ذكر جيحون وهو نهر بلخ

- ‌ذكر سيحان وجيحان وهما نهران أيضا

- ‌ذكر أنهار الشام

- ‌ذكر أنهار العراق

- ‌ذكر ما فى الدنيا من العجائب وفنون الغرائبذكر عجائب المشرق

- ‌ذكر عجائب العراق

- ‌وأمّا عجائب بلاد الموصل

- ‌وأمّا عجائب بلاد اليمن

- ‌وأمّا عجائب الشآم ومصر والمغرب

- ‌رجع ما انقطع

- ‌ذكر عجائب المغرب

- ‌ذكر الطبائع

- ‌ذكر سكّان الأرض من أوّل زمان

- ‌ذكر من ملكها وقطع سبلها وسلكها

- ‌ذكر الحنّ والبنّ والطمّ والرمّ

- ‌ذكر إبليس والزهرة وهاروت وماروتمن تأريخ جدع بن سنان

- ‌(216) رجع ما انقطع

- ‌ذكر إبليس وأولاد وجنوده وحشوده

- ‌(221) ذكر أولاده الخمسة

- ‌ذكر الجن رواية ابن الجوزى

- ‌ذكر الجنّ وعدّة قبائلهم وأصنافهم

- ‌ذكر الأمم المخلوقة من رواية المسعودى

- ‌ذكر الأمم المخلوقة بإزاء منازل القمر

- ‌ومن عجائب الدنيا

- ‌(238) ذكر النار أجارنا الله من عذابها

- ‌ذكر من تحت الأرض من السكانوهل ذلك خلا أم ملا حسب الإمكان

- ‌المقامة الرابعة والأربعون لابن الجوزى رحمه الله

- ‌تفسير الغريب من هذه المقامة

- ‌ذكر المنظوم والمنثور فى الأثمار والزهور

- ‌المحاضرة الأولة: وهى الربيعية

- ‌رجع الكلام إلى التّنين المسمّى بظنين

- ‌(257) النرجس

- ‌البنفسج

- ‌الآس

- ‌الريحان

- ‌البان

- ‌الأقحوان

- ‌السوسن

- ‌الياسمين

- ‌(264) الشقيق

- ‌النيلوفر

- ‌النسرين

- ‌الثامر

- ‌الجلّنار

- ‌(268) المنثور

- ‌(269) رجع الكلام إلى التنين المسمى ظنين

- ‌التفاح

- ‌السفرجل

- ‌الكمثرى

- ‌(273) المشمش

- ‌الخوخ الزهرى

- ‌الرمان

- ‌الكروم والأعناب

- ‌(276) العنب الأبيض

- ‌العنب الأسود

- ‌(277) التين

- ‌النخيل وأثمارها

- ‌ولنعود لذكر النخيل

- ‌البسر الأحمر

- ‌اللوز الأخضر

- ‌الجوز الأخضر

- ‌النبق

- ‌الفستق

- ‌الموز

- ‌العنّاب

- ‌القسطل

- ‌الأترجّ

- ‌النارنج

- ‌الباذنجان

- ‌القثّاء

- ‌الخيار

- ‌البطيخ الأصفر

- ‌البطيخ الأخضر

- ‌الفول الأخضر

- ‌الكتّان

- ‌فصل الربيع

- ‌فصل الصيف

- ‌فصل الخريف

- ‌فصل الشتاء

- ‌رجع الكلام إلى التنّين المسمّى ظنين

- ‌المحاضرة الثانية: الأوائليةوما لخص منها فى هذا التأريخ

- ‌(333) ذكر أشراف الكتّاب من أوّل زمان

- ‌ذكر كتّاب الإسلام

- ‌ذكر من كتب بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر الكتّاب الذين صاروا خلفاء

- ‌ذكر سائر أشراف الكتّابمن الصدر الأوّل فى الإسلام

- ‌ذكر الأعرقين من كل طبقةوالمتنافسين فى أحوال مختلفة

- ‌مصادر التحقيق

- ‌تصويبات ومستدركات

الفصل: ‌المحاضرة الثانية: الأوائليةوما لخص منها فى هذا التأريخ

‌المحاضرة الثانية: الأوائلية

وما لخص منها فى هذا التأريخ

وكان ظنين، فى تلك السنين، لمّا تحاذره الآدميّين، قد جعله صيده وغداءه وحوش الفلاة، لا يخشى كبيرها، ولا يرثى لصغيرها، حتى صار كلّ وحش شارد، عن المراعى والموارد، فلمّا زاد بهم البلاء، وتحاذروا الكلاء، وعطشوا من الماء، وهلكوا من الظماء، اجتمعوا بباب الملك الهمام، الأسد الضرغام، ملك الوحوش وقائد الجيوش، ورفعوا إليه حالهم، وما من ذلك التنّين قد نالهم، فلمّا علم شكواهم، وفهم نجواهم، زمجر بصولته، وجمع كبار دولته، وقال:

اعلموا أنّ الملك أحقّ باصطفاء رجاله، منه باصطفاء ماله، لأنّه مع اتّساع الأمر وجلالة القدرة، لا يكتفى بالوحدة ولا يستغنى على الكثرة، ومثله فى ذلك مثل المسافر فى الطريق البعيدة الذى يجب عليه أن تكون عنايته بفرسه المجنوب، مثل عنايته بفرسه المركوب، ومشورة ذى التجارب، من بلغ المآرب.

واعلم <أنّ> الملوك تحتاج إلى وزير، وأشجع الناس يحتاج إلى سلاح، وأجود الخيل يحتاج إلى سوط، وأجود الشفار يحتاج إلى مسنّ، ومثل الملك الصالح مع الوزير الفاسد مثل الماء الصافى العذب النمير الذى فيه التماسيح فلا يستطيع الناس وروده (315) وإن كان سائحا، ومن كلام فيثاغورس: معاشر الناس لا تضمروا غش الأئمّة! فإنّه من أضمر ذلك أظهره الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه وشجيّة أحواله، والإشفاق على حاشية الملك وخدمه، كالشفقة على ديناره ودرهمه، وإذا نصر الهوى بطل الرأى، وو الله ما عزّ ذو باطل ولو طلع من جبينه القمر، ولا ذلّ ذو حقّ ولو أصفق العالم عليه، وقد قال لقمان فى وصيّته:

ص: 371

يا بنىّ شاور من جرّب الأمور فإنّه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء وأنت تأخذه بالمجون.

واعلموا أنّ لا صلاح للخاصّة مع فساد العامّة، وأنّ لا سلطان إلاّ برجال ولا رجال إلاّ بمال ولا مال إلاّ بعمارة ولا عمارة إلاّ بعدل وحسن سياسة، وقد قيل: كن ليّنا من غير ضعف وشديدا من غير عنف.

واعلموا أنّ الإرجاف مقدّمة الكون وبريد الفتنة، والعجم تقول: ينبغى أن يجتمع فى قائد الجيش وثبة الأسد، واستلاب الحدأة، وختل الذئب، وروغان الثعلب، وصبر الحمار، وحملة الخنزير، وحراسة الكركى، وبكور الغراب، ومع ذلك يحتاج إلى الوزراء ذو والرأى السديد فى الأمر الشديد

والآن فقد اتّصل بنا ما الرعايا فيه من البلاء، ونزوحهم عن الماء والكلأ لتعرّض هذا التنّين المسمّى ظنين، وإنّه قد أفنى الجيوش، ولمّا يأس من الآدميين سطا بشرّه على الوحوش، وهو كما علمتم أنّه مرّ المذاق، وعدوّ لا يطاق، فما عندكم من الرأى فى أمره، فى حيلة نصل بها إلى إنفاد عمرء، من غير عناء ولا تعب ولا همّ ولا نصب؟

(316)

فنهظ (1) أكبر وزراء الحضرة، النمر ذو الرأى ولخبرة، وقال:

أيّها الملك العادل، والسلطان الفاضل، قد قيل لوزراء العجم: ينبغى للملك أن يبنى أمره مع عدوّه على أربعة أوجه: على البذل واللين، والكيد والمكاشفة، وذلك مثل الخراج فأولى علاجه التسكين، فإن لم ينفع فالإنضاح والتحليل فإن لم ينجع فالبط، فإن لم ينفع فالكىّ وهو آخر العلاج، وهذا العدوّ فليس ينفع فيه البذل ولا اللين، إذ البدل بالمال لا يرضيه، واللين له ممّا يزيده ويطغيه،

(1) فنهظ: فنهض

ص: 372

ولا بقى غير الكيد والمكاشفة، وتقديم الكيد أولى فإن نجح فأراح، وإلاّ فالمكاشفة والكفاح، وليس لهذا الأمر كالقاضى العدل، ذو العلم والفضل، الذى فاق بفضله المتقدّمين، أبو الحصين حاذق الأمين، فإنّه إن شاء الله تعالى يقوم بهذا الأمر، ويكون سببا لإخماد هذا الجمر.

وكان بصحراء السند وجبال الهند ثعلب يسمّى حاذق يلقّب بالأمين، قد أتت عليه عدّة من السنين، نشأ ببلاد الحجاز، وقطن مدّة بالعراقين والأهواز، واطّلع على أخبار المتقدّمين، وصحب جماعة من العلماء الإسلاميّين، وأدرك شعراء الجاهليّة والمخضرمين، ومن تلاهم من المولّدين، وبعدهم من المحدثين، وقرأ كتب الحكماء والفلاسفة والمتكلّمين، وكان مع ذلك حسن الاعتقاد، خالى من الانتقاد، جيّد اليقين، من خيار عباد الله المتّقين.

فلمّا سمع الملك قول الوزير ذو الرأى والتدبير، علم أنّه قد أصاب، ممّا أشار، فما خاب، من استشار، فقال: لقد نصحت أيّها الوزير الصالح، والصديق الناصح، ولقد دللت على الرأى الكبير ولا ينبئك (317) مثل خبير، وأمر فى وقته بإشخاص حاذق على البريد، ليكون أسرع لما يريد، وكان حاذق قد فوّض إليه تدبير الجيوش وقضاء والحكم بين الوحوش، ترجع إلى إشارته جميع الحكّام من أقصى الصين إلى خوارزم مع جبل القبخ وجبل اللكام، وقد استبارك بحسن سياسته الجماع، وصار عليه الورود وعنه الصدور والرجوع، حتى طارت بعلوّ طبقة بلاغته جنحة العقبان، وسارت بعذوبة منطقه وفصاحته عيس الركبان، ولم تكن إلاّ أيّام، وقدم حاذق فى غاية الإكرام، فسرّ الملك بقدومه ومأتاه، وأكرم نزله ومثواه، إلى أن زال عنه وعثاء السفر، وعناء السهر، ثم أحضره وبجّل مقامه، وزاد فى برّه وإكرامه، وسأله كيف كان طريقه، ولا طفه

ص: 373

حتى عاد كأخيه شقيقه، هذا وحاذق يقوم بأداء الفرض، من دعاية وتقبيل الأرض.

ثم إنّ الملك قال: أيّها القاضى الفاضل، والبارع الكامل، إنّ أنفسنا كانت إلى لقائك تتوق، وأنا إلى مشاهدتك مشوق! فقال حاذق: هذه عوائد أنفس الملوك الحكماء الكرماء، أن يتوق إلى مشاهدة العلماء الحكماء، فقال الملك: محلّك عندنا محلّ الولد الشفوق، والأخ الصدوق، فنهظ (1) حاذق وقبّل الأرض بين يديه، وأثنى بما يليق به عليه، فقال الملك: خفّف عليك أيّها القاضى الفاضل، والرئيس الكامل، والعالم العامل، فإنّ كلّ الناس أحقّاء بالسجود لله عز وجل وأحقّهم بذلك من رفعه الله عن السجود لأحد من خلقه، وقد فهمت أنّ سجودك هذا إنّما هو لله شكرا لما أولاك من فضله، ومن عليك من طوله، فإنّنى جعلت مجلسى هذا للقبلة، ليكون السجود كلّه لله!

(318)

فقال حاذق: لست ممن أشكّ فى فضل الملك ودينه، وحسن اعتقاده ويقينه، وأنت السلطان، العظيم الشان، الكثير العدل والإحسان، المتواضع عن رفعه، والعفو عن قدره، المستحقّ فى هذا الزمان قول معاوية بن أبى سفيان:

إنّى لآنف أن يكون فى الأرض جهل لم يسعه حلمى، وذنب لم يسعه عفوى، وحاجة لم يسعها جودى، ونحن الزمان من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتّضع.

وكان يقال: أخلق بدم المستخفّ بالملوك أن يكون جبّارا، فإنّ الملك خليفة الله فى بلاده وفى عباده، ولن يستقيم أمر خلافته مع مخالفته، والسلطان ظلّ الله فى الأرض، يأوى إليه كلّ مظلوم، ويأمن به كلّ خائف، ومن عصى السلطان.

فقد أطاع الشيطان، وفساد الرعيّة بلا ملك كفساد الجسم بلا روح، وقد قيل:

إذا زادك السلطان تأنيسا فزده إجلالا وتعظيما.

(1) فنهظ: فنهض

ص: 374

فقال الملك: لست ممّن يشكّ فى عقلك وفضلك، وعلمك وحلمك، لكن ما السبب فى انقصاعك عن مقامنا، وأنت من أجلّ حكّامنا، ومنزلتك عندنا عليّة، ومحبّتنا فيك أزليّة، فلو كنت بأبوابنا لم يكن أحد أقرب منك إلينا، وكنت آخر خارج من عندنا، وأوّل داخل علينا!

فقال حاذق أيّها الملك الفاضل، والسلطان العادل، إنّ مثل أصحاب السلطان كقوم رقوا جبلا ثم سقطوا منه فكان أبعدهم فى المرقى أقربهم من التلف، ومثل السلطان كالجبل لصعب الذى فيه كلّ ثمرة طيّبة وكلّ أفعاء (1) قاتلة، فالارتقاء إليه شديد والمقام فيه شدّ، ومن تحسّى مرقة السلطان احترقت شفتاه ولو بعد حين، (319) وأشقى الناس بالسلطان صاحبه كما أنّ أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا، ولا يدك الغنى بالسلطان إلاّ نفس حافية وجسم تعب ودين مثلم، وقد قيل: لا يلتبس بالسلطان فى وقت اضطراب الأمور عليه فإنّ البحر لا يكاد يسلم راكبه فى حال سكونه فكيف فى حال اضطراب أمواجه، وقد قيل: ليكن السلطان عندك لنار لا تدنو منها إلاّ عند الحاجة إليها، فإن اقتبست منها فعلى حذر، ولولا وثاقى بفضل الملك وعلمه، وجودة عفوه، وسعة حلمه، لما تجاسرت بموعظة، ولا تفوهت بكلمة مومضه.

فقال الملك ليس عليك أيّها القاضى الفاضل من بأس، وكلامك محمولا على الرأس، لتحقّقى مقلك ورشدك، ودينك وزهدك، وإنّى الآن مسائلك عن ما كان يختلج بباطنى ولم أجد له شارح، ولم أكن لأحد غيرك به بائح إذ أنت ربّ كلّ مسألة وكاشف كلّ معظلة. (2)

فقال حاذق سل أيّها الملك تجاب، بمعونة من إذا دعى أجاب!

(1) أقعاء: أى

(2)

معظلة: معصلة

ص: 375

فقال الملك: ما السبب فى امتناع إبليس عن السجود لآدم دون سائر الملائكة؟

فقال: فى ذلك عدّة وجوه وأقربها الحسد الذى داخله منه، فإنّ الحسد أوّل ذنب عصى الله به فى السماء والأرض، أمّا فى السماء فما كان من حسد إبليس لآدم صلوات الله عليه حين ترفّع عن السجود له كما أخبر الله عز وجل فى كتابه العزيز، وأمّا فى الأرض فما كان من حسد قابيل لأخيه هابيل على تقبّل القربان منه دونه حتى قتله فأصبح من النادمين.

فقال الملك: فأخبرنى أيّها القاضى العالم العامل (320) الفاضل الكامل، عن أوّل كلّ شئ ومن استسنّه، حتّى عاد فى بنى آدم سنة بأوجز لفظ، ليكون أقرب للحفظ، فقال حاذق: حبّا وكرامة، ونسأل الله تعالى المعونة والسلامة، وأن يخصّنا فى دار الزلفى بالكرامة.

(1)

أوّل من غرس النخلة واستخرج القطنة أنوش بن شيث بن آدم، ويروى أنّه أوّل من بوّب الكعبة ونطق بالحكمة.

أوّل من أظهر علم النجوم ودلّ على تركيب الأفلاك وقدّر مسير الكواكب وكشف عن وجوه تأثيرها ونبّه على عجائب الصنع فيها إدريس عليه السلام، وهو أوّل من خطّ الكتاب وخاط الثياب، وإنّما كان من قبله يلبسون الجلود، وهو أوّل من اتّخذ السلاح وجاهد بنى قابيل واسترقّ الرقيق.

أوّل من قصّ شاربه وفرق شعره وتمضمض واستاك وقلّم الأظفار واستنجى فصارت سنّة فى الإسلام إبراهيم الخليل-صلوات الله عليه، وهو أوّل من أختن (2) لما نذكر من ذلك فى قصّته، وهو أوّل من أضاف الضيف لما نذكره، وهو أوّل من شاب لما نذكره أيضا

(1) مأخوذ من لطائف المعارف 6،3 - 7،6

(2)

أختن: اختتن لطائف المعارف

ص: 376

فقال الملك: أيّها القاضى الفاضل فهل تعلم أنّ أحدا امتدح الشيب؟ فقال:

نعم أيّها الملك الجليل، والسيد النبيل: منثورا ومنظوما، (2) فأمّا المنثور الذى كالدرّ المنثور، فقد قيل:

الشيب حلّة (7) العقل، وشيمة الوقار، الشيب زبدة مخضتها الأيّام، وفضّة (1) سبكتها التجارب، الشيب رداء العلم والأدب، يا عائب الشيب لا بلغته، سرى فى طريق الرشد بمصباح الشيب (321) عصى شياطين الشباب، وأطاع ملائكة الشيب، ما خير ليل ليس فيه نجوم، للشيخ الرأى وللشباب الكيس، الشيخ يقول عن عيان، والشباب يقول عن سماع، ومن كلام عبد الله بن المعتزّ فى ذلك، عظّم الكبير فإنّه عرف الله تعالى قبلك، وارحم الصغير فإنّه أغرّ بالدنيا منك، ومن شعره فيه (من الخفيف):(3)

قد يشيب الفتى وليس عجيبا

أن يرى النور فى القضيب الرطيب

ولدعبل الخزاعى فيه (من البسيط): (4)

إنى أنا السيف لا ترضيك جدّته

وليس يرضيك إلاّ بعد إخلاق

ولأبى تمّام فى المعنى (من البسيط): (5)

ولا يروعك (8)

إيماض القمير به

فإنّ ذاك ابتسام الرّأى والأدب

وله (من الكامل): (6)

يا شيبتى دومى ولا تترحّلى

وتيقّنى أنّى بوصلك مولع

(1) -378

(2)

مأخوذ من التمثيل والمحاضرة 383، -1 - 385،3

(3)

ديوان ابن المعتز 3/ 242، -2، رقم 48؛ ديوان ابن الرومى 1/ 138، رقم 3؛ ديوان دعبل 342

(4)

ديوان دعبل 158،1

(5)

ديوان أبى تمام 1/ 110، -5، رقم 7،5

(6)

ديوان أبى الفتح البستى 272، -1

(7)

حلة: حلية التمثيل

(8)

لا يروعك: لا يؤرقك الديوان

ص: 377

وللبستى فى المعنى (من الكامل): (1)

قد كنت أجزع من طلوعك (5)

مرة

فالآن من خوف ارتحالك أجزع

فقال الملك: إنّما هذا تعلّل بالمحال، وخوف من الارتحال، فما قيل فى ذمّه، لمن تجرّع سمّه؟ فقال حاذق: أمّا من ذمّه وهجاه ويحبّه مغرم ما قلاه، فكثير لا يحصى، وإنّما نذكر ما حضر لأنّ أمرك لا يعصى كما قال سلمة (6) بن الوليد (من البسيط):(2)

الشيب كره وكره أن يفارقنى

فأعجب بشئ على البغضاء مودود

(من الطويل):

خليلىّ ما فى الشيب عار على الفتى

لو انّ لأيّام الصبا من يعيدها (3)

ونحن الموالى فى القبائل كلّها

وفى حى ليلى نحن بعض. . .

قيس بن عاصم يقول: الشيب خطام المنيّة.

أكثم بن صيفىّ يقول: الشيب عنوان الموت.

الحجّاج بن يوسف يقول: الشيب بريد الآخرة.

مالك بن أنس يقول: الشيب تؤم (7) الموت. (4)

عبد الله بن المعتزّ يقول: الشيب أوّل مواعيد الفناء وناعى الشباب ورسول البلاء وعنوان الفساد، وقناع المقت، وسفينة تقرب من ساحل المنية.

(322)

العتبى: الشيب مجمع الأمراض.

(1) ديوان أبى الفتح البسنى 273،1

(2)

ديوان مسلم بن الوليد 311،1، رقم 97،2

(3)

-379

(4)

مأخوذ من التمثيل والمحاضرة 385،8 - 388،5

(5)

طلوعك: حلولك الديوان

(6)

سلمة: مسلم، غلط ابن الدوادارى

(7)

تؤم: توأم

ص: 378

محمود الورّاق يقول: الشيب إحدى المنيتين.

قلت: وهذا كلّه يجمعه كلمتين: الشيب وكلّ عيب، ونظر سليمان بن عبد الملك (4) فرأى فى المرآة شيبا قد لاح فى لحيته ولمّته فقال: عيب لا عدمناه، ويمثّل بقول أبى تمام (من الطويل):(1)

هو الزّور يجفا والمعاشر يحتوى

وذو الإلف يقلى والجديد مرقّع (5)

له منظر فى العين أبيض ناصع

ولكنّه فى القلب أسود أسفع

ولأبى تمّام فيه أيضا (من الرجز):

تضاحكت لما رأت

شيبا تلالا غرره

قلت لها لا تعجبى

انبيك عندى حبره

هذا غمام الردى

ودمع عينى مطره

وقوله: (من البسيط):

لو كان عمر الفتى حسابا

لكان فى شيبه فذلك

(2)

وللصابى (من الكامل):

والعمر مثل الكأس ير

سب فى أواخره القذى

مسلمة (6) بن الوليد (من البسيط):

والشيب أعظم جرما عند غانية

من ابن ملجم عند الفاطميّين

(3)

(1) ديوان أبى تمام 2/ 324،3، رقم 90،13 - 14

(2)

التمثيل: منسوب إلى منصور الفقيه

(3)

التمثيل: دون نسبة

(4)

بن عبد الملك: بن وهب التمثيل

(5)

مرقع: يرقع الديوان

(6)

مسلمة: مسلم، غلط ابن الدوادارى

ص: 379

فقال الملك: (1) فما تقول فى الخضاب، الذى جعلوه حيلة لردّ الشباب؟ فقال حاذق: الخضاب أحد الشبابين، وهو تذكرة الشباب، والتسلّى عن وقوع الموت، والتعلّق بحبال الفتيان، ومن قول المتنبىّ فيه:(من الطويل):

وما خضب الناس البياض لأنّه

قبيح ولكن أحسن الشّعر فاحمه

(2)

ولابن المعتزّ (من الكامل):

للضيف أن يقرى ويقضى حقه

والشيب ضيفك فاقره بخضاب

(3)

وله (من المتقارب): (4)

وقالوا للنصول شيب جديد

فقلت الخضاب شباب جديد

إساءة هذا بإحسان ذا

فإن عاد هذا فهذا يعود

(323)

ولعبدان الإصفهانى وهو من أحسن ما قيل فيه (من الخفيف):

فى مشيبى شماتة لعداتى

وهو فاع مبغض لحياتى

ويعيب الخضاب قوم وفيه

لى أنس إلى حضور وفاتى

لا ومن يعلم السرائر (5)

ما به رمت خلّة الغانيات

إنّما رمت أن يغيّب عنّى

ما تزينه (6) كلّ يوم مرآتى

وهو ناع إلىّ نفس ومن ذا

سرّه أن يرى وجوه النعات

(7)

(1) مأخوذ من التمثيل والمحاضرة 388،7 - 389،9

(2)

ديوان المتنبى 379،3، رقم 160،17

(3)

التمثيل: دون نسبة

(4)

ديوان ابن المعتز 3/ 157،2، رقم 1266

(5)

السرائر: السرور منى التمثيل

(6)

تزينه: ترينيه التمثيل

(7)

النعات: النعاة

ص: 380

ومن أحسن ما سمعت فى كره الشيب لبعضهم (من الكامل):

وسألتها ملء المحاجر نظرة

منّى عساها أن ترقّ وترحما

قالت لو انّ الشيب من نور الهدى

ما كنت أكحل منه عينى من عما

أنا ما رضيتك بالمشيب ملثّما

أرضاك منه ملثّما ومعمما

فرجعت مكاوم الحشى لكلامها

وجوانحى تبكى الدماء على الدما

وروى أيّها الملك أن لمت نفر من المسلمين وفدوا على ملك الروم أحدهم قد خضّب بالوشمة والآخر بالحناء، والآخر تركها بياضا، فأعطى الذى خضّب بالوشمة عشرة آلاف درهم ولأبيض اللحية خمسة آلاف درهم ولم يعط الخاضب بالحناء شيئا، فسأله فى ذلك فقال: أمّا صاحب الوشمة فإنّه لما بلى تحيّل وأحسن الحيلة فى ردّ لون شبابه، وأمّا الأبيض اللحية فإنّه لمّا بلى صبر ولم يغير وأمّا أنت فلا صبرت ولا أحسنت.

وروى أنّ الأوزاعى وهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمّد الأوزاعى رحمه الله كان يخضّب بالحناء، ولمّا دخل على ملك كابل قال للترجمان: قل له:

ما هذا الذى أراه؟ فقال: هذه سنّة نحن (324) نستسنّها عن آبائنا وجدودنا، فقال: قل له: ما أعرف ما السنّة إلاّ كان ينبغى لو خلقتم على هذه الصورة لغيّرتموها!

ومن أحسن ما سمعت فى الخضاب: لابن الحسين الحزارمورا (من الوافر):

وقالوا فى الخضاب عليك عار

فقلت دخلتم بينى وبينى

أدبّر لحيتى مادمت حيّا

وأعتقها ولكن بعد عينى

فقال الملك: فما قيل فى ذمّ الخضاب ليكون آخر هذا الباب؟

ص: 381

فقال: يقال: (1) الخضاب من شهود الزور وهو حدّاد الشباب إن خضّبت الشيب كيف تخضب الكبر، الخضاب كفن الشيب.

ولبعضهم فى ذلك (من الوافر):

تستّر بالخضاب وأى شئ

أدلّ على المشيب من الخضاب

ولمحمود الورّاق (من الكامل):

يا خاضب الشيب الذى

فى كلّ ثالثة يعود

إن النصول إذا بدا

فكأنّه شيب جديد

وله بديهة روعة

مكروهها أبدا عتيد

فدع المشيب كما أرا

د فلن يعود كما تريد

ويروى (2) أيّها الملك أنّ إبراهيم صلوات الله عليه أوّل من رمى الجمّار، وأنّه أوّل من جبا الخراج ويقال بل موسى عليه السلام.

أوّل من نطق بالعربيّة إسماعيل عليه السلام وما على ظهرها عربىّ إلاّ من ولده اللهمّ إلاّ ثلاث قبائل وهم الأوزاع، وحضر موت، وثقيف، وهو أوّل من ركب الخيل وكانت وحوشا لا تركب.

أوّل من أبيع (4) من الأحرار واسترقّ واستعبد يوسف بن يعقوب عليهما السلام لما نذكر من قصّته إن شاء الله تعالى.

(325)

أوّل من عمل الدرع ولبسها داود عليه السلام وكانوا يلبسون يوم حربهم تنانير من حديد، وهو أوّل من قال فى خطبته: أمّا بعد، ويقال إنّه فصل الخطاب الذى ذكره الله عز وجل فى كتابه العزيز. (3)

(1) مأخوذ من التمثيل والمحاضرة 389،7 - 390،3

(2)

-فصل ذكر أشراف الكتاب من أول الزمان: مأخوذ من لطائف المعارف 7، -5 - 23،4

(3)

القرآن الكريم 37/ 20

(4)

أبيع: بيع لطائف المعارف

ص: 382

أوّل من اتّخذ الرحا والحمّام سليمان بن داود عليه السلام وهو أوّل من اتّخذ النّورة لما نذكر من سببها، وهو أوّل من اتّخذ الصابون.

أوّل من خطب بعد داود ووعظ فأفصح وأوجز لقمان الحكيم وبه يضرب المثل فى الحكمة والموعظة الحسنة، ويقال إنّه ليس له ولا لغيره أبلغ وأوجز من قوله: يا ابن آدم: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.

أوّل من تكلّم فى القدر عزير النبىّ عليه السلام ولمّا كثر (3) المناجاة فى ذلك ولجّ واحتجّ محى اسمه من صحيفة الأنبياء فليس يذكر فيهم وهو منهم وقد هجا ابن الرومى رجلا تشبّه به فقال (من السريع): (1)

وفى ابن عمّار عزيريّة

ينازع (4) الله بها فى القدر

أوّل من أطال ثيابه وسحبها قارون، وهو أوّل من اتّخذ الكيمياء وإيّاه عنى بقوله تعالى:{إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي»} (2)، لما نذكر من بقيّة خبره.

أوّل من سنّ للضيف صدر المجلس وسمّاه مهمان بالفارسىّ بهرام جور، تفسيره بالعربىّ سيّد المنزل لما نذكر من ذلك.

أوّل من اتّخذ السوبق الإسكندر المقدونى الآنى خبره فى موضعه، وهو أوّل من اتّخذ خصيان الخيل للكمين، وهو أوّل من بثّ الجواسيس فى عساكر الأعداء وأمر قوّاده بترك اتباع المنهزم.

أوّل من جلس على السرير من ملوك العرب جذيمة الأبرش، وسيأتى ذكره فى موضعه وتأريخه، وهو أوّل من نصب المنجنيق (326) واستصبح بالشموع، وترفّع عن منادمة البشر فنادم الفرقدين وكان يشرب كأسا ويصبّ لهما كأسين

(1) ديوان ابن الرومى 3/ 913، رقم 686،1

(2)

القرآن الكريم 28/ 78

(3)

كثر: أكثر لطائف المعارف

(4)

ينازع: يخاصم الديوان

ص: 383

إلى أن وجد مالكا وعقيلا فاتّخذهما نديمين لما نذكر من خبرهما وسببه فى تأريخه إن شاء الله تعالى.

أوّل من عمل له سنان من حديد ذو يزن الحميرى وإليه تنسب الرماح اليزنيّة، وإنّما كانت أسنّة رماح العرب صياصى البقر.

أوّل من هشم الثريد عمرو بن عبد مناف فسمّى بذلك هاشما لما نذكر من خبره، وهو أوّل من سنّ الرحلتين فى التجار:(1) رحلة الشتاء والصيف الذى ذكرهما الله تعالى فى كتابه العزيز، وهو أوّل من خرج إلى الشأم من قريش، ووفد على الملوك وأبعد فى سفره ومرّ بالأعداء وأخذ منهم الإيلاف المذكور فى القرآن. (2)

أوّل من كسى الكعبة الأنطاع والبرود أبو كرب أسعد الحميرى، وكان قد آمن بسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بزمان طويل، يقال إنّه عاش أكثر من ثلاثمائة سنة وهو القائل (من المتقارب):

شهدت على أحمد أنّه

رسول من الله بارى النسيم (3)

فلو مدّ عمرى إلى عمره

لكنت وزيرا له وابن عمّ

أوّل من كسى الكعبة الحرير والديباج نفيلة (4) بنت حباب بن كليب أمّ العبّاس بن عبد المطّلب، وقد كان ضلّ عنها العبّاس فى صغره فنذرت إن وجدته لتكسو البيت الحرير والديباج فوجدته، فوفت (5) بنذرها.

أوّل من خلع نعليه لدخول الكعبة فى الجاهليّة الوليد بن المغيرة، فاقتدى به الناس فخلعوا نعالهم فى الإسلام لا سيما أبو مسلم <الخراسانى> صاحب الدعوة

(1) التجار: التجارة لطائف المعارف

(2)

القرآن الكريم 106/ 1 - 2

(3)

النسيم: النسم لطائف المعارف

(4)

نفيلة-حباب: نتيلة بنت جناب لطائف المعارف

(5)

فوفت: فأوفت لطائف المعارف

ص: 384

العبّاسيّة الآنى خبره فى تأريخه (327) فإنّه خلعها وقال: إنّ هذا المكان أكرم من طوى الذى أمر الله تعالى موسى بخلع فعليه به، والوليد أوّل من حرّم الخمر على نفسه فى الجاهليّة وأوّل من قطع فى السرقة التى (1) نزلت الآية فى الإسلام.

أوّل من خضب بالسواد من أهل مكّة عبد المطّلب بن هاشم، وكان رجل من حمير خضّبه بذلك فى اليمن فلمّا استعمله بمكّة اقتدى به الناس وكانوا يخضّبون بالحناء من قبل.

أوّل من آمن بسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم-وصحّ ذلك من الكهول- أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه، ومن الشبّان زيد بن حارثة رضى الله عنه، ومن الفتيان علىّ بن أبى طالب كرّم الله وجهه، ومن النساء خديجة بنت خويلد رضى الله عنها، لا خلاف فى هؤلاء الأربعة بوجه من الوجوه.

أوّل مولود ولد فى الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة عبد الله بن الزبير الآتى خبره فى تأريخه إن شاء الله تعالى.

أوّل من أراق دما فى سبيل الله سعد بن أبى وقّاص رضى الله عنه، وهو الذى جمع له سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التفدية بين أمّه وأبيه، فكان يقول: ارم ارم فداك أبى وأمّى.

أوّل من سمّى باسم سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب، ولد له مولود بأرض الحبشة فسمّاه محمّد، فأنكر عليه تسميته (2) بذلك، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمّوا باسمى وكنّوا بكنيتى ولا تجمعوا بينهما.

(1) التى نزلت فنزلت لطائف المعارف؛ قارن القرآن الكريم 5/ 38

(2)

عليه تسميته: على مسميه لطائف المعارف

ص: 385

أوّل لواء عقده (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عبد المطلّب رضى الله عنه، وقال خذه يا أسد الله.

أوّل شهيد فى الإسلام (328) عمير بن الحباب الأنصارى، قتل يوم بدر، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذلك اليوم ثم قال: إنّ الله تعالى أوجب الجنّة لمن قتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، فقام عمير وفى يده ثميرات فقال: بخ بخ ما بينى وبين دخول الجنّة إلاّ ريثما أمضغ هذه التّميرات، ثم جعل يطرحها فى فيه زوجا ويرمى بنواها وتناول سيفه فلم يزل يقاتل حتى قتل رحمة الله عليه.

وأمّا أوّل (2) شهيدة من النساء فسميّة أمّ عمّار بن ياسر، وذلك أنّها أظهرت الإسلام بمكّة فعذّبتها قريش فلم ترجع فطعنها أبو جهل فى ثغرة لبّتها بحربة فماتت رحمها الله تعالى.

أوّل من تسمّى (3) أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضى الله عنه وذلك أنّ أبا بكر رضى الله عنه كان يدعى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفّى وقد استخلف عمر على الأمّة قال عمر: كيف يقال: (4) يا خليفة خليفة رسول الله، وهذا يطول! فقال له المغيرة بن شعبة: أنت أميرنا ونحن المؤمنون فأنت أمير المؤمنين، قال:

فذاك إذا. وهو أوّل من أرّخ بالهجرة لما نذكر من ذلك فى موضعه إن شاء الله تعالى، وأوّل من ختم على الطين، وفرض الخراج، وجعل أهل الجزية طبقات لم يدخل فيها النسوان (5) والهرمى والفقراء.

أوّل من سلّم عليه بالإمرة المغيرة بن شعبة، وكانوا من قبل يكنّون أمراءهم، فقال ينبغى أن يكون بين الأمير والرعيّة فرق، وألزم أهل عمله أن

(1) عقده: اعتقده لطائف المعارف

(2)

أول: أولى لطائف المعارف

(3)

تسمى: سمى لطائف المعارف

(4)

يقال: يقال لى لطائف المعارف

(5)

فيها النسوان: فيها الصبيان والنسوان لطائف المعارف

ص: 386

يؤمّروه، ففعلوا واقتدى بهم سائر المسلمين فى أمرائهم. قال الثعالبى: وهو أوّل من رشا فى الإسلام.

أوّل ما ظهر من الظلم فى أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم قولهم: نيح (1) عن الطريق، قال الثعالبى: ويقال إنّ ذلك حدث فى أيّام عثمان بن عفّان (329) رضى الله عنه.

أوّل من اختزل من بيت مال المسلمين على ما ذكره الثعالبى رحمه الله أبو هريرة عبد الله بن عمرو السدوسى (2) وكان عمر رضى الله عنه استعمله على البحرين فاختزل من مال المسلمين بها فعزله وحاسبه وغرّمه ما حصل عليه وضربه بالدرّة عدّة خفقات حتى استخرج منه ألف دينار وخمس مائة دينار، فقال أبو هريرة:

لا وليت لك والله عملا! فقال عمر رضى الله عنه: لقد وليه من هو خير منك- يعنى يوسف الصدّيق عليه السلام-لمن هو شرّ منّى، يعنى عزيز مصر.

قلت: قد ذكر الطبرى والحافظ ابن عساكر والمسعودى رحمهم الله وأجمعوا أنّ الإمام عمر بن الخطّاب رضى الله عنه مرّ بالمدينة على دار قد أحدث بناؤها بالجصّ والآجرّ ولم يكن قبل ذلك بالمدينة دار بهذا البناء، فسأل عنها، فقيل:

هى لبعض عمّال أمير المؤمنين فقال: أبت الدراهم إلا أن تمدّ أعناقهائم أشخص سائر عمّاله وشاطرهم أموالهم ومنهم أبى هريرة واستخرج منه ألف وستّمائة دينار وخفقه بالدرّة خفقات فقال: لو علمت لما ولّيت لك عملا، قال: قد ولى من هو خير منك لشرّ منى يعنى يوسف عليه السلام وعزيز مصر.

أول من لبس الخزّ الأدكن من العرب فى الإسلام عبد الله بن عامر بن كريز، ولمّا لبس جبّة منه وخطب الناس على منبره بالبصرة وكان واليها لعثمان رضى الله قال الناس: قد لبس الأمير جلد دبّ.

(1) نيح: تنح لطائف المعارف

(2)

السدوسى: الدوسى لطائف المعارف

ص: 387

أوّل من غيّر قضيّة من قضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم معاوية بن أبى سفيان فإنّه ألحق زياد بأبى سفيان وغيّر قضيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وهو أوّل (330) من اتّخذ المقصورة فى المسجد لما نذكر من ذلك فى تأريخه، وأوّل من استخلف ولده ولى عهده، وأوّل من استخلف ولى العهد فى صحّته، وأوّل من اتّخذ ديوان الخاتم لما نذكر من ذلك، وهو أوّل من عقد المغيرة بالسكر، وكان أبو هريرة رضى الله عنه يعجب بها ويستطيبها ويأكلها عنده فى مدّة أيّام صفّين الآتى ذكرها فى تأريخها إن شاء الله تعالى، ويصلّى خلف علىّ عليه السلام، فقيل فى ذلك، فقال: مضيرة معاوية أطيب والصلاة خلف علىّ أفضل.

أوّل من أخذ الجار بالجار والبرئ بالسقيم زياد بن أبيه، وكان يقول:

ربّ حقّ أخرج من خاصرة الباطل، وهو أوّل من مشى بين يديه بالأعمدة، وأوّل من لبس الثياب الدبيقيّة، وأوّل من بنى بالجصّ والآجرّ بالبصرة.

أوّل من مشى بين يديه الرجال وهو راكب الأشعث بن قيس وكان سيّد أهل اليمن، وأسر مرّة فافتدى بثلاثة آلاف ناقة، وهو أوّل من دفن فى داره ولم ينقل إلى موسم الأموات، وذلك أنّه لمّا مات بالمدينة لم يقدر على إخراجه ودفنه من كثرة ازدحام العالم، ولم يقدر الحسن بن علىّ عليهما السلام أن يدخل عليه حتّى دخل من بعض دور لجيرانه، وكان (1) الرجل ينزل عن دابّته فيعقرها والآخر يجئ براحلته فينحرها فخاف الحسن أن يعقر الناس على قبره سائر دوابّهم فأمر بدفنه فى داره.

(1) وكان: ورأى لطائف المعارف

ص: 388

أوّل من أعطى شطر ماله فى الإسلام عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، وكان معاوية قطع <صلاته> (1) عن الحسن عليه السلام مرّة فضاقت حاله فى تلك السنة فكتب إلى عبيد الله بن العبّاس يخبره فبكا عبيد الله، ثم قال: ويحك يا معاوية أصبحت ليّن المهاد رفيع العماد والحسن يشكو سوء الحال (331) وكثرة العيال! ثم قال لقيّمه: احمل إليه شطر جميع ما أملكه فإن أقنعه وإلاّ فاحمل إليه الشطر الآخر! فلمّا بلغ الحسن ذلك قال: إنّا لله حملت على ابن عمّى فليت لا كنت كتبت إليه! وأخذ الشطر من ماله، وعبيد الله أوّل من فطّر جيرانه فى شهر رمضان، وأوّل من وضع الموائد على الطريق ودعا إلى طعامه فى الإسلام، وأوّل من أمر بنهبه، (2) وأوّل من حمله على رؤوس الناس لكثرته.

أوّل من نقش على الدراهم بالعربيّة عبد الملك بن مروان فإنّه عنى بذلك وكتب به إلى الحجّاج بن يوسف فى إقامة رسمه بذلك، وهو أوّل من تسمّى بعبد الملك فى الإسلام، وهو أوّل من لقّب من الخلفاء بالموفّق بالله.

أوّل من من ضرب الدنوف (3) من الدراهم عبيد الله بن زياد حين وثب عليه المختار حسبما نذكره إن شاء الله تعالى وهرب من البصرة وكان إذا نزل بماء وخشى أن يثب عليه الأعراب قسمها بينهم.

أوّل من اتّخذ البيمارستان الوليد بن عبد الملك، وهو أوّل من أجرى على القرّاء وقوّام المساجد الأرزاق، وكذلك على العميان وأصحاب العاهات وأخدم كلّ واحد منهم خادما، وهو أوّل خليفة تجبّر فى نفسه وسار فى الناس بالجبريّة والخيلاء لا ما (4) كان عليه من قبله لما نذكر من خبره فى تأريخه.

(1) صلاته: لطائف المعارف

(2)

أمر بنهبه: أنهبه لطائف المعارف

(3)

الدنوف: الزيوف لطائف المعارف

(4)

لا ما: لا بما لطائف المعارف

ص: 389

أوّل من رتّب المراتب من الخلفاء المنصور، وكان بنو أميّة لهم بيوت بلا منعة ولا إذن وإنّما كان الناس يقفون على أبوابهم حتّى يؤذن لهم أو يصرّفهم، فلمّا ولى بنو العبّاس وبنا المنصور مدينته اتّخذ فى قصره بيوتا للإذن فجرى الأمر عليه، وهو أوّل من اتّخذ الخيش فى الصيف لما نذكر من ذلك إن شاء الله تعالى.

(332)

أوّل من جمع له الحرب والخراج خالد بن برمك حين ولاّه المنصور فارس حربها وخراجها، وكانت الدفاتر فى الدواوين صحفا مدرجة فأوّل من جعلها دفاتر وجلود وقراطيس خالد بن برمك.

أوّل من اتّخذ الأتراك من الخلفاء المنصور، اتّخذ حمارا (1) ثم اتّخذ المهدى مباركا ثم اقتدى بهما الخلفاء وسائر الناس.

أوّل بنت (2) خليفة نقلت إلى زوجها من بلد إلى بلد العبّاسة بنت المهدى أخت الرشيد لمّا زوّجها من محمّد بن على بن سليمان نقلها إلى (3) البصرة.

أوّل من جلس فى المصائب على البساط دون الأنماط الرشيد حين نغى إليه إبراهيم بن صالح بن على، فصار إلى داره وجلس على البساط وامتنع أن يجلس على شئ من النمارق والأنماط وأمر برفعها واتّكأ على سيفه وقال: لا يحسن بأحد أن يجلس فى دار حبيب له من أهل بيته فى يوم مصيبته على نمط ولا نمرقة، فأسنّ ذلك فى الناس.

أوّل من وهب ألف ألف درهم فما فوقها معاوية ثم يزيد ولده لما نذكر من ذلك فى تأريخه وسببه.

أوّل من صار جدّ جدّ فى الدولة العبّاسيّة معاذ بن مسلم، ثم الفضل بن الربيع على صفر سنّه.

(1) حمارا: خمار واخ لطائف المعارف

(2)

بنت: ابنة لطائف المعارف

(3)

نقلها إلى: ونقلها إليه بالبصرة لطائف المعارف

ص: 390