الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر الأمم المخلوقة من رواية المسعودى
(1)
قال المسعودى رحمه الله: روى أنّ الله عز وجل خلق ألفا وعشرون أمّة حذاء الكواكب الثابتة، فى البحر منها ستمائة أمّة وفى البرّ أربع مائة وعشرون أمّة، فأحبّها إلى البارئ سبحانه وأفضلها عنده صورة الإنسان فإنّه خلقه على صورة إسرافيل عليه السلام، وفى الحديث أنّ الله خلق آدم على صورته، قلت:(2)
قال العلماء رضى الله عنهم: معناه على صورة آدم التى عليها هو فى الأرض وقالوا:
يعود الضمير (229) إلى أقرب مذكور، وكأنّ الحديث جواب عن سؤال مقدّر تقديره: هل تغيّرت صورة آدم عمّا خلقها الله كما جرى لإبليس والحيّة لما نذكر من ذلك، فقال: إنّ الله خلق آدم على صورته دفعا لهذا السؤال، وأمّا النقص من طوله إنّما هو تغيير لشكله إلى هيئة هى أليق بالأرض، وجاء فى الحديث:
لا تضربوا الوجوه فإنّها على صورة إسرافيل.
ذكر الأمم المخلوقة بإزاء منازل القمر
قال المسعودى رحمه الله: (3) زعموا أنّ كانت الجملة ثمان وعشرون أمّة بإزاء منازل القمر وهى المنازل العالية التى تقدّم ذكرها يحلّها القمر، قال: لأنّه عندهم المتولّى لتدبير العالم الأرضى بإذن الله تعالى، فخلقت أمزجة مختلفة أصلها الماء والهواء والتراب والنار، فهى متباينة الخلق، فمنها خفاف طوال ذوات أجنحة، كلامهم قرقعة، ومنها أمّة أبدانهم كما يكون بدن السّبع ورؤوسهم رؤوس الطير لها شعور وأذناب طوال، كلامها دوىّ، ومنها أمّة لها وجهان: خلقها وقدّامها فى رأس واحدة وأرجل كثيرة، كلامها كلام الطير، ومنها أمّة من الجنّ
(1) أخبار الزمان 15،10
(2)
المعجم المفهرس 3/ 438
(3)
أخبار الزمان 10،5
فى صورة الكلاب لها أذناب، كلامهم همهمة، ومنها أمّة تشبه بنى آدم أفواههم فى صدورهم وكذلك أعينهم، يصفرون صفيرا، ومنها أمّة كخلق الحيّات الهائلات لها أجنحة وأرجل وأذناب، ومنها أمّة تشبه نصف شقّ الإنسان بعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة يقفزون قفزا، كلامهم شبه كلام الغرانيق، ومنها أمّة وجوههم كوجوه الآدميّين وظهورهم كأصلاب السلاحف، فى رؤوسهم قرون طوال كلامهم كعوى (1) الذئاب، ومنها أمّة لكلّ واحد منهم رأسان (230) ووجهان كوجه الآدميّين طوال الجثث جدّا، كلامهم كالرعد يهول من يسمعه، ومنها أمّة مدوّرة الوجوه، لهم شعور بيض، وأذناب كأذناب البقر، يرزقون من أفواههم النار، كلامهم كهمهمة الأسود، ومنها <أمّة> (2) فى خلق النساء، لها شعور وثدى، وليس فيهم ذكر يلقحوا من الريح وتلد أمثالها، ولها أصوات مطربة يجتمع إليها كثير من هذه الأمم لحسن أصواتها، ومنها أمّة فى خلق الهوامّ والحشرات إلاّ أنّها عظيم الخلق تأكل وتشرب شبه الحيوانات العشبيّة، ومنها أمّة شبه دوابّ البحر لها أنياب محدّدة كالخنازير بارزة وآذان طوال كآذان الحمير.
قال المسعودى: وتتمّة ثمانية وعشرون أمّة على صور مختلفة لا يشبه بعضها بعضا.
قلت: لعلّ ما ذكروا من أمثال هذه الأمم أجروهم على اختلاف صور الكواكب التى ذكرناها فى المنازل القمريّة فاختلاف صور هذه الأمم لاختلاف صور الكواكب المذكورة، هذا إنّما ذكروه من طريق الحدس والظنّ لإثبات
(1) كعوى: كعواء
(2)
أمة: أخبار الزمان
قولهم إنّ الأمم المخلوقة ثمانية وعشرون أمّة بإزاء الثمانية وعشرون منزلة، فكان هذا القول يحتاج إلى ما ذكروه من اختلاف خلق هذه الأمم، وهذا عندى وعند كلّ ذى ذوق فاسد، وذلك أن قالوا إنّ هذه الأمم فى حكم البرّ لا البحر، والناس من عالم بنى آدم ما خلى منهم مكان من المعمور فى الأرض فلم يشهدوا ولا أمّة واحدة من هذه الأمم المذكورة فى جميع مسكون الأرض، ولا ورد عن أحد من العلماء ولا ممّن يثق به أنّه رأى شئ منها، هذا فى العامر من الأرض، وأمّا الخراب منها فأجمع الناس أنّه لا يمكن أن يكون فى الخراب من الأرض حيوان لما ذكرنا من قبل، فأين تكون هذه الأمم؟
(231)
وقال المسعودى أيضا: وإنّ هذه الأمم أعنى الثمانية وعشرين أمّة جميعها ركّب فيها حبّ الشهوة، وإنّهم تناكحوا فيما بينهم بعضهم ببعض فصارو مائة وعشرون أمّة مختلفين الخلقة، -بالله العجب من رجل عالم مصنّف مطّلع يذكر مثل هذا القول ويحرّر العدّة مائة وعشرين لا تزيد ولا تنقص، من أين لنا هذا؟ فلو قال-عفى الله عنه: وإنّهم تناكحوا فصاروا عدّة كثيرة ولا حرّر عددها لكان أقرب.
ومن رواية المسعودى رحمه الله أنّه قال: (1) ومن عجائب خلق الله تعالى خلق النسانس، وقد ذكر قوم أنّهم خلقوا كمثل نصف الإنسان يعدو عدوا أشدّ من الريح، وربّما كان ببلاد العجم ويصاد ويؤكل ومنه برّى ومنه بحرى.
قال: وذكر قوم أنّ سيّارة وقعوا بنسانس كثيرة فى مكان هو موطنهم فصادو منهم واحد وذبحوه وأكلوا وكان سمينا، فقال أحد القوم: ما أسمنه! فناداهم آخر من النسانس وهو مختف فى شجرة كثيفة: لا يا كاذبين! فقال إنّه كان
(1) أخبار الزمان 16.5: وقارن مروج الذهب 2/ 364 مادة 1338
يأكل الضر وكثير فسمن لذلك، ففهمّهم مكانه ونمّ على نفسه حتى أخذوه وذبحوه، فقال بعض القوم: ما أحمر دمه! فأجابه آخر من النسانس مختف أيضا وقال: كان يأكل السمّاق كثير، فنبّه أيضا على نفسه فأخذوه وذبحوه، فقال آخر من النسانس: لو كان سكت ما علموا بمكانه، فصادوا الآخر فناداهم آخر منهم: أنا والله ساكت ما أعلّمكم بمكانى! فأخذوا الآخر.
قلت: أمّا النسانس فقد ذكروهم جماعة من الناس والمسافرين وذكروا أنّ فيهم بريّا وبحريّا وقد ذكرهم ابن زولاق رحمه الله فى تأريخه، وقال: إنّ النسانس شبيه بالإنسان يكمل بسائر أعضائه غير أنّ ركبتيه مسح وهو أشدّ (232) عدوا من الغزال، وذكر أنّ رجلا من التجّار سفّارا ورد إلى بلاد هى بلاد النسانس البحريّة والبريّة، فاستضاف برجل من أهل المدينة، ودار الرجل مطّلعة على البحر، قال: فنزل الضيف فى علّيّة مطلّة على البحر، ونزل صاحب المنزل فى حاجته، قال: فسمع الضيف من صدر العلّيّة كلاما يقول: يا سيدى ارحمنى لله تعالى وافتح علىّ هذا الباب! قال: فنهط (1) ذلك الرجل وفتح باب مغلق فخرجت منه جارية عريانة الجسد فخرّت نفسها من طاق مطلّ على البحر فغاصت ولم تظهر، قال: فحزن ذلك الرجل الضيف وندم ندما عظيما وقال فى نفسه:
هذه جارية هذا الرجل وقد كان محترزا عليها فما ألجأنى إلى التعرّض وفتحى لها الباب حتى أهلكت نفسها، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فبينا هو كذلك إذ طلع صاحب المنزل بالغداء للضيف فوجده كئيبا فسأله عن أمره فقصّ عليه الأمر وقال: معذرة إليك يا أخى! وها مالى بين يديك خذ منها ما شئت! قال: يقول ذلك والرجل صاحب المنزل يتبسّم منه وقال: يا أخى خفّف عليك
(1) فنهط: فنهض
إنّما هى سمكة كان فى أجلها بعد بقيّة فنجت، فقال: كيف سمكة؟ فقال: هذه من نسانس الماء شربتها البارحة من صيّادها بخمس كراديخ يعنى خمس الدراهم لأطعمك هى شواء، ثم كشف عن ما أحضره وقال: بسم الله وناولنى معصم بكفّ قد طبخ فى ذلك الطعام مع بقيّته، فقلت: أعوذ بالله ما هذا؟ قال: فزاد ضحك الرجل وقال: كل وطيب نفسك فإنّه مأكول لذيذ وسمك جيّد وليس لأهل هذه البلاد مأكولا أفخر منه، قال: فأبيت فأحضر إلىّ من غير ذلك فأكلت وعدت أكرّر عليه السؤال فقال: إلى نهار الغد إن شاء الله أريك عجبا تصدق القول فيه.
قال: فلمّا كان الثلث الأخير من الليل أحضر لى دابّة وركب (233) أخرى وخرجنا إلى ظاهر المدينة وصحبتنا جماعة من أهل الرجل وعلى أيديهم كلاب كالأسود فظهر لنا ثلاثة نسانس شابّين وكهل فأطلقوا عليهم الكلاب فأدركوا الكهل وفاتوهم الشباب، قال: فلمّا أدركوا الكلاب الكهل وعادوا يراوغونه سمعت الكهل ينوح وينشد:
يا ما مرّ لى يا ما قد دهانى
…
قد غدر بى دهرى ورمانى زمانى
آف لدهرى كيف عادانى
…
من بعد ما كنت منه فى أمان
لو كنت شابّا لما أدركتمانى
…
ولكن لسنى وشيبى إلى علانى
آه من فرقتى لصحبى وخلانى
…
ومراتعى ومرابعى وقيعانى
قال: ثم أدركوه الكلاب وبطحوه ولحقوه القوم وذبحوه.
ثم سرنا غير بعيد فظهر لنا رجل وامرأة ومعهما صغيرة تقدير سباعيّة العمر، قال: فأدركوا الصغيرة فأخذوها ونجا الرجل والمرأة، قال: فعادت المرأة تنظر إلى ولدها الصغيرة وتبكى وتولول والصغيرة أيضا كذلك، قال: فكدت