الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهذه الآثار وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم من الكلام في التفسير بما لا علم لهم به. أما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه ولهذا رُوِي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير -ولا منافاة- لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل إنسان، ويكون الأمر أشد نكيرًا لو ترك التفسير بالمأثور الصحيح وعدل عنه إلى القول برأيه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا، بل مبتدعًا؛ لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله، صلى الله عليه وسلم".
وقال الطبري: "فأحق المفسرين بإصابة الحق في تأويل القرآن -الذي إلى علم تأويله للعباد سبيل- أوضحهم حجة فيما تأوَّل وفسَّر، مما كان تأويله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته، من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، أما من جهة النقل المستفيض فيما وجد فيه من ذلك عنه النقل المستفيض، وإما من جهة نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن فيه عنه النقل المستفيض، أو من جهة الدلالة المنصوبة على صحته، وأصحهم برهانًا -فيما ترجم وبيَّن من ذلك - مما كان مدركًا علمه من جهة اللسان، إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنًا من كان ذلك المتأوِّل والمفسِّر، بعد أن لا يكون خارجًا تأويله وتفسيره ما تأول وفسَّر من ذلك، عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخَلَف من التابعين وعلماء الأمة"1.
1 تفسير الطبري، جـ1 ص93.
الإسرائيليات:
لليهودية ثقافتها الدينية التي تُستَمد من التوراة. وللنصرانية ثقافتها الدينية التي تُستَمد من الإنجيل. وقد انضوى تحت لواء الإسلام منذ ظهوره كثير من اليهود والنصارى، ولهؤلاء وأولئك ثقافتهم الدينية.
وقد اشتمل القرآن على كثير مما جاء في التوراة والإنجيل ولا سيما ما يتعلق بقصص الأنبياء وأخبار الأمم، ولكن القصص القرآني يجمل القول مستهدفًا مواطن العبرة والعظة دون ذكر للتفاصيل الجزئية كتاريخ الوقائع، وأسماء البلدان والأشخاص، أما التوراة فإنها تتعرض مع شروحها للتفاصيل والجزئيات، وكذلك الإنجيل.
وحيث دخل أهل الكتاب في الإسلام فقد حملوا معهم ثقافتهم الدينية من الأخبار والقصص الديني، وهؤلاء حين يقرءون قصص القرآن قد يتعرضون لذكر التفصيلات الواردة في كتبهم، وكان الصحابة يتوقفون إزاء ما يسمعون من ذلك، امتثالًا لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا" 1، وقد يدور حوار بينهم وبين أهل الكتاب في شيء من تلك الجزئيات، ويقبل الصحابة بعض ذلك ما دام لا يتعلق بالعقيدة ولا يتصل بالأحكام، ثم يتحدثون به، لما فهموه من الإباحة في قوله، صلى الله عليه وسلم:"بلِّغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"2. أي حدِّثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، أما ما جاء في الحديث الأول: "لا تُصدقوا أهل الكتاب ولا تُكذبوهم" فهو محمول على ما إذا كان ما يخبرون به محتملًا؛ لأن يكون صدقًا، ولأن يكون كذبًا، فلا تعارض بين الحديثين.
تلك الأخبار التي تحدث بها أهل الكتاب الذين دخلوا في الإسلام هي التي يُطلق عليها الإسرائيليات من باب التغليب للجانب اليهودي على الجانب النصراني، حيث كان النقل عن اليهود أكثر لشدة اختلاطهم بالمسلمين منذ بدأ ظهور الإسلام. وكانت الهجرة إلى المدينة.
ولم يأخذ الصحابة عن أهل الكتاب شيئًا في تفسير القرآن من الأخبار الجزئية سوى القليل النادر. فلما جاء عهد التابعين وكثر الذين دخلوا في الإسلام من
1 أخرجه البخاري.
2 أخرجه البخاري.