الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عبد الرحمن بن أبي بكر أن يبايع، فأراده "مروان" بسوء لولا أن دخل بيت عائشة، وقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي} فردت عليه عائشة وبيَّنت له سبب نزولها، "عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا أنزل فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} فقالت عائشة: "ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري"1، وفي بعض الروايات: "إن مروان لما طلب البيعة ليزيد قال: سُنَّة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: سُنَّة هرقل وقيصر، فقال مروان: هذا الذي قال الله فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا}
…
الآية، فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب مروان، والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي نزلت فيه لسميته"2.
1 أخرجه البخاري.
2 أخرجه عبد بن حميد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن محمد بن زياد، قال: لما بلغ مروان لابنه قال مروان.. إلخ.
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:
إذا اتفق ما نزل مع السبب في العموم، أو اتفق معه في الخصوص، حُمل العام على عمومه، والخاص على خصوصه.
ومثال الأول قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} 1، عن أنس قال: "إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
1 البقرة: 222.
ذلك، فأنزل الله:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} .. الآية، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء إلا النكاح"1.
ومثال الثاني قوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَاّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى} 2، فإنها نزلت في أبي بكر، والأتقى: أفعل تفضيل مقرون: بـ "أل" العهدية فيختص بمن نزل فيه، وإنما تفيد "أل" العموم إذا كانت موصولة أو معرفة في جمع على الراجح، و"أل" في "الأتقى" ليست موصولة لأنها لا توصل بأفعل التفضيل، و"الأتقى" ليس جمعًا، بل هو مفرد، والعهد موجود لا سيما وأن صيغة أفعل تدل على التمييز، وذلك كاف في قصر الآية على مَن نزلت فيه، ولذا قال الواحدي: الأتقى أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين: "عن عروة أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة كلهم يُعذَّب في الله: بلال، وعامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وأم عيسى، وأمة بني الموئل، وفيه نزلت {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى}
…
إلى آخر السورة3، ورُوِي نحوه عن عامر بن عبد الله بن الزبير وزاد فيه: "فنزلت هذه الآية: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} 4
…
إلى قوله: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى} 5.
أما إذا كان السبب خاصًّا ونزلت الآية بصيغة العموم فقد اختلف الأصوليون: أتكون العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟
1-
فذهب الجمهور إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالحكم الذي يؤخذ من اللفظ العام يتعدى صورة السبب الخاص إلى نظائرها، كآيات اللِّعان التي نزلت في قذف هلال بن أمية زوجته: "فعن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم:
1 أخرجه مسلم وأهل السنن وغيرهم.
2 الليل: 17، 21.
3 أخرجه ابن أبي حاتم.
4 الليل: 5.
5 أخرجه الحاكم وصححه.
"البيِّنَةُ وإلا حدٌّ في ظهرك" فقال: يا رسول الله.. إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البيِّنَة؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "البيِّنَة وإلا حدٌّ في ظهرك"، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، وليُنزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، ونزل جبريل فأنزل عليه:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} 1
…
حتى بلغ: {إنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} 2، 3.. فيتناول الحكم المأخوذ من هذا اللفظ العام:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} غير حادثة هلال دون احتياج إلى دليل آخر.
وهذا هو الرأي الراجح والأصح، وهو الذي يتفق مع عموم أحكام الشريعة،، والذي سار عليه الصحابة والمجتهدون من هذه الأمة فعدوا بحكم الآيات إلى غير صورة سببها. كنزول آية الظهار في أوس بن الصامت، أو سلمة بن صخر - على اختلاف الروايات في ذلك، والاحتجاج بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة شائع لدى أهل العلم، قال ابن تيمية: "قد يجيء هذا كثيرًا ومن هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وأن قوله:{وَأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ} 4، نزلت في بني قريظة والنضير، ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين، فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق، والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه فلم يقل أحد إن عمومات الكتاب والسٌّنَّة تختص بالشخص المعيَّن، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص، فتعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ، والآية التي لها سبب معين إن كانت
1 النور: 6.
2 النور: 9.
3 أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه.
4 المائدة: 49.