الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير بالمأثور، ومؤلفات أسباب النزول، ومباحث علوم القرآن، ولم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء في ذلك، حيث إنه ليس من الواجبات التي تجب على الأمة إلا بالقدر الذي يُعرف به الناسخ والمنسوخ، قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في "الانتصار":"إنما يُرجع في معرفة المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين، ولم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك قول لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم ومعرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ فقد يُعرف ذلك بغير نص الرسول"1.
والمنهج القياسي الاجتهادي يستند إلى خصائص المكي وخصائص المدني، فإذا ورد في السورة المكية آية تحمل طابع التنزيل المدني أو تتضمن شيئًا من حوادثه قالوا إنها مدنية، وإذا ورد في السورة المدنية آية تحمل طابع التنزيل المكي أو تتضمن شيئًا من حوادثه قالوا إنها مكية، وإذا وُجِدَ في السورة خصائص المكي قالوا إنها مكية، وإذا وُجِدَ فيها خصائص المدني قالوا إنها مدنية، وهذا قياس اجتهادي، ولذا قالوا مثلًا: كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية مكية، وكل سورة فيها فريضة أو حد مدنية، وهكذا، قال الجعبري:"لمعرفة المكي والمدني طريقان: سماعي وقياسي"2، ولا شك أن السماعي يعتمد على النقل، والقياسي يعتمد على العقل، والنقل والعقل هما طريقا المعرفة السليمة والتحقيق العلمي.
1 انظر الإتقان جـ1 ص9.
2 انظر الإتقان جـ1 ص17.
الفرق بين المكي والمدني:
للعلماء في الفرق بين المكي والمدني ثلاثة آراء اصطلاحية، كل رأي منها بُنِيَ على اعتبار خاص.
الأول: اعتبار زمن النزول، فالمكي: ما نزل قبل الهجرة وإن كان بغير مكة، والمدني: ما نزل بعد الهجرة وإن كان بغير المدينة، فما نزل بعد الهجرة
ولو بمكة، أو عرفة: مدني، كالذي نزل عام الفتح، كقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الأمَانَات إلَى أهْلِهَا} 1، فإنها نزلت بمكة في جوف الكعبة عام الفتح الأعظم، أو نزل بحجة الوداع كقوله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا} 2، وهذا الرأي أولى من الرأيين بعده لحصره واطراده.
الثاني: اعتبار مكان النزول، فالمكي: ما نزل بمكة وما جاورها كمِنى وعرفات والحديبية. والمدني: ما نزل بالمدينة وما جاورها كأُحد وقُباء وسلع.
ويترتب على هذا الرأي عدم ثنائية القسمة وحصرها، فما نزل بالأسفار أو بتبوك أو ببيت المقدس لا يدخل تحت القسمة3، فلا يسمى مكيًّا ولا مدنيًّا، كما يترتب عليه كذلك أن ما نزل بمكة بعد الهجرة يكون مكيًّا.
الثالث: اعتبار المخاطَب، فالمكي: ما كان خطابًا لأهل مكة، والمدني: ما كان خطابًا لأهل المدينة.
وينبني على هذا الرأي عند أصحابه أن ما في القرآن من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} مكي، وما فيه من قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الذَّيِنَ آمَنُواُ} مدني.
وبالملاحظة يتبين أن أكثر سور القرآن لم تُفْتَتَحْ بأحد الخطابين، وأن هذا الضابط لا يطرد، فسورة البقرة مدنية، وفيها:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} 4.. وقوله
1 النساء: 58.
2 في الصحيح عن عمر أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع [والآية من سورة المائدة: 3] .
3 فسورة "الفتح" نزلت بالسفر، وقوله تعالى في سورة التوبة: 42: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ} نزل بتبوك، وقوله:{وَاسْألْ مَنْ أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا} في سورة الزخرف: 45، نزل ببيت المقدس ليلة الإسراء.
4 البقرة: 21.