الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويذكر العلماء تعريفًا له يُقَرِّبُ معناه ويميزه عن غيره، فيُعَرِّفُونَهُ بأنه:"كلام الله، المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته". فـ "الكلام" جنس في التعريف، يشمل كل كلام، وإضافته إلى "الله" يُخْرِجُ كلام غيره من الإنس والجن والملائكة.
و"المنزَّل" يُخْرِج كلام الله الذي استأثر به سبحانه: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} 1، {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّه} 2.
وتقييد المنزَّل بكونه "على محمد، صلى الله عليه وسلم" يُخرج ما أُنْزِلَ على الأنبياء قبله كالتوراة والإنجيل وغيرهما.
و"المتعبد بتلاوته" يُخرج قراءات الآحاد، والأحاديث القدسية -إن قلنا إنها منزَّلة من عند الله بألفاظها- لأن التعبد بتلاوته معناه الأمر بقراءته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة، وليست قراءة الآحاد والأحاديث القدسية كذلك.
1 الكهف: 109.
2 لقمان: 27.
أسماؤه وأوصافه:
وقد سماه الله بأسماء كثيرة:
منها "القرآن". {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} 1.
و"الكتاب". {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} 2.
و"الفرقان". {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} 3.
1 الإسراء: 9.
2 الأنبياء: 10.
3 الفرقان: 1.
و"الذكر".. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 1..
و"التنزيل".. {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 2.. إلى غير ذلك مما ورد في القرآن.
وقد غلب من أسمائه: "القرآن" و"الكتاب"، قال الدكتور محمد عبد الله دراز:
"رُوعِيَ في تسميته "قرآنًا" كونه متلوًّا بالألسن، كما رُوعِيَ في تسميته "كتابًا" كونه مدوَّنًا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه".
وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل على هيئته التي وُضِعَ عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفَّاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.
وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيها. بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز، إنجازًا لوعد الله الذي تكفَّل بحفظه حيث يقول:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند"3.
وبيَّن سر هذه التفرقة بأن سائر الكتب السماوية جِيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جِيء به مُصَدِّقًا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، فكان جامعًا لما فيها من الحقائق الثابتة زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سائرًا مسيرها، ولم يكن شيء منها ليسد مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى
1 الحجر: 9.
2 الشعراء: 192.
3 النبأ العظيم: ص12، 13- ط. دار القلم بالكويت.
قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرًا يَسَّر له أسبابه -وهو الحكيم العليم- وهذا تعليل جيد.
ووصف الله القرآن بأوصاف كثيرة كذلك:
منها "نور".. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} 1..
و"هدى" و"شفاء" و"رحمة" و"موعظة".. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} 2.
و"مبارك".. {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْه} 3.
و"مبين".. {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} 4.
و"بشرى".. {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} 5.
و"عزيز".. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} 6.
و"مجيد".. {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} 7.
و"بشير" و"نذير".. {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا} 8.
وكل تسمية أو وصف فهو باعتبار معنى من معاني القرآن.
1 النساء: 174.
2 يونس: 57.
3 الأنعام: 92.
4 المائدة: 15.
5 البقرة: 97.
6 فصلت: 15.
7 البروج: 21.
8 فصلت: 3، 4.
الفرق بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي
سبق تعريف القرآن، ولكي نعرف الفرق بينه وبين الحديث القدسي والحديث النبوي نعطي التعريفين الآتيين:
الحديث النبوي:
الحديث في اللغة: ضد القديم، ويُطلق ويراد به كلام يُتحدث به ويُنقل ويَبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه، وبهذا المعنى سُمِّيَ القرآن حديثًا:{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} 1، وسُمِّيَ ما يُحَدَّثُ به الإنسان في نومه:{وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} 2..
والحديث في الاصطلاح: ما أُضِيفَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة.
فالقول: كقوله، صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.."3.
والفعل: كالذي ثبت من تعليمه لأصحابه كيفية الصلاة ثم قال: "صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي" 4، وما ثبت من كيفية حجه، وقد قال:"خذوا عني مناسككم"5.
والإقرار: كأن يُقِرَّ أمرًا عَلِمَهُ عن أحد الصحابة من قول أو فعل. سواء أكان ذلك في حضرته صلى الله عليه وسلم أما في غيبته ثم بلغه، ومن أمثلته:"أكل الضب على مائدته، صلى الله عليه وسلم"، "وما رُوِي من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ} 6، فلما رجعوا ذكروا ذلك له عليه الصلاة والسلام، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: "أخبروه أن الله يحبه" 7.
1 النساء: 87.
2 يوسف: 101.
3 من حديث طويل رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب.
4 رواه البخاري.
5 أخرجه مسلم وأحمد والنَّسائي.
6 الإخلاص: 1.
7 رواه البخاري ومسلم.
والصفة: كما رُوِيَ: "من أنه صلى الله عليه وسلم كان دائم البِشر، سهل الخُلُق، لَيِّنَ الجانب، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا صخَّاب ولا فحَّاش ولا عيَّاب
…
".
الحديث القدسي:
عرَّفنا معنى الحديث لغة، والقدسي: نسبة إلى القدس، وهي نسبة تدل على التعظيم، لأن مادة الكلمة دالة على التنزيه والتطهير في اللغة، فالتقديس: تنزيه الله تعالى، والتقديس: التطهير، وتقدَّس: تطهَّر، قال الله تعالى على لسان ملائكته:{وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} 1، أي نُطَهِّرُ أنفسنا لك.
والحديث القدسي في الاصطلاح: هو ما يضيفه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى، أي إن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه على أنه من كلام الله، فالرسول راوٍ لكلام الله بلفظ من عنده، وإذا رواه أحد رواه عن رسول الله مُسْنَدًا إلى الله عز وجل، فيقول:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل....".
أو يقول: "قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى - أو يقول الله تعالى
…
".
ومثال الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: "يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحَّاء الليل والنهار
…
" 2.
ومثال الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منه
…
" 3.
1 البقرة: 30.
2 أخرجه البخاري.
3 أخرجه البخاري ومسلم.